الرأيكتاب الرأي

عبد المجيد

شامة درشول
قضيت أسبوعا كاملا أدون في مفكرة هاتفي أفكار المقالات التي تتسابق إلى ذهني محاولة لفت انتباهي، وجعلي أختارها لتكون «مشاهدات عابرة»، للأسبوع المقبل.
تذكرت أني لم أرسل بعد مقال «الويكاند»، هذه الفترة الزمنية من الأيام التي أحاول أن أختار فيها موضوعا يتناسب مع إيقاع نهاية الأسبوع، موضوعا خفيفا، يمكن أن يظل ليومين.
هيأت نفسي للكتابة، ثم رن هاتفي معلنا أن رسالة وصلتني، فتحتها بسرعة، كانت من قارئ، كتب لي يقول: «أنا مجرد شاب عشريني أتابع كل ما تكتبينه على جريدة «الأخبار»، أتمنى أن تجيبيني».
وضعت هاتفي جانبا، كان عقلي مشغولا بفك ذاك النزاع بين الأفكار المتزاحمة على ذهني، كل واحدة منها تحاول أن تقنعني بأنها تتوفر على ما يكفي من الشروط لكي تخرج إلى القراء في مقال «الويكاند»، لكني عدت وأخذت هاتفي، كانت عبارة «أنا مجرد شاب عشريني» قد استفزتني، تواردت على ذهني الكثير من صور شباب الغرب وهم يحصلون على فرص ليس بسبب ذكائهم، بل بسبب أن بلدانهم تعرف أن تقدمها رهين بتأهيل شبابها، وإنماء طاقتهم، وتحويلهم إلى كفاءات. في المغرب، نردد أننا نعاني أزمة كفاءات، في الحقيقة ما نعانيه في المغرب هو أزمة طاقات، شباب مليء بالطاقة، بالذكاء، بالحيوية، لكنه يتعرض للقمع، والإهمال والتهميش.
تذكرت في عبارة «أنا مجرد شاب عشريني»، رسالة من قارئ عشريني من «اولاد تايمة»، كتب لي يوما يشكو كيف أنه يحاول الحصول على دعم من الهيئات المحلية لتنظيم مهرجان للسينما باولاد تايمة، لكن طلبه يتم إهماله لأنه «مجرد شاب عشريني». في اليابان، في كندا، في الدنمارك، وفي غيرها من الدول المتقدمة، لا يوجد مكان لشيئين، العمر والغباء، يعتبر كل مواطن طاقة، كفاءة، شخصا مليئا بالذكاء والموهبة، منذ أن يولد إلى أن يموت، لا يوجد شيء اسمه شخص غبي، ولا شخص صغير السن، ولا شخص عجوز. في بلدنا نكبر على شعار «حتى تكبر وتفهم باقي دبا صغير»، ونموت على شعار «إوا بنادم ما عندو ما يدي معاه آخرتها موت»، نعم آخرتها موت، لكنك نسيت أن تعيش أولا.
أخذت هاتفي، وكتبت ردا سريعا: «شكرا على رسالتك، أنت لست مجرد شاب عشريني، أنت شاب مفعم بالأمل»، وأعدت الهاتف إلى مكانه، أقفلت الحاسوب، وأجلت كتابة مقال «الويكاند»، إلى حين عودتي من حصة المشي في المنتزه. يقولون إن المشي يساعد على الإبداع، وهو حقيقة، أتوقف كثيرا لكي أخرج هاتفي وأدون على مفكرته ما يردني من أفكار. هذه لعمود «مشاهدات عابرة»، وتلك تهم أعمالي، وهذه تهم الإنجازات التي علي أن أقوم بها قبل نهاية السنة، وتلك أحتفظ بها للسنة القادمة.. أحيانا أشعر أني لا أخرج وحدي، وأنه يخرج معي الكثير من الأصدقاء المقيمين في ذهني والذين يستيقظون فقط خلال حصة المشي.
هذه المرة حين أردت إرجاع هاتفي إلى جيبي، لمحت رسالة من الشاب العشريني، بدت رسالة طويلة، بدأت قراءتها وأنا أمشي بعجالة، وقبل أن أنهيها، وجدتني قد توقفت عن المشي، وعينَاي مغرورقتان دمعا. كتب الشاب العشريني يقول:
«شكرا لك على ردك، لقد فرحت جدا، أما أنا فيمكنك أن تصنفيني من جيل الفيسبوك «ولاد اليوم»، الذين لا يحبون المطالعة، ولا يتفرغون لتنظيم وقتهم، ويعيشون حياة مبعثرة، وغير منتظمة، وبدون مسؤوليات.
أنا أنتمي إلى أسرة متواضعة، وجميلة، وجمالها يكمن في تواضعها، كالخمسة دراهم التي يضعها أبي يوميا في سترتي لكي أشتري جريدة «الأخبار»، لكي يحببني في القراءة، ومهما تكلمت عن حبه لعمود «مشاهدات عابرة»، الذي تترأسين عرشه، لا يمكنني أن أوفي حقها، أحببت كل ما تكتبين، هناك أشياء لا أتفق معك فيها، وأشياء لا أفهمها، ولكن معظم ما تكتبين هو رائع.
في الختام، أطلب منك شيئا صغيرا، هو أن تكتبي شيئا لوالدي، وسأتنبأ لك أن عينيه ستكتسحهما الدموع من شدة الفرح، لن يبكي بسبب ما ستكتبين له، بل ستبكيه كل مجهوداته التي بذلها من أجل جعلي مولعا بالمطالعة، أريده أن يعرف أن خطته نجحت، لقد بت أقرأ يوميا، وأتعلم كل يوم عشر إلى خمس عشرة كلمة، وسيصبح لدي مع الوقت مخزون كاف من الكلمات يمكنني أنا بدوري أن أكتب يوما.
أردتك أن تعلمي، أنك ستظلين دائما قدوتي، ليس فقط بسبب كتاباتك، بل بسبب عصاميتك، وقتالك ومحاربتك من أجل ما تؤمنين به. أتمنى أن تقرئي هذه الرسالة، وأن تكتبي لوالدي، اسمه عبد المجيد… القارئ محمد».
توصلت مرارا برسائل من آباء يحدثوني عن أبنائهم، وكيف يتقاسمون الاطلاع على الجريدة، وعلى عمود «مشاهدات عابرة»، وراقتني دوما رسائل كتب فيها آباء عن أنهم يحرصون على اقتناء الجريدة ليجعلوا بناتهم يطالعون عمود «مشاهدات عابرة»، كتبوا لي مرارا أنهم يقدمون لبناتهم ولأبنائهم على أني نموذج المرأة المغربية العصامية، التي جابت دولا كثيرة، وأقامت في بعضها، ولم يمنعها ذلك من أن تحافظ على هويتها المغربية، وهي تنفتح على ثقافات مغايرة، وصلتني رسائل كتبتها فتيات في سن المراهقة، يخبرنني فيها أنهن تعرفن علي عن طريق آبائهن، وفتيان أخبروني أنهم كانوا يقرؤون بالفرنسية فقط وباتوا يقرؤون لي بالعربية رغم ضعف مستواهم فيها. سعدت بكل هذه الرسائل، لكن هذه الرسالة وقعت في قلبي موقعا مختلفا، مثلما سبق ووقعت فيه رسائل من سجناء سابقين أخبروني في رسائلهم أني كنت سلواهم وهم في السجن، وأنهم خرجوا منه أشخاصا راغبين في حياة أفضل.
هذه الرسالة كان وقعها في قلبي مختلفا، لأني تذكرت، وأنا أتخيل عبد المجيد، والد محمد، يقتطع من مصاريفه المتواضعة ثمن اقتناء جريدة «الأخبار»، حتى يجعل ابنه يهوى المطالعة، ويطلع من خلالها على العالم، عالم آخر لن يجده في شباك فيسبوك. تذكرت وأنا أفعل، تقريرا عن السبب الذي يجعل الصحافة المكتوبة في الهند منتشرة، ولا يهددها خطر التكنولوجيا، أن الآباء يحرصون على اقتناء الصحف المكتوبة ليجعلوا أبناءهم يطالعونها، ومن خلالها يتعلمون اللغة الإنجليزية، ويتقنونها ويصبحون قادرين على اجتياز امتحانات دخول الجامعات الدولية، وينقذوا أنفسهم وأهليهم من الفقر.
هي ليست فقط حكاية عمود، ولا جريدة مكتوبة تقاوم بؤس الصحافة، بل حكاية أمل في مستقبل أفضل يتوارثه أهل هذا الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى