الرأيالرئيسية

قصص من وراء الظل

يونس جنوحي

 

رغم أن الحزب الحاكم في الهند اعتذر عن التصريحات الأخيرة لأحد قيادييه، والتي هاجم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن تداعيات الموضوع ما زالت تسبب المزيد من الارتدادات. ومع كل رجة، يعود موضوع مسلمي الهند إلى الواجهة.

في خضم النقاش حول الحريات في الهند، برز موضوع المقاولات الهنديات المسلمات، خصوصا في إقليم كشمير الذي يُعتبر بالنسبة إلى أشهر الصحافيين الدوليين، أرضية مناسبة للعمل الميداني لإنتاج قصص إنسانية ملهمة من أجل القنوات التي تدفع بالدولار، وبسخاء في الغالب.

وآخر هذه التطورات، ما نُشر في تقرير باللغة الإنجليزية، لكنه لم يلق أي ترحيب في كبريات وسائل الإعلام الدولية، لأنه لا يخدم بالضرورة ما تحاول أغلب هذه المنابر التركيز عليه.

يتحدث التقرير الذي نشرته صحيفة «كشمير الصاعدة»، عن تجارب شابات هنديات مسلمات في مجال الأعمال وريادة المشاريع. الصحافية «صباح خان» تواصلت مع نساء أعمال مسلمات في كشمير، وروت قصص نجاحهن، وأغلبهن صرحن بأن موضوع عمل المرأة وحقوقها في كشمير لم يعد مسألة «طابو» بعد الآن، بل صار واقعا.

بعض المنظمات الدولية التي تشتغل على مواضيع الأقليات وحقوق النساء في مناطق وجود الجماعات الإسلامية، تنشر دوريا تقارير مسيئة للإسلام في الغالب، وتخرج منظمات نسوية لتصحيح الصورة. وهذا تقريبا ما يقع في كشمير، حسب ما جاء في هذا التقرير.

ورغم أن بعض وسائل الإعلام تركز على حالات الهدر المدرسي، بسبب الأوضاع الاقتصادية للعائلات، خصوصا في القرى على الحدود مع باكستان، إلا أن قصة نجاح مهندسة معمارية مسلمة في كشمير، اسمها «محاك سهيل»، لم تحظ بأي تركيز إعلامي دولي، رغم أنها بصمت على مشاريع بارزة في الهند. وهي بالمناسبة خريجة جامعة «باهاراتي فيديابيث»، أحد أجود مراكز التكوين وإجراء البحوث العلمية ليس في آسيا فقط، وإنما على مستوى العالم. ورغم أن هذه المهندسة لم تبدأ حياتها المهنية إلا في سنة 2019، إلا أنها استطاعت الوصول إلى أعلى قائمة النساء الناجحات في كشمير، وتشارك اليوم في مشاريع بناء تجمعات سكنية ومقرات صناعية، فاقت سبعين مشروعا، لا يزال العمل عليها مستمرا في الأوراش. ويعهد المقاولون ورعاة المشاريع بمسؤولية إنجازها لهذه المهندسة، التي تتحدر من إقليم كشمير. ومن أقوى ما صرحت به هذه المهندسة، قولها إنها لم تركز أبدا على الترويج لأعمالها في مجال الهندسة، واكتفت بالتركيز على «التميز».

مثال آخر جاء به التقرير، يتحدث عن قصة الشابة «إنشاء مظفر» التي أطلقت مشروعا من الصفر، أصبح اليوم من أشهر العيادات التجميلية التي تنافس دوليا، حسب معايير الجودة والخدمات. وهذه الشابة المسلمة استطاعت أن تفرض نفسها في مجال العيادات الطبية المتخصصة في التجميل، وهو مجال احتكرت الهند الريادة فيه لعقود، خصوصا وأن أشهر شركات إنتاج المواد الدوائية المتعلقة بهذا التخصص توجد في شرق آسيا، وليس في أوروبا أو الولايات المتحدة.

إطلاق مشروع من هذا النوع يشبه كثيرا خوض حرب معنوية ضد الرافضين لقصص نجاح النساء المسلمات، في بلد ما زالت منابر الإعلام الدولي تركز فيه على المشاكل والصراعات الطائفية، سيما وأن مديرة المشروع، وهي شابة محجبة، عملت على تدريب عدد من الشابات المسلمات وتأهيلهن للتعامل مع الآلات وحصص العلاج وإرسالهن إلى دورات للتكوين المستمر، وهو ما يعني أن أسرا كثيرة في كشمير مرتبطة بهذا المشروع.

ورغم كل هذا، لا يزال الإعلام في الغرب يحاول تقديم النساء في شرق آسيا، خصوصا، على أنهن متشحات بالسواد وملفوفات في أكوام من الأثواب، في وسط ذكوري يهيمن عليه الرجال ولا يمنحون أي اعتبار للمرأة.

ورغم أن الحزب الحاكم في الهند أقدم على إصدار بلاغ واضح يعتذر فيه لمسلمي الهند، الذين يتجاوز عددهم مائتي مليون مسلم، إلا أن بعض وسائل الإعلام الدولية التي توجد في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية، واصلت حملة إبراز الهوة والمشاكل الطائفية التي تعاني منها أغلب الدول، التي تعرف تنوعا للثقافات والديانات بين مختلف أطيافها.

ألا تسخر الشعوب دائما من بعضها، وتُنتج النكت الدينية حول معتقدات الآخرين، وتتسبب في استفزاز مشاعر ومعتقدات الملايين حول العالم؟ على كل هذا أن يتوقف.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى