
من يسمع المعارضة تتهم الحكومة بالتطبيع مع الفساد يعذرها، المعارضة طبعا.
فالحكومة لم تتفاعل مع تطبيق توصيات الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة وعددها 1000 توصية. وبسبب ذلك فقد المغرب في أربع سنوات ما يزيد عن خمس نقاط و21 درجة.
لدينا 900 ألف مواطن استفادوا من أموال راميد مع أنهم ميسورون ولا أحد اتخذ ضدهم أي إجراء لاستعادة المال المنهوب.
لدينا 43 مليار درهم سرقت من البرنامج الاستعجالي والمتهمون المعدودون على رؤوس الأصابع متابعون في حالة سراح بكفالة تتراوح ما بين 15 و50 ألف درهم ولا يلوح في الأفق أي أمل باستعادة درهم واحد من المليارات المنهوبة التي تحولت إلى مشاريع مدارس خاصة وضيعات فلاحية وعمارات سكنية.
لكن المفارقة هي أن المعارضة امتعضت عوض أن تبتهج لموسم قطف الرؤوس التي أينعت لبعض رؤساء المجالس الجماعية المتورطين في اختلالات مالية وإدارية، من خلال تفعيل مسطرة العزل في حقهم من طرف القضاء الإداري، أو إحالة تقارير الافتحاص على القضاء، سواء تلك التي أنجزتها المجالس الجهوية للحسابات، أو التي أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية والمفتشية العامة للمالية.
وإذا كان ما يحدث مدعاة للتفاؤل فإنه أيضا مناسبة لوضع الأصبع فوق بعض العيون الواسعة في الشباك القانونية والتي يفلت منها المفسدون بجلدهم ويستمرون في تسميم المؤسسات بحضورهم المستفز.
علينا أن نعترف بدون مركب نقص أن المنظومة القانونية للانتخابات فيها تناقضات، فعزل رئيس جماعة لا ينتج عنه تجريده من عضويته بمجلس النواب أو مجلس المستشارين، أو حتى عضويته بالغرف المهنية، رغم فقدانه للأهلية الانتخابية. كما أن قرار العزل لا يمنع الرئيس المعزول من الترشح خلال الولاية المقبلة إلا إذا كان حكما نهائيا صادرا عن محكمة النقض (وتلك حكاية أخرى).
بمعنى أن أي رئيس جماعة أو عضو جماعي تم عزله بسبب سرقة وتبديد المال العام يمكنه أن يترشح مجددا خلال الولاية المقبلة، بل ويمكنه أن يصير رئيسا (إييه أسي رئيس) ولا يمكن الإطاحة به إلا بعد “خروج” الحكم من محكمة النقض (وأمامكم ملف رئيس جماعة سيدي يحيى الغرب بإقليم سيدي سليمان نموذجا)، دون الحديث عن “لعبة” عدم تبليغ المعني بالأمر بالحكم النهائي من طرف مصالح بعض العمالات والأقاليم، التي يتحمل بعض موظفيها مسؤولية التقصير في تتبع مآل الدعوى، كما حصل مع البرلماني العيدودي المعروف بـ”هشة بشة عشة” الذي صدر في حقه حكم قضائي بالتجريد من عضوية مجلس جماعة الحوافات بإقليم سيدي قاسم، لكنه أكمل ولايته بخير وعلى خير، ولم يتم تنفيذ الحكم القضائي في حقه بذريعة عدم التوصل بالحكم القضائي، وخلال الولاية الحالية ترك هذه الجماعة لشقيقته، وترشح هو لرئاسة جماعة دار الكداري.
كما أن متابعة أي رئيس أو عضو أمام محكمة جرائم الأموال بدورها لا تمنع المتهم من الترشح لولاية قادمة سواء بالبرلمان بغرفتيه أو بالجماعات الترابية وكذا بالغرف المهنية.
وبسبب هذا “الحق” الذي يراد به باطل عاد كثير من المفسدين في الانتخابات الأخيرة لتسيير الجماعات نفسها التي نهبوها طوال سنوات مديدة. وأكبر مثال هو جماعة بوزنيقة التي عاد لتسييرها كريمين رغم أنه متابع بتبديد أموالها، وها هو اليوم يتلقى قرار عزله واستدعاء للمثول أمام قاضي التحقيق بسبب ملفات فساده الكثيرة.
ومثله عاد مبدع الفقيه بنصالح الذي انتهى في السجن وآخرون غيره صاروا من “المبشرين بعكاشة”.
فماذا لو أن قانونا صدر يمنع كل هؤلاء من الترشح للانتخابات طالما أن ذمتهم مشكوك فيها وأن محاكمتهم رائجة؟ ألم نكن سنوفر على المواطنين والمال العام كل هذا الزمن السياسي الذي تبدده المؤسسات الرقابية في لعبة “فين ودنك”؟
وحتى عندما يحدث الأسوأ ويتم صدور حكم العزل بناء على خروقات جسيمة واختلاسات للمال العام، فمن الممكن للمنتخب الجماعي الفاسد أن يعود بعد مضي فترة انتدابية للترشح، وكأن شيئا لم يكن، يعني أن القانون يمنحه هدنة انتخابية يستريح فيها من النهب ريثما يجوع قليلا لكي يعود ليجاهد في المال العام. اللهم إلا ما يترتب عن سقوط أهلية الترشح بسبب أحكام قضائية.
والغريب في الأمر أن غالبية من تتم متابعتهم أمام المحكمة الإدارية لا تتم متابعتهم قضائيا أمام المحاكم العادية أي محكمة جرائم الأموال، بل يتابعون جلهم في حالة سراح، ويظل ملف متابعتهم، إن تم ذلك أمام جرائم الأموال، يروج لسنوات طويلة ابتدائيا، وقس على ذلك مرحلة الاستئناف والنقض ومسطرة التبليغ، حتى يقضي الله أمرًا كان “مفعولا”.
ولدينا ملفات عديدة عمرت لسنوات طويلة بالمحاكم بعد إعادتها من غرف محكمة النقض، رغم صدور أحكام بالسجن في حق المتهمين فيها، في حين مازال أصحابها يترشحون ويتحملون مسؤولية تسيير الشأن العمومي والتصرف في المال العام المتهمين بنهبه.





