شوف تشوف

مليارات في مجاري ليديك 2.1

تحت إشراف بنك كبير بالمغرب أنهت شركة ليديك عملية اقتراض لدى تجمع استثماراتي مؤسساتي بحوالي 500 مليون درهم. هذا الاقتراض الذي اختارت ليديك أن تقوم به خارج المدار البنكي يكشف عن رغبة الشركة في إخفاء ديونها الحقيقية باللجوء إلى القروض الخاصة.
ويأتي هذا القرض بعدما أعلنت سلطات الدار البيضاء عن إجراء افتحاص للتدبير المفوض لخدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، الذي تشرف عليه شركة “ليديك”، وتشمل فترة الافتحاص تسع سنوات محاسباتية ما بين سنتي 2012 و2020، وتأتي عملية الافتحاص بعد تأخر مراجعة عقد التدبير المفوض الذي يربط مجلس المدينة مع الشركة، ودام هذا التأخر مدة خمس سنوات، ما تسبب في ضياع الكثير من حقوق الجماعة، لأنه كان من المفروض التوقيع على مراجعة العقد بتاريخ 30 يونيو 2016، وهو الموعد الذي حدده مجلس المدينة بناء على قرار لجنة التتبع، التي يترأسها العامل مدير الوكالات والمصالح ذات الامتياز بوزارة الداخلية، وتشرف على عمل مختلف اللجان الفرعية وفرق العمل الموضوعاتية التي تم إنشاؤها لتغطية مجموع أنشطة التدبير المفوض.
لكن عوض العمل على مراجعة عقد التدبير المفوض، دخل مستشارو حزب العدالة والتنمية في مفاوضات مع الشركة لإنجاز بعض المشاريع داخل الأحياء التي تشكل خزانا انتخابيا لهم، لأن أعضاء الحزب يشكلون الأغلبية داخل اللجنة العليا للقيادة المكلفة بمراجعة عقد التدبير المفوض مع الشركة.
وقام المجلس الجهوي للحسابات بتقييم الأثر الناتج عن عدم احترام المقتضيات المالية للعقد خاصة ما يتعلق بالرأسمال والأرباح والمساعدة التقنية، وذلك استنادا إلى المعطيات الحقيقية بين 1997 و2008 والتوقعات المالية للعقد من 2009 إلى 2027، حيث تبين أن الممارسات التي تقوم بها “ليديك” أدت إلى تجاوز الأرباح المتعاقد عليها، إذ بلغت نسبة المردودية الداخلية (TRI 18,5%) دون احتساب المساعدة التقنية المستمرة وفاقت 25.6 % مع احتساب المساعدة التقنية، علما أن التوقعات المالية تمت على أساس 15 % (تشمل تحمل المفوض له للمخاطر).
وكشف تقرير الخبرة الذي أنجزه تجمع مكتبي الدراسات AUDITAS – FIDUCIA، أن شركة “ليديك” ما زال في ذمتها مبلغ 546 مليون درهم، تشكل نصيب مجلس مدينة الدار البيضاء من الأرباح التي حققتها الشركة، خلال الفترة الممتدة ما بين 1997 و2006، وهي الفترة التي خضعت للافتحاص، وفقا للمادة 33 من عقد التدبير المفوض.
وفي دراسة للمعلومات المالية والمحاسباتية للشركة، المنشورة من طرف مجلس أخلاقيات القيم المنقولة، نكتشف مبالغ الأرباح التي حققتها الشركة، ما بين سنتي 2003 و2017، وصلت إلى 236 مليار سنتيم، وزعتها الشركة على المساهمين، ما عدا مجلس المدينة، وحسب المعطيات المتوفرة لدينا فرغم تراجع رقم معاملات الشركة، فإن أرباحها عرفت ارتفاعا سنويا من 100 مليون درهم سنة 2003 إلى 180 مليون درهم سنة 2017، وبلغت نسبة الأرباح خلال هذه السنة 90 في المائة من النتيجة الصافية، فيما بلغت 192 في المائة سنة 2006.
ولجأت الشركة إلى مكاتب خبراء أجانب لدحض نتائج تدقيق الحسابات من طرف السلطة المفوضة، وبالتالي التهرب من أداء المبالغ المستحقة لفائدة مجلس المدينة، ومنذ سنة 2012، بقي ملف الافتحاص وتدقيق الحسابات يراوح مكانه بين “اللجان المختلطة” واللجان المتفرعة عنها، دون أن تتمكن الجماعة من الحصول على مستحقاتها المالية، ما يلقي بالمسؤولية على مجلس المدينة في المطالبة بهذه الأموال.
لكن الذي حصل هو أن السلطة المفوضة (مجلس المدينة) لم تمارس اختصاصاتها المتعلقة بالمراقبة التقنية، المراقبة المالية ومراقبة التسيير، كما تنص على ذلك بنود العقد، كما يمكنها تكليف مراقبين خارجيين أو الاستعانة بخبراء أو أعوان من اختيارها تعلم بهم المفوض له، وتنص هذه البنود على موافقة الشركة المفوض لها، والسلطة المفوضة (مجلس المدينة)، بعدم الأخذ بعين الاعتبار النتائج المتعلقة بعملية مراجعة الحسابات الخاصة بسنوات ما قبل التوقيع على مراجعة عقد التدبير المفوض، ما يعني تنازلا عن مستحقات المجلس، الناتجة عن اقتسام الأرباح التي حققتها الشركة خلال السنوات السابقة.
والمصيبة أن المجلس عوض المطالبة بهذه الأموال، تحول إلى محام للدفاع عن الشركة، وعن المبررات التي قدمتها للتملص من أداء هذه المبالغ، وبقي الملف عالقا بين اللجان التي شكلها المجلس والشركة، دون الحسم في أي صيغة، وكانت النتيجة هي تخلي المجلس عن أزيد من 75 في المائة من المبالغ المستحقة لفائدته، والتي تقدر بـ546 مليون درهم (54,6 مليار سنتيم).
وأثناء مراجعة عقد التدبير المفرض تخلى المجلس عن حقوقه، مقابل منح مجموعة من الامتيازات للشركة، وهو ما ألحق أضرارا بجماعة الدار البيضاء التي اختارت اللجوء إلى البنوك الأجنبية من أجل الاقتراض عوض تحصيل مستحقاتها من ليديك، وركز عمل اللجنة التقنية المكلفة بالمراجعة بشكل رئيسي على الأحكام التعاقديّة من قبيل الاختلالات المرتبطة بالاستثمار والمساعدة التقنية، وتحرير رأسمال الشركة، وتعاملت اللجنة التقنية مع عناصر العقد الجديد بمقاربة تقنية سطحية، دون الخوض في الأمور المالية، من خلال تدقيق العمليات المالية والمحاسباتية، وهو ما يطرح أكثر من سؤال، لأن النقط الجوهرية التي من المفروض أخذها بعين الاعتبار في مراجعة العقد تم التغاضي عنها أثناء مناقشة عائدات المساعدة التقنية على الفائض الصافي للاستغلال، وعدم تفعيل المادة 33 من عقد التدبير المفوض، الذي يحدد هامش ربح المجلس من اقتسام الأرباح بين المجلس والشركة، ما أضاع على خزينة الجماعة مبالغ مالية مهمة.
وعوض القيام بمسؤوليته ونهج المساطر القانونية للمطالبة بأداء مستحقات المجلس، والتي تفوق 54 مليار سنتيم، دخل مجلس المدينة مع الشركة في لعبة اللجان المختلطة، والتي غالبا ما تنتهي بتبني رواية الشركة للتهرب من أداء مستحقات المجلس، والتي تعتبر أموالا عمومية، ولهذا وافق المجلس على إجراء خبرة “مستقلة”، قبل مراجعة عقد التدبير المفوض، ولكن في العمق، هو الوصول إلى مبررات تحت غطاء تقرير الخبرة، للتنازل عن المبالغ المستحقة حيث تم تشكيل “لجنة الخبرة” و”لجنة مختلطة” تتشكل من ممثلي “ليديك” و”مصلحة المراقبة الدائمة” وممثلين عن المجلس وسلطة الوصاية.
وتم تقسيم الخبرة إلى شقين، الشق القانوني، تكلف به مكتب استشارة فرنسي يسمى ” BAKER &McKenzie”، والشق المالي والمحاسباتي تكلفت به شركة كندية تسمى «SNC Lavalin»، هذه الشركة ما زالت تلاحقها فضيحة الارتباط بنظام معمر القذافي، بعدما كشفت وثائق قانونية أن الشركة وضعت زوجة أحد أبناء القذافي في كشوف رواتب موظفيها خلال فترة الثورة الليبية عام 2011 على الرغم من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة على نظام القذافي آنذاك، كما يواجه نائب سابق للرئيس التنفيذي لذراع المقاولات الدولي لهذه الشركة، والذي سُجن في سويسرا منذ أبريل في عام 2012، قضايا فساد وغسيل أموال بعد سنوات قضاها كواحد من أكبر الجالبين للإيرادات في شركة “لافالين” حيث حصلت الشركة عن طريقه على عقود بالمليارات لمشروعات عملاقة في ليبيا ودول شمال إفريقيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى