شوف تشوف

عالم جديد يناديكم

ينص قانون الشغل بالنسبة للشركات على ضرورة قيامها بتدريب دوري على تقنية إخلاء المستخدمين لمكان العمل بسبب حريق متخيل.
هكذا إذا شب حريق بالفعل ذات يوم في الشركة يكون المستخدمون قد تدربوا على طريقة الفرار بجلدهم والنجاة من الموت.
مثل هذه التداريب تصلح لمواجهة الحرائق أو الزلازل أو الفيضانات.
يمكن أن يعتبر العالم أن جائحة كورونا هي بمثابة اختبار جماعي على مواجهة الأوبئة، سوى أنه تدريب حقيقي وليس متخيلًا.
عندما سيتمكن العالم من القضاء على فيروس كورونا سيكون عليه أن يستعد لفيروسات وجوائح جديدة، لأن هذه الكائنات ستكون عدونا الأكبر، وربما الوحيد بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية المترتبة عن التغييرات المناخية.
وهكذا ففي هذه الحرب ستكون القلاع هي وحدات القطاع الصحي، المختبرات والأطباء والممرضون ورجال الوقاية المدنية هم الجيش الذي سيقاتل في الخط الأمامي.
أعتقد أن المسؤولين عندنا عن صناعة السياسات العمومية لم يستوعبوا الدرس العميق الذي قدمته الجائحة. اعتقدوا أن الأمر مجرد موجة عابرة وبعدها ستعود الحياة إلى طبيعتها.
والحال أن العالم دخل عصر الجوائح، ستنتهي هذه الجائحة وربما يصبح الفيروس موسميا مثل فيروسات كثيرة، لكن لا أحد سيضمن عدم خروج فيروسات أخرى فتاكة.
ولذلك فلا مفر للمغرب من الاستثمار في اقتصاد الصحة والتعليم والتكوين في هذا المجال لأنه صمام الأمان الذي سيحمي البلد من الصدمات.
وهناك تقارير لا يجب فقط على المسؤولين عن تسيير الشأن العام الاكتفاء بمطالعتها بل عليهم تعليقها على أبواب مكاتبهم حتى يظلوا منشغلين بمضامينها ومستحضرين لخطورتها.
ومن ضمن هذه التقارير تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حول مستقبل العالم خلال الثلاثين سنة المقبلة.
أهم نبوءة جاءت في التقرير هي أن الاضطرابات والثورات الشعبية لن يكون المحرك الرئيسي فيها هو العامل السياسي بل الأوبئة والعامل البيئي.
مما يعني أن استمرار الأنظمة ودوام الاستقرار لديهما علاقة مباشرة بقدراتها على مواجهة الجوائح بواسطة وحداتها الصحية وأنظمتها الطبية وقدرتها على مواجهة المتغيرات البيئية أكثر من المتغيرات السياسية، والمغرب حسب التقارير الدولية التي تصدرها المؤسسات العالمية المتخصصة سيعرف تغيرات مناخية كبيرة خصوصا على مستوى الماء، إذ يصنف تقرير الأمم المتحدة المغرب ضمن قائمة الدول التي يتراجع فيها منسوب المياه الجوفية بنسبة تتراوح ما بين 20 و50 بالمائة سنويا.
ولفهم خرائط المستقبل التي ستنهض على أنقاض العالم القديم تجب قراءة تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية «CIA»، الذي يتوقع تراجع الولايات المتحدة الأمريكية إلى المرتبة الثانية بعد الصين في أفق 2030.
أخطر من تقرير وكالة المخابرات المركزية الذي يعتبره كل رئيس أمريكي بمثابة الإنجيل المقدس، هو تقرير آخر يتوقع أنه في 2060 لن يشكل اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية في الدخل الخام للاقتصاد العالمي سوى 16 بالمائة، في الوقت الذي سيشكل فيه الاقتصاد الصيني 28 بالمائة من هذا الدخل، و18 بالمائة بالنسبة للهند.
هذا يعني أنه بحلول سنة 2060 سيكون ترتيب الدول العظمى حسب اقتصادها كالتالي، في المرتبة الأولى نجد الصين، تليها الهند،تليها الولايات المتحدة الأمريكية، تليها البرازيل ثم روسيا.
وكما تلاحظون فلا أثر لأي دولة أوربية في ترتيب أقوى دول المستقبل، وحتى فرنسا التي بنت اقتصادها على استنزاف ثروات دول مستعمراتها السابقة، ستجد نفسها تراجعت من المرتبة الخامسة إلى العاشرة.
والجميع يتذكر كيف كان البعض يقدم روسيا والصين على أنهما خطر على المملكة، إلى درجة كان المغرب يتهيب من قبول أي مشروع فيه رأسمال صيني أو روسي، أما اليوم فهناك انفتاح على هذين البلدين بعد الزيارة الملكية للصين وروسيا، وبعد الزيارة الملكية للهند والتي فاجأت حتى واشنطن.
كل هذه الزيارات لم تكن عبثًا، لقد تم زرع البذور في وقتها واليوم حان وقت قطف الثمار لكي يكون للمغرب موقع في عالم الغد الذي تتشكل ملامحه اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى