الرئيسيةملف الأسبوع

طرائف تشكيل الحكومة..مواقف طريفة من كواليس مفاوضات توزيع الحقائب الوزارية

حسن البصري

منذ أن عينه ملك البلاد محمد السادس رئيسا للحكومة، وضع عزيز أخنوش أجندة لمسلسل جلسات مع قيادات الأحزاب الوطنية الممثلة في البرلمان، لجس نبضهم أولا ووضعهم في صورة التشكيل المحتمل للحكومة، قبل الإعلان الرسمي عن التركيبة البشرية للفريق الحكومي خلال الأسبوع المقبل.

اليوم تتم المشاورات بين رئيس الحكومة والفرقاء السياسيين بالمكشوف، بعدما كانت سرا من أسرار الدولة، وعقب كل لقاء يتم الكشف في ندوة صحفية عن تفاصيل الاجتماع وخلاصاته من طرفي التفاوض، وحين يتلقى قيادي حزبي عرضا من أخنوش يبادر بدوره، بعرضه على المجلس الوطني إعمالا للديمقراطية، وهو ما لم يكن حاضرا في أذهان السياسيين في العقود الماضية. هذا العرف دأب عليه كل رئيس حكومة مكلف وقد لا يقتصر على المشاركة في الحكومة، بل يمتد للنقاش في قضايا مصيرية. علما أن جلسات التفاوض حول الحقائب الوزارية تنتهي غالبا بتوقيع ميثاق أشبه إلى تعهد من أطراف التفاوض ينظم طريقة تدبير عمل الحكومة مستقبلا بشكل منسجم يراعي انتظارات المواطنين التي تم التعبير عنها خلال الحملة وبعد ظهور نتائجها.

وعلى هذا الأساس فإن تشكيل الحكومات واختيار الوزراء غالبا ما تحكمه التوازنات الجغرافية والسياسية، وتضاف لها صلات الصداقة والأقدمية والكفاءة، وكثيرا ما حدث أن احتجت جهات لأنها غير ممثلة في الحكومة، أو أن تمثيليتها ضعيفة. لكن لا بد من الوقوف عند التسريبات التي تلت تشكيل الحكومات وأسرار المفاوضات، وهو ما كشفته مذكرات سياسيين وحوارات شاهدين على العصر.

في هذا الملف ترصد «الأخبار» الجوانب الخفية والطريفة في سجال تشكيل الحكومات المتعاقبة على «حكم» البلاد، وتسلط الضوء على المفاوضات السرية والعلنية التي راهنت على انتقال «سلس» للسلطة دون أن يشعر الشعب بالمطبات.

البكاي و«فرانكو» رئيسا لديوانه

رغم انخراط امبارك البكاي في الجيش الفرنسي وبلوغه مرتبة عقيد، إلا أن هذه الصفة لم تمنعه من خدمة القضية الوطنية، وسجل له التاريخ موقفه بعد نفي محمد الخامس، إذ ضحى الرجل بمنصبه كباشا لمدينة صفرو رافضا الانضمام إلى قائمة رجال السلطة المتآمرين على العرش العازفين على مقام و»نوتة» «أمنا فرنسا».

حين عاد السلطان محمد بن يوسف من منفاه اختاره رئيسا لأول حكومة وطنية بعد الاستقلال، بمباركة من المستعمر الفرنسي، وقد كان الاتصال بين البكاي ومحمد الخامس قائما حين كان السلطان الراحل منفيا في جزيرة مدغشقر.

من الشروط الغريبة التي أصر عليها البكاي وألح على قبولها، تعيينه لرجل بركاني في ديوانه كرئيس حكومة، ويتعلق الأمر بعبد القادر بنصالح الشهير بـ «فرانكو»، الذي أصبح إمبراطور صناعة وتوزيع المياه المعدنية والمشروبات الغازية، والذي ظل يعتبر في سنوات الستينات والسبعينات واحدا من أكبر أغنياء المغرب، قبل أن يورث الجاه لابنته مريم بن صالح. وافق محمد الخامس على المقترح، وقال البكاي إنه لا مانع من إشراك أي اسم في تركيبته الحكومية، وأضاف: «جمعت بين صلابة الباشا والتزام العسكري وحب الوطن، مما سيعينني على تحمل أعباء الحكم».

كانت مهمة البكاي صعبة، رغم أن محمد الخامس كان يدعم تجربة حكومية يحكمها رجل سلطة بامتياز، منضبط لأوامر المخزن حد الإيمان، وحين سئل عن مضاعفات تركيبة حكومية بدون رموز السياسة، قال إن حكم صفرو لا يختلف عن حكم المغرب، معتبرا دعم محمد الخامس مظلة له. أشرك الملك في الحكومة ممثلين عن حزب الاستقلال وعددهم تسعة وزراء، وحزب الشورى والاستقلال وعددهم ستة. وكان يرى أن الخريطة السياسية المغربية تحتم أن تعكس الحكومة جميع فصائل الأمة، فأعطى ستة مقاعد وزارية للمستقلين. وكان من بينهم شخصيات من أصول مختلفة.

قضت الخيبة على آمال فترة النضال والكفاح من أجل الاستقلال. لذلك ستسقط هذه الحكومة بعد ثلاث سنوات، خصوصا بعد أن أصبح الخطاب الأبرز هو أن نظام الأحزاب السياسية كأسلوب للتنظيم السياسي والبناء الاقتصادي، باء بالفشل. كان لا بد أن يتواجه رجال الحركة الوطنية، وأن يقف البعض إلى صف النظام، الذي لم يكن يرسم خطوطه العريضة غير الأمير مولاي الحسن الذي لم يكن يقبل بمجرد دور ولي للعهد، وهو الذي يعتبر نفسه واحدا من أشد المدافعين عن العرش والذين حققوا الاستقلال.

عبد الله إبراهيم وشرط إعادة ممتلكات الخطابي

قبل عبد الله إبراهيم منصب رئيس الحكومة حين عرض عليه، لكنه اشترط مجموعة من الشروط التي وضعها على طاولة المفاوضات، ومنها تمتعه بصلاحيات كاملة للعمل في كافة القطاعات الوزارية، وإعادة ممتلكات عائلة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتسريع إيقاع جلاء القوات الأجنبية، وتحرير الاقتصاد الوطني.

قال محمد الخامس «آمين»، وفي صباح يوم الأربعاء 24 دجنبر 1958 تم تنصيب الحكومة الجديدة برئاسة عبد الله إبراهيم، والتي ضمت شخصيات استقلالية من الجناح الذي ينتمي إليه عبد الرحيم بوعبيد كالتهامي عمار والمعطي بوعبيد، وأسماء أخرى محايدة أو محسوبة على القصر. وقد كانت الأسماء التي وضعت فوق طاولات المفاوضات غير قابلة للنقاش، كأحمد رضى اكديرة، وأحمد الغزاوي، وإدريس المحمدي، وامحمد باحنيني وأحمد العلوي. بالإضافة إلى الجنرال الكتاني والكولونيل محمد أوفقير.

منذ الأيام الأولى لتعيين حكومة عبد الله إبراهيم، تشكلت الحكومة الموازية، وكانت مهمتها إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم، رغم أن هذا الأخير كشف عن خطة عمل بدأت تحقق بعضا من أهدافها، قبل أن يتم إقبارها بتخطيط من أشخاص استمدوا قوتهم من الأمير مولاي الحسن، الذي لم يكن يخفي حماسه للحكم. وقد اعترف لعبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد في هذه الحكومة بهذه الرغبة. لم تعش حكومة عبد الله ابراهيم أكثر من 20 شهرا.

وسيعترف أحمد رضا اكديرة، الذي كان رجل ثقة الحسن الثاني ومهندس كل المحطات السياسية لبداية عهد الاستقلال، بعد سنوات أنه تم تشكيل «حكومة ظل» كان يرأسها الأمير مولاي الحسن، وبعضوية آخرين، لتكون موازية للحكومة القائمة آنذاك. ولم يكن هدفها الأساسي، غير إسقاط حكومة عبد الله إبراهيم.

والغريب أن صفة رئيس الحكومة التي منحت لعبد الله ابراهيم، ستسقط مباشرة بعد سقوط هذه الحكومة لتحل محلها صفة الوزير الأول، قبل أن تعود في الدستور الجديد، لذلك كان سقوطها بداية عدد من الأزمات السياسية.

تعزيزات عسكرية في ليلة تشكيل حكومة أحمد باحنيني

بدأت المفاوضات لتشكيل حكومة أحمد باحنيني في نونبر 1963، في خضم تطورات سياسية أفرزت الصراع داخل البلاد إلى تيارات ومعسكرات، بسبب استمرار تداعيات الانشقاق الذي ضرب حزب الاستقلال في العمق. كانت التعليمات التي تلقاها باحنيني واضحة، «احذر من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قيادة وأطرا وأعضاء، فالحزب يستهدف النظام».

لم يكن حظ أحمد باحنيني كبيرا، وهو يتولى مسؤوليته كوزير أول للمرة الأولى، ذلك أن أول دستور مغربي لعام 1962 نص على أن يتولى قيادة الجهاز الحكومي وزير أول.

فهم «الحاج أحمد» تعليمات القصر جيدا، وقرر تعزيزها باجتهاداته، لذلك قرر إشراك رجال أشداء معادين للاتحاد الوطني، فمنح الجنرال محمد أوفقير حقيبة وزارة الداخلية للمرة الأولى، وبذلك سيكون ثالث عسكري بعد المحجوبي أحرضان وزير العدل والمذبوح وزير البريد السابق يتحمل مسؤولية حكومية، كما تم إبعاد أحمد رضى اكديرة كوزير للخارجية ليخلفه أحمد بنهيمة في المنصب، وسيصبح عبد الهادي بوطالب وزيرا للعدل بعد أن كان وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول، وسينضاف عسكري آخر إلى وزارة الدفاع في شخص الجنرال محمد أمزيان خلفا لعسكري سابق وهو المحجوبي أحرضان الذي أسندت له حقيبة وزارة الفلاحة، أي أن وزارة باحنيني ضمت أربع قيادات عسكرية عليا.

كان من الطبيعي أن تسقط هذه الحكومة التي خرجت من خيمة القصر مائلة، ووجهت بملتمس الرقابة، وبأحداث 1963، بعد أن فضل الاتحاد الوطني خيار المعارضة الذي بلغ ذروته، بعد تقديم ملتمس للإطاحة بالحكومة بعد مرور حوالي سبعة أشهر على تنصيبها.

نجا باحنيني من ملتمس الرقابة الذي وقعه نواب الحزب الاتحادي، لكن قدرا آخر كان في انتظاره في العاشر من يوليوز 1971، حين سقط صريعا برصاص العسكريين المتورطين في المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات.

الغريب أن وزيرا سابقا في البريد، هو الجنرال محمد المذبوح، سيكون وراء مقتله وآخرين في مجزرة الصخيرات، يوم عقد العزم على الإطاحة بنظام الملك الحسن الثاني، بعد أن كان يشغل منصبا كبيرا ضمن الضباط المرافقين للملك.

تحديد صلاحية حكومة ما بعد انقلاب الصخيرات

في الوقت الذي تحدثت فيه الصحف المغربية عن انشغال كريم العمراني بإعداد تشكيلته الحكومية والتنقيب عن الوجوه القادرة على تدبير مرحلة ما بعد انقلاب الصخيرات، كان مقرب من الملك يطرق باب بيت كريم العمراني ويحمل له ورقة عليها أسماء يريد الحسن الثاني رؤيتها في لحظة التعيين الحكومي، وهو ما اضطر معه العمراني إلى إخضاع تشكيلته لتعديلات اضطرارية.

ألح الملك على إدراج أسماء لها حمولة أمنية، وقال للعمراني لا نريد حكومة لها برنامج سياسي نريد فريق عمل لتدبير المرحلة، بل إن ملك البلاد لم يتردد في القول خلال تصريح تلفزيوني: «لقد وفقنا الله إلى اختيار عدد من الرجال ألفنا منهم حكومتنا، وتتوافر في هؤلاء الأفراد الذين آثرت عنهم مزايا القلب والعقل، كفايات وأهليات خليقة بأن تترجم ما نتمناه».

حين طرح اسم علال الفاسي امتعض العساكر، وذكروا الملك بقولة الزعيم الاستقلالي حين قال: «أنا بين البارد والسخون لا أريد دخول الحمام»، كما جاء في مذكرات المحجوبي أحرضان.

ضمت الحكومة الجنرال محمد أوفقير، الذي أصبح وزيرا للدفاع ورقي في غضون ذلك إلى رتبة ماجور عام للقوات المسلحة الملكية، وتم تقليص عدد الحقائب بسبب الأسماء التي فرضها القصر، وأصبح الوزير الأول كريم العمراني مكلفا في الوقت نفسه بالتخطيط والشؤون الاقتصادية والمالية، بعد أن كان قد كلف بوزارة الاقتصاد قبل بضعة أشهر، كما تولى وزارة الداخلية أحمد بن بوشتى، وعين عبد اللطيف الفيلالي وزيرا للخارجية، في حين برز للمرة الأولى اسم الجنرال إدريس بنعمر كوزير للبريد، وأسندت الفلاحة إلى المعطي جوريو والأشغال العمومية إلى محمد البرنوصي، وضم العمراني نقابيا رادكاليا وهو محمد أرسلان الجديدي، الذي عين وزيرا للشغل والشؤون الاجتماعية والتنمية والرياضة، وعبد القادر الصحراوي الذي انشق عن الاتحاد الوطني وأصبح وزيرا للأنباء.

عشية تعيين الحكومة ألقى الملك خطابا تحدث فيه عن ضرورة إصلاح الوضع المائل، وأكد أن الحكومة الجديدة لم تخضع لأي مشاورات حول البرنامج الذي تعتزم تنفيذه، باستثناء ما أقره الملك ضمن أجندة زمنية حددها في عام ونصف، لكنها المرة الأولى التي تتشكل فيها حكومة يعرف مسبقا أن مدة انتدابها ستكون محدودة وذات طابع انتقالي.

الحبابي: تعديل حكومي على إيقاع جلسة خمرية

بعد المحاولة الانقلابية الثانية، قرر الملك الحسن الثاني الانفتاح على المعارضة، ودعا إلى اجتماع حضره عبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي وعبد الله ابراهيم. قال عبد الله ابراهيم للملك: «لقد تركنا لك ثلاث وزارات لتختار من يكون على رأسها». غضب الملك لكنه كتم غيظه، وقال: «لنعد إلى المقترح الأول، أي أن يكون الوزير الأول من خارج الكتلة وأن يشارك الاتحاد والاستقلال بوزراء في الحكومة دون رئاستها».

هكذا رد الحسن الثاني على مقترح المعارضة، وجعل قيادتها تغادر القصر وهي لا تفهم سر الدعوة، وقال القيادي الاتحادي محمد الحبابي إن عبد الرحيم بوعبيد حاول تلطيف الأجواء عندما خاطب الملك قائلا: «أنت هو كل شيء في البلد».

ظل اسم الوزير الأول موضوع سجال سياسي بين الأقطاب، «لقد كان الحسن الثاني يعرف أن النقاشات داخل الكتلة تصب في اتجاه أن يقود أحد هؤلاء الثلاثة الحكومة، وكنت قد اقترحت أنا عبد الرحيم بوعبيد، وهو الأمر الذي لم يعترض عليه علال الفاسي وبوبكر القادري، فيما اقترح الدويري أن يكون علال الفاسي هو من يتولى رئاسة الحكومة وقد وافقه بوستة الرأي، أما المحجوب بن الصديق فلم يكن يرى أحدا أحق بهذا المنصب غير عبد الله ابراهيم»، يضيف الجبابي الذي أكد أنه قبل المحاولة الانقلابية الجوية أرسل له الحسن الثاني موفدا عن القصر اسمه الدليمي لإقناعه، كما أرسل أوفقير لإقناع علال الفاسي بالتوافق على شخصية عبد الله ابراهيم. لكن زيارة الدليمي أخذت منحى آخر إذ استحوذ الحديث عن أوفقير كل المساحات الزمنية وبدا وكأن الدليمي يشك في نواياه الانقلابية، وعلى إيقاع جلسة خمرية انتزع موفد الملك موافقة الحبابي الذي قال في تصريحات صحفية إن الجلسة امتدت إلى ساعة متأخرة وكلما نضب مخزون «الويسكي» بعث الدليمي سائقه ليزوده بقنينات أخرى.

حسم الحسن الثاني الجدل بين الاستقلاليين والاتحاديين حين عين صهره أحمد عصمان في منصب الوزير الأول.

حين أعلن مولاي أحمد العلوي نفسه وزيرا ضدا على رغبة عصمان

بعد أن شرع المغرب في استرجاع صحرائه، أعلن الملك الحسن الثاني عن تعديل وزاري يوم 25 أبريل 1974، حيث ضم إلى التشكيلة الحكومية كلا من: إدريس البصري وعينه وزيرا منتدبا في الداخلية، وعبد الكامل الرغاي وعبدالقادر بنسليمان والطيب بن الشيخ وجلال السعيد، وغيرهم من الوجوه الجديدة، فضلا عن تعديلات همت بالدرجة الأولى وزارة الخارجية ووزارة العدل. وكان الهدف من التعديل دخول الحكومة مرحلة جديدة من تاريخ المملكة.

لكن التعديل أسقط بعض الأسماء من الحكومة على غرار المكي الناصري وأرسلان الجديدي ثم الوزير المقرب للقصر، مولاي أحمد العلوي، هذا الأخير لم يتقبل قرار إسقاط اسمه من لائحة الوزراء وعدم الاعتماد عليه في مرحلة دقيقة من حياة المغرب، معتقدا أن غضبة ملكية كانت وراء الإقصاء، بل إنه قام بمحاولات للقاء الملك حاملا تظلمه دون جدوى، خاصة وأن العاهل المغربي كان منشغلا برهان المسيرة الخضراء.

حسب الإعلامي المغربي الصديق معنينو، فإنه أثناء تغطيته لحفل ديني، اندس مولاي أحمد العلوي بين الوزراء فيما كانوا يتقدمون للسلام على الملك، فكشفه وزير التشريفات والقصور الملكية حينها، مولاي حفيظ العلوي، وكان معروفا بصرامته وشدته، فتقدم نحو مولاي أحمد العلوي وطلب منه التراجع والانسحاب من صف الوزراء مادام ليس وزيرا. وأمام صد وعناد مولاي أحمد العلوي سحبه وزير التشريفات من جلبابه لكي يبعده بالقوة، فصاح مولاي أحمد العلوي بأعلى صوته صارخا: «كنت وزيرا وسأبقى، أنا وزير سيدنا». حين سمعه الملك طلب من مولاي حفيظ العلوي السماح له بالسلام عليه وسط أعضاء الحكومة، وبعدها ببضعة أيام عين مولاي أحمد العلوي وزيرا بدون حقيبة.

الملك يتحدث لغة الكرة مع المعطي بوعبيد المعين وزيرا

تزامن الحديث عن تعديل حكومي مع زيارة الملك الحسن الثاني إلى الصحراء، في بداية الثمانينات. كان الوزراء يركبون حافلة سياحية، خلال الزيارة وهم منخرطون في تحليل الممكن والمستحيل في موضوع التعديل المرتقب وما إذا كان الملك سيعلن عنه في مدينة العيون. كان من بين ركاب الحافلة الوزارية عبد العزيز المسيوي مدير ديوان وزير الشباب والرياضة، وصديق المعطي بوعبيد الوزير الأول. هذا الأخير كان يركب سيارة ضمن الموكب الملكي، وفجأة نزل منها وتوجه صوب الحافلة وتحدث مع عبد العزيز بنبرة جادة، وحين عاد المسيوي إلى مقعده طوقه الوزراء بأسئلتهم حول الحقائب التي طالها التعديل، معتقدين أن الوزير الأول قد كشف له عن المتغيرات الوزارية، والحال أنه كان يسأله عن نتيجة فريق الرجاء البيضاوي الذي أنهى للتو إحدى مبارياته في الدوري المحلي.

وسبق للمرحوم عبد العزيز المسيوي، القيادي السابق في حزب الاتحاد الدستوري، أن كشف عن فحوى اجتماع عقده الملك الحسن الثاني مع المكتب السياسي للحزب برئاسة المعطي بوعبيد في نونبر 1996، عندما كان الملك الراحل يخطط لتجربة التناوب التوافقي، «حضرنا كمجموعة محددة ولم يحضر كل المكتب السياسي، وتناول معنا الملك الراحل مواضيع كثيرة وصارحنا، ومن جملة ما قال للأستاذ المعطي بوعبيد إننا كفريق لا يمكن أن نلعب مباراة كبيرة، وأضاف الملك موجها كلامه لبوعبيد أنا سأتحدث معك بلغة كرة القدم بما أنك تهتم بهذا المجال، فريقك في حاجة إلى تدريب ونفس طويل للدخول في المعارضة ليصبح فريقا قويا، أما الآن فإن لديك فريقا لا يمكن له إلا أن يشارك في شوط واحد من المقابلة».

وعلاقة بالموضوع، فقد جاء تعيين المعطي بوعبيد على رأس الحكومة باقتراح من الفقيه الركراكي الذي كان مدرسا في المدرسة المولوية، وهو من اتصل بلبابة العلوي زوجة المعطي ليقترح عليها استوزار زوجها المعطي في منصب الوزير الأول، وقيل إنها هي التي دفعته لقبول مقترح الملك الراحل الحسن الثاني برئاسة حزب الاتحاد الدستوري سنة 1983.

مفاوضات حكومية على رمزية كسكس مراكشي

تناسلت الأخبار وتداولت حكاية التناوب الذي تمناه الحسن الثاني بمشاركة اتحادية واستقلالية. لذلك تحرك الاستقلاليون في اتجاه إقناع إخوتهم بجدوى هذه التجربة التي يريدها ملك البلاد. كان الاتجاه العام وقتها مع تولي امحمد بوستة منصب الوزير الأول في حكومة يكون طرفها الأساسي هو الاتحاد الاشتراكي، وهو المقترح الذي زكاه محمد اليازغي الذي كان يمثل الاتحاد الاشتراكي في المفاوضات بعد هجرة عبد الرحمن اليوسفي إلى مدينة «كان» الفرنسية احتجاجا على نتائج الانتخابات.

تقرر أن يعقد اجتماع بين القيادات الاتحادية والاستقلالية بمنزل امحمد بوستة، يخصص لوضع اللمسات الأخيرة لهذا التناوب، الذي نادى به الحسن الثاني. يقول شاهد عيان:

«انطلق الحديث حول عدد الحقائب الوزارية، وأسماء الوزراء التي يقترحها الحزبان. وعن الأحزاب التي يمكن أن تكمل هذه الحكومة من خارج أحزاب الكتلة، التي كان حزب التقدم والاشتراكية لم يلتحق بها بعد. غير أن محمد نوبير الأموي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي وقتها والذي التحق بالمجتمعين في بيت بوستة، مشروع الوزير الأول في هذه الحكومة، سيقلب كل شيء، حيث وجه لمحمد الوفا، الاستقلالي الذي كان من أشد المتحمسين لهذه الحكومة السؤال: عن أية حكومة تتحدثون، فكان جواب الوفا «هذا الجالس أمامك، وكان يعني امحمد بوستة، هو الوزير الأول المرتقب».

رد الأموي بعنف: «إذا كان اسمك هو محمد الوفا، وهو مشتق من الوفاء، فليس من الوفاء أن نتداول في حكومة تناوب بدون حضور عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول الحقيقي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. تبادل المجتمعون نظرات الاستغراب مما حدث، وأخرج اليازغي ما يثبت توكيله ككاتب أول للحزب، لكن الجمع انفض بشكل عاصف بعد أن غادر الأموي، دون أن يتناول وجبة الغذاء بالكسكس المراكشي الذي كان سيصنع تناوب سنة 1993».

قلم أحمر للملك يغير ملامح لائحة اليوسفي في تجربة التناوب

حينما عاد قطار التناوب للدوران في 1998، نجح عبد الرحمان اليوسفي في فرض صيغة غير مسبوقة في عملية اختيار وزراء الحكومة والتي كانت من قبل تدبر من قبل الحسن الثاني وبعض أقرب المقربين له. مع حكومة التناوب نجح اليوسفي في انتزاع سلطة اختيار وزراء حكومته بمعرفته الخاصة، شريطة أن يضع الأسماء المقترحة أمام نظر الملك، الذي تردد أنه كان يحمل قلما أحمر للتشطيب على أسماء وجد أنها لا تصلح لتدبير الشأن العام.

لقد رفض اليوسفي أن يشتغل رفقة أعضاء المكتب السياسي للحزب. ولم يكن له من مبرر غير المحافظة على الكثير من السرية في اختيار أسماء الوزراء المقترحين لهذه التجربة، خصوصا وأنه لأول مرة في تاريخ الحكومات المغربية، سيضطلع الوزير الأول المقترح بعملية الاختيار.

ظلت جل المشاورات تتم أولا في قاعة المهدي بنبركة بداخل المقر المركزي للاتحاد الاشتراكي بحي أكدال بالرباط، قبل أن يحولها إلى بيت أحمد لحليمي ثم بيت بوزوبع. غير أن أكبر الاختيارات كانت بالطابق الخامس لجريدة الاتحاد الاشتراكي بزنقة الأمير عبد القادر بالدار البيضاء.

في هذه القاعة، استقبل اليوسفي كل زعماء الأحزاب المغربية سواء تلك التي شاركت في حكومة التناوب، أو تلك التي لم تشارك. كما استقبل كل الوزراء الأولين السابقين من عبد الله ابراهيم، إلى كريم العمراني، وعبد اللطيف الفيلالي، وعز الدين العراقي.

واشتغل اليوسفي أولا بوضع لائحة بأسماء الوزراء المقترحين للاستوزار، حيث وصل عددهم إلى سبعين. ثم وضعهم أمام الحسن الثاني، الذي تردد أنه كان يحمل قلما أحمر اللون لكي يشطب على أسماء رفض استوزارها، أو غير حقيبتها الوزارية. وكل رهانه هو أن يرسم ملامح حكومة تكون قادرة على تخليص المغرب من سكتته القلبية اقتصاديا وسياسيا.

من الأسماء التي طالها قلم الملك الراحل، محمد الوفا ومحمد الأشعري، الذي ظل الحسن الثاني يستحضر قصيدته الشهيرة عن الدار البيضاء في الثمانينات والتي أثارت غضب الملك الراحل. ولولا الحفاظ على توازنات لسقط من اللائحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى