
يونس جنوحي
القراصنة الجدد يحتلون صدارة أخبار الصحافة الدولية منذ شهرين على الأقل. وهؤلاء القراصنة يتسببون في خسائر فادحة للحكومات. وكلما اكتشفت الأنظمة التي تبيع الأنظمة الرقمية ثغرات أمنية، إلا وبادر القراصنة إلى اكتشاف ثغرات أخرى أكثر تهديدا للأمن القومي وبيانات كبريات الشركات الدولية.
في واحدة من أكثر القضايا إثارة، تسلمت الولايات المتحدة الأمريكية منذ أبريل الماضي، بناء على طلب من مكتب التحقيقات الفيدرالي «FBI»، قرصانا صينيا اسمه «شو زيوي»، بعد اعتقاله في إيطاليا منذ العام الماضي. الولايات المتحدة تتهم هذا القرصان بالوقوف وراء عمليات اختراق استهدفت سرقة أبحاث لقاحات «كورونا»، بالإضافة إلى أنظمة تتعلق بالبنى التحتية الأمريكية.
وهذه القضية تسلط الضوء على الكيفية التي تستهدف بها العمليات السيبرانية المرتبطة بالحكومة الصينية، سرقة أسرار دول كبرى، غير معترفة بالحدود ولا النظم المتطورة – خصوصا في بلد مثل الولايات المتحدة.
هذا الشهر، صدر تحقيق أشرفت عليه جامعة «تورونتو»، بشراكة مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين «ICIJ» يكشف تظاهرات مجموعتان إلكترونيتان، ظهر أنهما متحالفتان مع الصين، بانتحال صفات صحافيين، وذلك بنية استهداف ناشطين ينتمون إلى أقليات مثل «الإيغور» و«التبت»، وهونغ كونغ وتايوان، بالإضافة إلى مجموعة من الصحافيين الصينيين.
التقرير يحدد بالتفصيل أسماء حركية للمجموعتين الصينيتين، ابتكرتا مخططات متطورة ومعقدة -هكذا يصفها تقرير جامعة تورونتو والاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين – لانتحال الشخصيات والتظاهر بأنهم نشطاء معروفون وموظفون في المنظمات ذات السمعة الطيبة، وأيضا انتحال صفات وشخصيات بعض النشطاء في الشركات التكنولوجية الكبرى المتخصصة في إصدار التنبيهات الأمنية. وذلك عن طريق اختراق البريد الإلكتروني لهؤلاء الضحايا الذين تم انتحال صفاتهم.
استهدفت المجموعتان المؤتمر العالمي لـ«الإيغور»، ومشروع حقوق الإنسان المدافع عن هذه الأقلية، وفريق الاستعداد لحالات الطوارئ المعلوماتية المدافع عن حقوق أقلية «التبت». وأيضا قناة إعلامية تايوانية اسمها «ووتش آوت». أما الشخصيات، فقد كان الناشط «كارمن لاو» الشهير في «هونغ كونغ»، أبرز الذين جرى اختراق حساباتهم.
التقرير يرصد استمرار عملية الاختراق على مدى تسعة أشهر، مع استعمال صفات الضحايا في أزيد من 100 موقع إلكتروني ضار، وسيئ السمعة، في إطار ما يعرف تقنيا بـ«تصيد الضحايا عن طريق الاحتيال». ومن بين أقوى الفقرات التي ضمها التقرير: «تظهر الهجمات أن المتسللين على دراية قوية بمجتمعات الشتات وشبكاتها، ويبدو أنهم عازمون على زرع الخوف وعدم الثقة، هناك».
جامعة تورونتو، بشراكة مع الاتحاد الدولي للصحافيين، أجرت مقابلات مع 105 ضحايا استهدفتها المجموعتان الصينيتان، في 23 دولة، والنتيجة كشف مخطط يشرح «كيف ضايقت الصين ووكلاؤها المعارضين من الإيغور والتبت وهونغ كونغ، ورصدت تحركاتهم على مدى أشهر، بمن فيهم النشطاء في الخارج».
لم يكتف التقرير بكشف هذه المعطيات، بل عرى أيضا الثغرات التي اعتمدها القراصنة الصينيون لاختراق حواسيب الضحايا وبياناتهم، وذلك عن طريق رسائل ملغومة عبر البريد الإلكتروني تدعو إلى الاستفادة من خدمات شركات استشارة وهمية، أو دعوات مزيفة. والمفاجأة أن البنتاغون الأمريكي كان أيضا مستهدفا من المجموعة نفسها. حتى أن التقرير حذر بشدة من الرسائل الواردة إلى النشطاء عن طريق بريدهم الإلكتروني.
برز الآمن مفهوم جديد، بسبب كل هذه التطورات في مجال القرصنة الرقمية المدعومة، لخصته جامعة «تورونتو» الكندية بـ«القمع الرقمي العابر للحدود»، مع تسجيل ارتفاع في أعداد الضحايا.
البحث العلمي الذي أسفر عن كل هذه النتائج عرى بالفعل فضيحة دولية من العيار الثقيل. إذ إن عمليات الاختراق لم تعد مقتصرة على قرصنة البيانات وسرقة البحوث والتقارير السرية، وإنما لإخراس المعارضين وكاشفي تجاوزات حقوق الإنسان.





