الافتتاحية

عبث تشريعي

ما وقع داخل مجلس النواب خلال الأسبوع الجاري، بتصويت ثلاثة برلمانيين من حزب العدالة والتنمية على مقترح توزيع 12 مليار سنتيم من معاشات أعضاء مجلس المستشارين، لا يمكن تصنيفه إلا ضمن الفضائح التشريعية التي لم ينجح دستور 2011 في القطع معها. فكيف يعقل عقلا ومنطقا وقانونا أن يتفق ثلاثة مشرعين على تمرير قانون سبق رفضه؟ وهل يمكن لقوانين تمرر بلون سياسي واحد وبأصوات لا تتجاوز أصابع اليد، أن تحظى بالشرعية والمشروعية، وتكون ملزمة للكافة أشخاصا ومؤسسات؟
نعم ما قام به نواب الحزب الحاكم ما هو إلا نوع من أنواع العبث، ويفرغ الدستور والمؤسسات من محتواهما، فلا يوجد أي وصف مهذب يليق بتلك التصرفات غير العبث، ولو عبث أولئك النواب الثلاثة في شؤون أسرتهم أو استثماراتهم أو أعمالهم، لما بذلنا أي اهتمام أو متابعة للموضوع، ولكن الطامة أن عبث ثلاثة من نواب الحزب الحاكم يتجسد في سن تشريعات ملزمة تعتدي على أموال دافعي الضرائب، وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
وبغض النظر عن المضامين اللاأخلاقية للمقترح، الذي لا يعدو أن يكون جريمة تشريعية نكراء تستبيح المال العام، فإن الأمر يطرح وجها آخر من أعطاب العمل البرلماني، التي تتعلق بعقد اجتماعات البرلمان، سواء داخل اللجان أو الجلسات العامة، بمن حضر دون اشتراط نصاب محدد لعقد الاجتماعات، وهو ما جعل شبح الغياب يمد رجليه، ليفتح المجال أمام تمرير قوانين ذات رهانات كبرى بثلاثة برلمانيين أو أقل. بل إن القانون لا يمنع أن تعقد جلسة برلمانية بحضور شخصين، لتحسم في مشاريع ذات طابع استراتيجي بالنسبة إلى الدولة، ومثل هذه الممارسات غير الأخلاقية والمعاكسة لروح الدستور خلقت مناخا سياسيا سلبيا، غلب عليه عدم الثقة في المؤسسة التشريعية .
في الحقيقة فإن جلسة التصويت على فضيحة مقترح توزيع 12 مليار سنتيم، تستدعي تغيير النظام الداخلي لمجلسي البرلمان، لاشتراط نصاب معين قبل عقد الجلسة وأثناء التصويت، لأنه من المؤسف جدا أن نجد جمعيات لا ترى بالعين المجردة تشترط عقد جلساتها وفق نصاب الأغلبية، فيما البرلمان الذي يتداول في شؤون الدولة ومصير المواطنين وأوجه صرف المال العام، يحسم في قوانين استراتيجية ببضعة حاضرين.
لقد آن الأوان أن نضع حدا لهذا العبث التشريعي، لأن المواطن المغربي وهو المكتوي بنار المعيشة، قد سئم هذه الفضائح التي يقوم بها من انتدبهم لخدمة مصالحه بدل مصالحهم، وقرف من حماقاتهم التي لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى