شوف تشوف

الرأيالرئيسيةثقافة وفن

علم الحديث رواية ودراية

 

 

بقلم: خالص جلبي

 أرسل إلي أخ فاضل عن ادعاء كشف خطير، يشكل إعجازا علميا جديدا للسنة، من حديث الحمير والديكة، كيف تقشع الحمير الشياطين، وكيف تبصر الديكة الملائكة؟

قال الرجل لقد كشف العلم الحديث أن عيون الحمير فيها من عصيات الشبكية بما ترى فيه الأشعة تحت الحمراء، وإذ كانت الشياطين المردة من مارج من نار؛ فإن قدرة الشبكية في عيون الحمير الظريفة تدرك فورا أن شيطانا مرّ لتوه بجنبها، فتبدأ في النهيق فورا؟

أما الديكة الأظرف؛ فنظرا لامتلاء شبكية العين عندها بمزية إدراك الأشعة ما فوق البنفسجية؛ فإن مرور الملائكة أمامها يجعلها تبدأ فورا بالصياح على الفلاح، ولم نعرف تماما عن مواعد مرور الشياطين والملائكة، ذلك أن الديكة تبدأ في الإزعاج قبل الفجر ولها نشاطات غير محددة، إلا طبعا بمرور الملائكة أمامها، وتسكت معظم النهار لاختفاء الملائكة الذين يداومون في الليل على ما يبدو، أما الحمير فمزاجية، وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير!

الشاهد في كل هذه القصة هي موضة الإعجاز العلمي، وقد كان علماؤنا في ما سبق جدا حكماء، حين قسموا الحديث إلى نوعين من ناحية الصحة؛ فقالوا بمصطلح علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية، أي تتبع صحة الحديث من مسلكين؛ هل هو عقلاني معقول، أم أنه ضد العقل والعقلانية، وليس فقط أن سنده ذهبي أو فضي أو من تنك وخارصين؟ أو بتعبير ابن خلدون ضد سنن الاجتماع، فالرجل أي ابن خلدون وضع قواعد صارمة من ست زوايا لمسك الخبر المنقول، فقال رحمه الله: فاعلم أن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد ولا الذاهب منها بالحاضر، فلا يأمن فيها الإنسان من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وهو ما وقع لكثير من أئمة النقل والتفسير، ثم يأتي الرجل إلى التاريخ فيحقق في ست روايات لأئمة النقل، حسب تعبيره، فيفندها؛ مثل رواية جيش موسى البالغ 600 ألف عسكري. فنّدها بقوانين لوجستية بحتة، بقوله كيف يمكن لجيش بهذا الحجم أن يخوض حربا لا يعلم آخر الجيش ما يحدث في أوله. ويذكر الرجل من خبرته في الجيوش وتنظيمها، فهو رجل دولة وسياسي عاش في حضرة الحكام، بل قابل السفاح تيمورلنك على أبواب دمشق، ونحن نعلم من خبر الإسكندر أنه قابل داريوس في معركة جواجاميلا بجيش بلغ تعداده 40 ألفا مع 7000 فارس، وهذا كان أقصى ما يمكن أن يحشد من الجيوش المقدونية. مع ذلك فإن الوضع اللوجستي تغير حين دفع هتلر في الحرب العالمية الثانية إلى الجبهة الروسية بعملية بارباروسا بخمسة ملايين جندي، والسبب هو تغير الواقع اللوجستي، فيمكن للجيش أن يتصل أوله بآخره فيعرف ماذا يجري، فضلا عن معرفة هتلر التفصيلية لأرض المعركة من البونكر أو مخبأ الذئب (Bunker)، ويأتي ابن خلدون بنماذج أخرى، مثل قصة بناء الأهرامات أو الحنايا في تونس (مخلفات قرطاجنة وحروب روما وقرطاج)، أن هناك من زعم أن من بناها كانوا أقواما عمالقة يبلغ طول أحدهم مائة متر. ففندها وأعادها إلى قدرة الحضارات وجبروتها، بل ويذكر أن الرشيد حاول هدم بناء إيوان كسرى والمأمون في هدم الأهرامات فعجزوا، فقال فهذا هو الفرق بين البناء والتخريب، مع أن الخراب والفساد سهل جدا أمام البناء. كذلك قصص من اليمن والعباسة، أخت الرشيد، أنها كانت خليلة (جيرل فرند Girl Friend) للبرمكي، فحصل السفاح والحمل الحرام، فبطش بهم هارون الرشيد؛ فأرجعها إلى قرب العباسيين من البداوة التي تأبى أخلاق القصور وتحلل الأخلاق فيها. والخلاصة فإن ابن خلدون لم نستفد منه بشيء ومن (اكتشف) ابن خلدون من تراثنا فعرفناه، كانت من كشوفات مؤرخين غربيين عاشوا الحداثة ونظروا إلى التراث نظرة تاريخية، مثل المؤرخ البريطاني توينبي الذي يصف الجبرتي بأنه كان ذا حس حضاري انتبه إلى المحاكمات الفرنسية والمرافعة والدفاع في قصة سليمان الحلبي، الذي اغتال الحاكم العسكري «كليبر» الذي خلف نابوليون الذي هرب الأخير إلى مصر عام 1801م، أكثر من فرقعات النيران وألعاب الجيش الفرنسي، وذهب توينبي إلى اعتبار أن إنجاز مقدمة ابن خلدون كان أعظم عمل أنتجه أي عقل في أي زمان ومكان (IT IS THE BEST WORK , OF ITS KIND THAT ES CREATED BY ANY MIND, IN ANY TIME OR PLACE))، وهو ما حدا بمحمد عبده أن يتعمد تدريس المقدمة للطلبة في الأزهر.

ونرجع إلى قصة الدراية والرواية؛ فلأن الفكر الإسلامي تحنط على شاطئ النقل، فقد قتل العقل، ومع قتل العقل انهارت الحضارة الإسلامية مثل سفينة التيتانيك وما زالت باتجاه القاع.

ولذا ـ وهي فكرة انفجارية ـ اعتماد عقلية جديدة لإعادة تكرير التراث، مثل تكرار السكر الخام والبترول والكحول والزيوت، من أجل الوصول إلى الأفكار الإيجابية، ومنه أيضا فهم القرآن من خلال اعتماد العلوم الإنسانية المساعدة، فلا يعقل أن نفهم مصدر الطاقة اللانهائي (القرآن) من خلال تفسير ابن كثير، الذي كتبه قبل 800 سنة في ظروف الانحطاط، وهو جيد حين يستأنس به لفهم عصر الانحطاط، أما استعماله الحديث فهو يشبه الدخول على جمجمة مريض باستعمال أدوات الجراحة من أيام الرازي وابن النفيس وابن سينا أو أيام الفرعون بيبي الثاني وحتشبسوت التي أصبحت في متحف التاريخ.

إنها أفكار جدا خطيرة .. جدا انفجارية.. جدا تصحيحية، ولكن لا بد منها، فلا يعقل أن يتم تبادل مثل هذا الغثاء في النت، فنسمم عقول الملايين من الشباب بالترهات والخرافات.

حسنا إن أمكن الوصول إلى المصادر العلمية الموثقة فيمكن حينها النظر بمعيار الحكمة كما يقول ابن خلدون، وهنا تبدأ مرحلة ولادة العقل الإسلامي الحديث.

نافذة:  

كان علماؤنا في ما سبق جدا حكماء حين قسموا الحديث إلى نوعين من ناحية الصحة فقالوا بمصطلح علم الحديث رواية وعلم الحديث دراية أي تتبع صحة الحديث من مسلكين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى