
بعد التنظيم العالمي المحترف والمحكم والمشرف لمنافسات كأس إفريقيا للأمم بالمملكة المغربية 2025، بات من الضروري استخلاص جملة من الدروس والعبر التي تتجاوز البعد الرياضي، لتلامس جوهر الرهانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدولة المغربية في محيط إقليمي ودولي يشهد متغيرات متسارعة جدا وأحداثا تتطلب الحكمة في التعامل معها ووضوح الرؤية المستقبلية.
أولى هذه الدروس، التي يجب استخلاصها، تتجسد في تكريس سياسة «المغرب أولاً»، باعتبار الأمر من الخيارات الاستراتيجية التي تعمل وفقها جل دول العالم المتحكمة، وعالم اليوم لا يتعامل إلا بمنطق القوة والمصالح، ولا مكان فيه للتردد أو الحسابات الضيقة. ومن هذا المنطلق، يجب على الجميع العمل بجد وروح وطنية عالية لتعزيز عناصر قوة المملكة في مختلف المجالات، سواء الاقتصادية أو الدبلوماسية أو الاجتماعية، بما يضمن حماية مكتسباته وتحقيق طموحات شعبه تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.
لقد أبانت نسخة «كان المغرب 2025» عن مستوى متقدم من الجاهزية، خاصة على مستوى البنيات التحتية الرياضية والفنادق والنقل وملاعب التدريب، وهو ما يشكل نقطة تحفيز لتسريع أوراش التنمية الكبرى المرتبطة بمونديال 2030، وتنزيل الرؤية الاستراتيجية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، خاصة في مجالات الطرق السيارة، والسكك الحديدية والموانئ، إلى جانب تشجيع الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل. فهذه الأوراش لم تعد ترفا زائدا، بل يعول عليها بشكل كبير للتموقع القوي في عالم لا يعترف سوى بالقوة والجودة.
ويظل، كذلك، الرهان الاجتماعي حاضرا بقوة، إذ لا يمكن لأي نموذج تنموي أن يكون ناجحا بكل المقاييس دون تسريع معالجة الملفات الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية بين مختلف جهات المملكة، علما أن محاربة الفساد تبقى أولوية قصوى لما يسببه من استنزاف خطير لموارد الدولة، ويكلف خزينة البلاد مليارات الدراهم ويضيع فرصا حقيقية للتنمية والازدهار.
إن شمس النجاحات الرياضية، التي أبهر بها المغرب العالم، لا يمكن حجبها بهرطقات إعلامية أو صبيانية التصرفات الطائشة، والبنيات التحتية المتطورة، التي عاينتها الوفود والمنتخبات المشاركة، لا شك أحدثت ارتباكا واضحا لدى بعض الأنظمة التي ما تزال تغرق في التخلف رغم توفرها على ثروات باطنية هائلة. ويعود ذلك أساسا، كما يعرف العالم أجمع، إلى غياب العدالة الاجتماعية وسوء التدبير، وهو ما يجعل النموذج المغربي محط مقارنة وضغط داخلي متزايد داخل تلك الدول.
إن هذا التوجس الإقليمي ونار الحسد وتصويب البنادق نحو المغرب الذي فتح يديه لإكرام ضيوفه، كل هذا نابع من خوف حقيقي من وعي الشعوب المجاورة من المقارنة المباشرة بين ما تحقق بالمغرب وما تعيشه بلدان أخرى من أزمات وتراجع، الأمر الذي قد يهدد السلم الاجتماعي في دول لم تنخرط بعد في مسارات إصلاحية جادة.
وفي خضم هذه الصراعات، التي لا بد لنا من مواجهتها بالحكمة والعمل، هناك درس آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة الحذر من محاولات استغلال وركوب بعض أحداث مباراة النهائي أو غيرها، حيث يظل اختيار المغرب، كعادته، هو اللجوء إلى المؤسسات الدولية، ومعالجة أي تجاوزات في إطار القانون والقضاء، تكريسا لدولة المؤسسات وسيادة القانون.
نحن نعرف جيدا ولا نغفل وجود جهات معادية لا يروقها نجاح المغرب، وتسعى جاهدة إلى إشعال نار الفتن عبر الشائعات والأخبار الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما فشلت في نسف العرس الرياضي الذي احتضنته المملكة، وفشلت في تجييش العواطف وترويج الاتهامات الباطلة ضد المغرب وقيادته، وهنا نعول على وعي المواطن المغربي وذكائه الذي لا نشكك فيه، وصلابة المؤسسات التي نثق في أنها وقفت وتقف وستقف سدا منيعا أمام كل المحاولات البائسة واليائسة.
وختاما، فإن «دروس الكان» تتجاوز حدود المستطيل الأخضر الذي وضع للتنافس الرياضي ويريد البعض تحويله لساحة حرب مدمرة، والمغرب أكد بإصرار على أنه يسير في الاتجاه الصحيح، وأن التحدي الحقيقي اليوم هو تثبيت هذه المكتسبات، وتسريع الإصلاحات وتعزيز مناعة الدولة في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بثقة وقوة ومسؤولية، وما ذلك على المغاربة بعزيز.





