حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

عودة الروح

بعد خمس سنوات عجاف، تراجعت خلالها جاذبية الشأن السياسي، وتراجع فيها اهتمام شرائح واسعة من المجتمع بالنقاشات الحزبية والبرلمانية، عاد النقاش السياسي إلى واجهة الاهتمام العمومي، مستعيدا بعضا من بريقه المفقود، بعد تسجيل متابعة كبيرة للجلسات البرلمانية التي عقدها مجلسا النواب والمستشارين في الأسبوع الماضي، والتي خصصت لمناقشة البرنامج الحكومي وتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027.

ولعل اللافت في هذه العودة هو ما رافق الظهور الأول لرئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، فوق منصة البرلمان من اهتمام واسع لدى مختلف فئات المجتمع، أعاد تسليط الضوء على المؤسسة التشريعية، بعدما ظلت، طيلة السنوات الأخيرة، بعيدة عن اهتمامات المواطنين، ويمكن القول إن المنصوري نجحت، بفضل خرجتها، في إجراء صلح بين المواطنين والسياسة.

لقد كشفت الجلسة البرلمانية، التي قدمت خلالها رئيسة الحكومة برنامجها الحكومي، عن تحول في طبيعة التفاعل مع الشأن العام، بعدما عادت جلسات مجلس النواب تستقطب اهتمام المتابعين.. وتتحول مضامينها إلى موضوع للنقاش والتداول في الأوساط الاجتماعية والإعلامية، حيث لم يعد الأمر مقتصرا على النخب الحزبية والسياسية أو المهتمين بالشأن البرلماني، بل امتد إلى فئات مختلفة من المجتمع، وجدت في ما يقال تحت قبة البرلمان مادة للنقاش، وفي الوعود الحكومية الجديدة مناسبة لطرح الأسئلة حول المستقبل.

ولا تمكن قراءة هذا الاهتمام المتجدد بمعزل عن السياق الذي سبقه، حيث طغى على السنوات الماضية شعور بالفراغ والفتور تجاه العمل السياسي، بفعل اتساع الهوة بين الوعود والإنجازات، وتراجع الثقة في قدرة الخطاب الحزبي على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، فضلا عن تراجع النقاش حول مختلف القضايا السياسية المطروحة على الساحة، زاد من حدته ضعف التواصل الحكومي.

لا ننكر أن الضغوطات والإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد المطالب المرتبطة بالشغل والصحة والتعليم، ساهمت في جعل فئات واسعة من الرأي العام تسخط على السياسة وما يأتي منها، وهو ما يفسر تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، لأن المواطنين لا يرون أي جدوى من المشاركة السياسية وفقدوا الثقة في المؤسسات، ومن ضمنها الحكومة والبرلمان.

من هذه الزاوية، فإن الاهتمام الذي رافق ظهور فاطمة الزهراء المنصوري تحت قبة البرلمان، لا ينبغي اختزاله في مجرد حضور إعلامي عابر أو في متابعة شخصية رئيسة الحكومة، بل يتعين النظر إليه باعتباره فرصة لاستعادة النقاش العمومي حول السياسات الحكومية، ومضامين البرنامج الحكومي ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة للانتظارات المتراكمة، لأن عودة المواطن إلى متابعة جلسات البرلمان يجب أن تكون مرفوقة بإنجازات واقعية تجعله يقتنع بأن السياسة ما زالت قادرة على التأثير في واقعه اليومي.

ومن هذا المنطلق إذا كانت رئيسة الحكومة نجحت في إعادة النقاش السياسي إلى دائرة الاهتمام، فإن الامتحان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاهتمام إلى ثقة مستدامة، وفي جعل المواطن يلمس أثر القرارات الحكومية في قدرته الشرائية، وفرص الشغل المتاحة أمام الشباب، وجودة الخدمات العمومية ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.

إن السياسة لا تستعيد مكانتها بمجرد امتلاء قاعات البرلمان أو ارتفاع منسوب التفاعل مع الجلسات، وإنما حين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن ممثليه يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وأن الوعود الانتخابية ليست مجرد شعارات براقة تنتهي صلاحيتها بمجرد تشكيل الحكومة.

لذلك فإن عودة الاهتمام بالنقاش السياسي تمثل فرصة ينبغي استثمارها لإعادة الثقة في المشهد السياسي وفي المؤسسات الدستورية للبلاد.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى