الرئيسيةملف التاريخ

نوبير الأموي…العلبة السرية للعمل النقابي

يونس جنوحي
«نشأ نوبير الأموي في مناخ نقابي كان يسيطر عليه المحجوب بن الصديق الذي لم يكن الاتحاديون يفضلونه كثيرا منذ حادث الانشقاق عن حزب الاستقلال سنة 1959.

نوبير الأموي كان من التيار الشاب المتحمس الذي كان يرى في بن الصديق ومحمد عبد الرزاق، مجرد مدارس قديمة في النضال النقابي.

وهكذا تم تشكيل لجنة وطنية عمالية، من الرافضين للاستمرار في النقابة القديمة. حيث أصبحوا تابعين للجنة الإدارية للحزب الذي كان يتزعمه عبد الرحيم بوعبيد.

تلك اللجنة كانت تشرف على القطاعات العمالية الاتحادية، وأحس رفاق المحجوب بن الصديق أنهم فقدوا حيوية كبيرة بانسحاب أولئك المناضلين.

لقد كان نوبير الأموي، بنظرته الهادئة والغامضة، وحرصه الدائم على عدم النظر إلى الأوراق، وراء ذلك الانقلاب الهادئ.

وعندما نظم الاتحاديون مؤتمرا استثنائيا في أكتوبر 1978، كانت الآراء الداخلية للحزب تتجه نحو إحداث تصحيح كبير عقب إعادة تأسيس الشبيبة الاتحادية. حيث تم تنظيم القطاعات الموازية من جديد مثل القطاع النسائي الاتحادي وقطاعات مهنية أخرى تشكل نواة المهن التي يمارسها أغلب الاتحاديين مثل التعليم والمحاماة والطب والهندسة، وأيضا القطاعات العمالية. وهؤلاء جميعا ساهموا في تأسيس الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وأصبح نوبير الأموي في قمة ذلك الانقلاب بعد أن وقع عليه ما يشبه الإجماع داخل التمثيليات النقابية، لكي يقود تلك التجربة.

شيخ النقابيين يترجل عن فرسه
قتلته الإشاعة مرة، قبل أن يسارع معارفه إلى تأكيد أنه لا يزال على قيد الحياة، ثم مضت شهور لكي يفارق نوبير الأموي، النقابي الذي صارع إدريس البصري ووقف في وجه مده من أعلى صهوة «دبابة» وزارة الداخلية، الحياة تاركا خلفه مسارا نقابيا وسياسيا شبه استثنائي.

كان نوبير الأموي أحد القلة الذين كانوا يعرفون كواليس النقاشات النقابية مع الحكومات في إطار الحوار الاجتماعي لأزيد من أربعين سنة.

جرب التعامل مع الجالسين في الوزارة الأولى منذ عهد أحمد العراقي، وكريم العمراني ثم مع أحمد عصمان فالمعطي بوعبيد وعز الدين العراقي، وصولا إلى حكومة عبد الرحمن اليوسفي، حيث كان نوبير الأموي حاضرا بقوة في تجربة التناوب ممثلا للنقابة في مناقشة الملفات المطلبية الاجتماعية مع اليوسفي.

استحق الأموي لقب شيخ النقابيين لأنه نشأ في خمسينيات القرن الماضي، ولم يكن عمره يتجاوز العشرين سنة وقتها، فهو من مواليد سنة 1935، في ظل الوعي النقابي الذي وصلت أصداؤه وقتها إلى ابن احمد نواحي سطات حيث رأى النور لأول مرة، قبل أن تتقاذفه التجارب إلى الدار البيضاء ومراكش أثناء متابعة دراسته العليا.

تقول بعض المصادر إنه تعرف على عبد الكريم مطيع، مؤسس الشبيبة الإسلامية خلال سبعينيات القرن الماضي، وكان بينهما اتصال عندما كان مطيع اتحاديا وناشطا نقابيا في صفوف اتحاد المفتشين المغاربة.

التحق الأموي بتلك التجربة التي شكلت العتبة الأولى لدخوله عالم النقابة. لكنه كان متمردا، بحسب عدد من الشهادات، وكانت لهجته، بحكم انتمائه القبلي إلى نواحي سطات، تضفي على شخصيته نوعا من «الكاريزما» المطلوبة في تلك المواقف «الخشنة»، وسرعان ما أصبح غير مرغوب فيه من طرف القيادات، لأنه «كان ينسف الاتفاقات المطبوخة».

يقول مصدرنا إن نوبير الأموي كان يثير بعض المواضيع بحضور مقربين من المحجوب بن الصديق، وتكون في الغالب محرجة. وقد حدث مرة أن الأموي أثار إشاعة ترددت في الدار البيضاء بخصوص اختفاء أموال من خزانة تابعة للنقابة، ولم يجرؤ أحد على مناقشة الموضوع علنا لأن الأموال التي اختفت كانت تحت يد شخصية مقربة جدا من المحجوب بن الصديق في الدار البيضاء. لكن الأموي أثار الموضوع فوق مائدة العشاء بحضور القيادات وبدأ الموضوع قائلا: «هادوك الفلوس ما هداكمش الله تقولو شكون خداهم». لكي يشرع الجميع في مداراة توترهم وانفعالهم لأن القضية لم يكن يراد لها أن تخرج إلى العلن حتى لا تُهاجم بسببها النقابة.

وهكذا كان نوبير الأموي يحتاج إلى وعاء حزبي أكثر جرأة لدعم مواقفه النقابية، خصوصا وأن أحداث 1965 بالدار البيضاء كانت مفصلية لأنها تزامنت بفترة قصيرة مع اختفاء المهدي بن بركة الذي كان يمثل بالنسبة لنوبير الأموي قدوة في مجال النضال النقابي.

وبما أنه وقتها كان مقربا من عبد الرحمن اليوسفي، بحكم أن الأخير اشتغل في المجال النقابي أيضا في الدار البيضاء خلال نهاية الخمسينيات، فإن نوبير الأموي سرعان ما أصبح ورقة صعبة في جيب عبد الرحيم بوعيد، حيث تم تأسيس تكتل نقابي مستقل عن المحجوب بن الصديق والآخرين، وانتظر نوبير الأموي قرابة ست سنوات إلى أن قرر الاتحاد الاشتراكي تغيير «جبته» والخروج إلى العلن بأذرع وقائية جديدة لقيادة «ثورة نقابية» سنة 1978، وكان الأموي في الريادة ليعيش معه نقابيو الفدرالية الجديدة أحداثا شائكة كان أولها إضراب 1981، ثم إضراب 1990 الذي كان قمة مواجهته الشخصية مع إدريس البصري.

وها هو الأموي اليوم يغادر الحياة في السابع من شتنبر، يوما واحدا فقط قبل الاقتراع، وهو الذي كان دائما في موعد مع الصناديق والاستعداد في بداية كل شتنبر للدخول الاجتماعي حاملا رأسه بين كتفيه، صاعدا درج مكتب الوزارة الأولى لوضع ملفاته الثقيلة فوق مكتب رئيس الحكومة، وهي العادة التي دأب عليها قرابة نصف قرن من الزمن.

الحوار مع «إلباييس».. غلطة حولت نوبير إلى أسطورة طلابية

منذ أحداث فاس 1990، أصبح نوبير الأموي شخصا غير مرغوب فيه بالنسبة لإدريس البصري، لكنه كان مضطرا إلى استقباله كلما تعلق الأمر بأزمة بين الحكومة والنقابة. حيث كان الوزير الأول يتخلف تاركا مكانه لإدريس البصري الذي كان يقول أمام الأموي دائما عبارته الشهيرة: «جيت من عند سيدنا»، في إشارة إلى أنه يحمل تعليمات من الملك الحسن الثاني إلى النقابة. وكانت تلك الاجتماعات التي حضرها نقابيون لا يزالون على قيد الحياة ويروون كواليس الملاسنات بين البصري والأموي بكثير من الإعجاب، قائلين إن بعض الاجتماعات النقابية تتحول إلى دروس في ثقافة «العروبية» وتقاليد «امزاب» و«ابن أحمد»، حيث كان الأموي يتفوق على البصري في التراشق بالمعاني.

تلك العداوة التي تخللها «الصواب» جنت على الأموي في أول سقطة سياسية له.

يتعلق الأمر بتصريحه لصحيفة «إلباييس» الإسبانية سنة 1992.

الأموي تحمس خلال الحوار، ووصف، حسب الرواية الرسمية، وزراء حكومة عبد اللطيف الفيلالي بتعبير قيل إنه قدحي ويمس شرفهم وذمتهم المالية.

ووقتها قال المدافعون عن نوبير الأموي، إن أمرا ما قد وقع في الترجمة بحكم أن الحوار نشر في صحيفة إسبانية.

لكن ذلك لم يشفع للأموي لكي يتم الزج به في السجن لسنتين. ووقتها لم يكن هناك شخص في المغرب أكثر سعادة من إدريس البصري لأنه ارتاح من غريمه في مناقشة الحكومة للملفات الاجتماعية مع النقابات.

كانت المحاكمة التي نظمت لنوبير الأموي غير مسبوقة وقتها في تاريخ المغرب حيث ترافع عنه عدد كبير من المحامين، وقيل وقتها إنه أكبر عدد من المحامين في المغرب للنيابة عن شخص واحد فقط.

ترافع الأموي عن نفسه خلال المحاكمة، وحاول تبرئة نفسه من تهمة سب وقذف وزراء الحكومة، وقال إنه لا يعرف الإسبانية وأن الترجمة هي المشكل، بحكم أنه نطق في الحوار بتوصيف للوزراء بالعامية المغربية. لكن كل تلك المبررات لم تشفع له ليسجن سنتين قبل أن يغادر أسوار السجن في استقبال تاريخي احتفل به الاتحاديون والنقابيون. وبلغ اهتمام الشارع المغربي بمحاكمة نوبير الأموي حد طبع اتحاد طلبة المغرب لصور الأموي وإلصاقها في ردهات الجامعات حيث كانت تلك واحدة من أكبر الحملات التضامنية في المغرب وقتها. وقد قال عدد ممن عاشوا تلك الأجواء المشحونة إن إدريس البصري انتقم من الأموي بعد انتفاضة فاس 1990، وزج به في السجن سنتين بعد ذلك.

 

الشاب الذي «جهّزه» المهدي بن بركة لاستفزاز إدريس البصري

في تسعينيات القرن الماضي، كان الشباب في الجامعات، الاتحاديون منهم خصوصا، معجبين بشخصية نوبير الأموي.

اسمه كان يتردد في تجمعات الشبيبة الاتحادية باعتباره رمزا للمعارضة وتجييش الشارع وقيادة الإضرابات النقابية.

إذ إن الملفات «العمالية» كانت تجد سندا لها بين أروقة الجامعات وهكذا كانت شعبية نوبير الأموي داخلها تتسع، خصوصا وأنه بدأ يشتهر بمواجهاته مع إدريس البصري، وزير الداخلية القوي، الذي كان العدو الأول للتمثيليات الطلابية المعارضة.

كانت صور نوبير الأموي جالسا إلى الطاولة مع وفد الحكومة الذي يترأسه إدريس البصري، تبث مشاعر الفخر وسط الطلبة المنتمين إلى الشبيبة الاتحادية، خصوصا عندما تتسرب مضامين تلك الاجتماعات إلى العموم. فقد كانت أجوبة نوبير الأموي على استفزازات إدريس البصري دائما تثير الإعجاب في أوساط الاتحاديين. وكانت الصحافة بين الفينة والأخرى تهتم إعلاميا بشخصية نوبير الأموي وتصريحاته القوية.

ما ميز نوبير الأموي أنه كان يتحدث نفس لهجة إدريس البصري، بحكم انتمائهما معا إلى إقليم سطات، ويستعيران معا من الموروث الثقافي لـ«العروبية»، وهكذا كان نوبير الوحيد الذي كان قادرا على مجاراة إدريس البصري في ضرب الأمثال والتهكم على القرارات والاستعانة بالأمثال الشعبية لإفحام الخصم بل وحتى التهكم عليه.

من يكون، إذن، ذلك الرجل الذي كانت نظراته القوية سر ترقيه في سلم النضال النقابي؟

كان دائما هناك جانب خفي في شخصية نوبير الأموي، خصوصا وأن طريقة توزيعه لنظراته على الحاضرين بقيت على حالها لا تتغير منذ شبابه إلى أن أصبح على رأس الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.

لكن لنبدأ منذ البداية. المسار الدراسي لنوبير الأموي قاده إلى لقاء المهدي بن بركة. إذ كان وقتها شبه مستحيل ألا يتأثر طالب في الثانوي أو المرحلة الجامعية بشخصية المهدي بن بركة ومقالاته وخطاباته على الطلبة الشباب.

بالإضافة إلى أن الأموي كان من المنخرطين في حزب الاستقلال نهاية الخمسينيات، وبمجرد انضمامه إلى التعليم بعد تخرجه، حتى انضم لأول مرة إلى العمل النقابي في بداية الستينيات. إذ كان الاتحاد المغربي للشغل، ذراع حزب الاستقلال بزعامة المحجوب بن الصديق، هو التنظيم الأول الذي احتضن الأنشطة النقابية لنوبير الأموي في قطاع التعليم.

وهكذا وقع عليه الاختيار سنة 1963، في خضم سياق الانتخابات وحمى الصراعات في الشارع، لكي يصبح مسؤولا عن اللجنة العمالية في النقابة. وبعض المصادر تقول إن المهدي بن بركة اختار نوبير الأموي بالاسم لتلك المهمة.

وهكذا جرب الأموي الاعتقالات لأول مرة في ذلك السياق الذي ميزته مؤامرة يوليوز 1963 والإضرابات في الشوارع التي مهدت لأحداث 1965 في قطاع التعليم، والتي سقط ضحيتها المئات بالرصاص.

تلك التجربة ساهمت في صناعة شعبية كبيرة لنوبير الأموي في الأوساط النقابية والتلاميذية والطلابية، فبعد التحاقه بقسم التفتيش، وإشرافه على القطاع النقابي لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قبل التحول مع عبد الرحيم بوعبيد إلى «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» وتزعمه للكونفدرالية الديموقراطية للشغل في نونبر 1978، أصبح نوبير الأموي رقما صعبا داخل الاتحاد، خصوصا مع اقتراب بداية الثمانينيات من القرن الماضي، حيث كان الشارع على موعد مع انتفاضات بصمت الحياة العمالية والنقابية في المغرب.

استفاد الأموي من تجربة احتكاكه بالمهدي بن بركة والمحجوب بن الصديق، الذي عارضه كثيرا بعد دخوله تجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وخوضه غمار انتخابات 1963 إذ كان الأموي حاضرا بقوة في الحملة أيضا أثناء مقاطعة دستور 1962 وساهم في حشد المتظاهرين ضد الدستور في الدار البيضاء.

كان سليل منطقة ابن أحمد، يجمع بين بساطة ابن «البادية» وبين التكوين السياسي لاتحادي تأثر كثيرا بالمهدي بن بركة أثناء شبابه ليصل إلى هرم المسؤولية النقابية، وهذه التركيبة التي لم تكن سرية، ساعدت على صناعة اسم نوبير الأموي نقابيا.

زعيم النقابة الذي أراد الخروج من جلباب «بن الصديق»
نشأ نوبير الأموي في مناخ نقابي كان يسيطر عليه المحجوب بن الصديق الذي لم يكن الاتحاديون يفضلونه كثيرا منذ حادث الانشقاق عن حزب الاستقلال سنة 1959. إذ إن بعض الأصوات المتطرفة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كانت تنعت المحجوب بن الصديق بأنه هو الذي باع المهدي بن بركة للنظام وأنه أخلى بوعد بينهما، رغم أنه لا يوجد دليل على هذا الكلام.

فقد كان المحجوب بن الصديق واضحا عندما اختار ألا تكون نقابته، الأقدم في المغرب، واجهة لأنشطة بن بركة السياسية.

نوبير الأموي كان من التيار الشاب المتحمس الذي كان يرى في بن الصديق ومحمد عبد الرزاق، مجرد مدارس قديمة في النضال النقابي.

وهكذا من خلال ممارسته المهنية في مجال التعليم، تدرج نوبير الأموي حزبيا أيضا، حيث كان من المشرفين الأوائل على ميلاد التيار النقابي، غير الرسمي في البداية، لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

عندما جاءت سنة 1972، وقعت قطيعة مع المتعاطفين مع المحجوب بن الصديق، أو الذين تربوا في جلبابه إن صح التعبير.

كان شهر يوليوز في تلك السنة ساخنا جدا وحافلا بالأحداث. لذلك قام الاتحاد بإعادة تنظيم صفوفه النقابية الذين كان أغلبهم ينشطون نقابيا داخل الاتحاد المغربي للشغل.

وهكذا تم تشكيل لجنة وطنية عمالية، من الرافضين للاستمرار في النقابة القديمة. حيث أصبحوا تابعين للجنة الإدارية للحزب الذي كان يتزعمه عبد الرحيم بوعبيد.

تلك اللجنة كانت تشرف على القطاعات العمالية الاتحادية، وأحس رفاق المحجوب بن الصديق أنهم فقدوا حيوية كبيرة بانسحاب أولئك المناضلين.

لقد كان نوبير الأموي، بنظرته الهادئة والغامضة، وحرصه الدائم على عدم النظر إلى الأوراق، وراء ذلك الانقلاب الهادئ.

وعندما نظم الاتحاديون مؤتمرا استثنائيا في أكتوبر 1978، كانت الآراء الداخلية للحزب تتجه نحو إحداث تصحيح كبير عقب إعادة تأسيس الشبيبة الاتحادية. حيث تم تنظيم القطاعات الموازية من جديد مثل القطاع النسائي الاتحادي وقطاعات مهنية أخرى تشكل نواة المهن التي يمارسها أغلب الاتحاديين مثل التعليم والمحاماة والطب والهندسة، وأيضا القطاعات العمالية. وهؤلاء جميعا ساهموا في تأسيس الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وأصبح نوبير الأموي في قمة ذلك الانقلاب بعد أن وقع عليه ما يشبه الإجماع داخل التمثيليات النقابية، لكي يقود تلك التجربة.

وكان إضراب التعليم لأبريل سنة 1979 أول عمل نقابي قاده نوبير الأموي وبقية قيادات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكان إشارة إلى أن النقابة الجديدة قد نضجت إلى درجة أنها مؤهلة لقيادة إضراب بهذا الحجم دون الحاجة إلى الرجوع إلى قواعد المحجوب بن الصديق.

إضراب 1981.. تجربة أليمة صنعت «كرسيا» دائما للأموي
سنة واحدة فقط بعد وصول نوبير الأموي إلى المسؤولية النقابية في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة عبد الرحيم بوعبيد وابتعاد الحزب عن «الاختيار الثوري» للفقيه البصري، حتى وجدت هذه التجربة نفسها أمام محك «ثوري» بسبب إضراب سنة 1981.

كان نوبير الأموي بالكاد يتآلف مع المهمة النقابية الجديدة التي أوكلت إليه بعد تأسيس الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.

وكان الحزب على مسافة من السلطة. لكن بعد سنة فقط، أي 1979، وصل إدريس البصري إلى وزارة الداخلية.

نوبير الأموي كان يعرف البصري قبل الوزارة جيدا. ليس فقط لأنهما ينحدران من نفس الموقع الجغرافي، ولكن أيضا لأن مسار إدريس البصري في الأمن، وفترة اشتغاله في أمن الرباط، كانت كافية لكي يكون معروفا في أوساط الاتحاديين، خصوصا وأن البصري كان حاضرا خلال محطات المنع التي تعرض لها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأيضا محطة إغلاق البرلمان سنة 1965 على أعقاب حالة الاستثناء.

هذا التعارف بين الرجلين جعل كل واحد منهما يكون حذرا من الآخر. فالبصري أصبح وزير الداخلية، بينما الأموي أصبح المسؤول الأول عن نقابة الاتحاد الاشتراكي التي كانت وقتها تحظى بشعبية كبيرة جدا.

وعندما جاء إضراب 1981، الذي وُوجه بعنف كبير واستعمل خلاله الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، كان نوبير الأموي يقود جل تلك المظاهرات في الدار البيضاء التي خرجت احتفاء بنجاح الإضراب.

وقتها كان إدريس البصري غاضبا، وهاجم النقابات، خصوصا نقابات التعليم، واتهمها بالوقوف وراء الإضراب.

كانت هذه المحطة أقوى تجربة في مسار نوبير الأموي الذي دشن ولايته في زعامة نقابة الحزب، حيث أصبح يحظى بشعبية كبيرة داخل أسرة الاتحاد الاشتراكي. حتى أن الشبيبة بدأت توجه له الدعوة لتسيير بعض اللقاءات الداخلية والتجمعات الحزبية، وكان مصير تلك التجمعات المنع من طرف الداخلية، وهو ما جعل نوبير الأموي يتحول سريعا إلى «نجم معارض» تخشاه آلة المنع التي كان يركبها إدريس البصري ويحصد بها الأخضر واليابس.

لكن أهم ما في هذه التجربة، أن الملك الراحل الحسن الثاني تدخل بعد اطلاعه على تقارير الداخلية، وأمر بفتح الحوار مع النقابات، وهكذا حجزت الأحداث المتلاحقة كرسيا لنوبير الأموي أمام إدريس البصري الذي كان مضطرا إلى الجلوس مع الأموي على نفس الطاولة لمناقشة مطالب الطبقات المسحوقة. وهي نقطة إضافية حصدها نوبير الأموي ساهمت في تعزيز حضوره النقابي لسنوات اختبر خلالها إدريس البصري وتعرف عن قرب على طريقته في ليّ أذرع النقابات وإفشال إضرابات وإنجاح أخرى.

لاحقا، تحدث الأموي، في حوارات سابقة مع الصحافة، عن تجربة إضرابات 1981، وقال إنها أعنف تجربة نقابية مر بها، حيث فقد خلالها أناسا من محيطه شاركوا في الإضراب والمظاهرات، وسقطوا بالرصاص الحي في شوارع الدار البيضاء.

كان الأموي، بالإضافة إلى كل هذا، من المتحمسين لإحياء ذكرى انتفاضة يونيو 1981 في ذكراها السنوية الأولى، متحديا بعض النصائح التي أسرها له المقربون منه من احتمال تكرار نفس السيناريو السابق في حالة الاحتفاء بالذكرى، لكنه لم يعر اهتماما لتلك التنبيهات، وقامت النقابة بإحياء ذكرى الشهداء، خصوصا عندما لقبهم إدريس البصري بشهداء «الكوميرا»، حيث انتفض ضده نوبير الأموي متهما إياه بإهانة ذكرى الذين دفعوا أرواحهم لإيصال صوتهم.

أما عندما تم اكتشاف المقابر التي دفن فيها المتظاهرون الذين سقطوا بالرصاص بعد أزيد من 25 سنة على تلك الأحداث، كان نوبير الأموي أول من اتجهت المنابر الصحافية إليه لكي يعلق على ذلك الاكتشاف، سنوات قليلة بعد رحيل إدريس البصري، حيث ظهر واضحا أن نوبير الأموي كان لا يزال يحمل تلك الغصة القديمة في حلقه. وقد تحدث عبد الواحد الراضي، وهو أحد أبرز قادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذين شاركوا عن قرب في كل الاجتماعات التي مهدت لميلاد نقابة نوبير الأموي، ثم الإضرابات التي دعا إليها الحزب من خلالها. يقول في مذكراته التي حملت عنوان «المغرب الذي عشته»: «جمع الاتحاد الاشتراكي أجهزته الوطنية، داعياً المناضلين والمناضلات إلى التعبئة والتعبير أقصى أشكال التضامن مع الطبقة العاملة في معركتها ونضالها المشروع، والدعوة بالخصوص للعمل على الانخراط في الإضراب العام وإنجاحه.

وسيعرف النّقابيون والمناضلون الاتحاديون، مرة أخرى، مرارة الاعتقالات والمحاكمات والأحكام القاسية. صخرة سيزيف الاتحادية تعود من جديد.
بخصوص الزيادات في الأسعار، اضطرت السلطات إلى التراجع بحذفها في بعض الحالات، وسحبها في حالات أخرى. وإذا كانت هذه الزيادات قد تم تخفيضها، فإن حملات القمع عرفت تصعيداً حقيقياً. لقد كانت فرصة أخرى للسلطات لتوقد نار نزعتها الانتقامية من مناضلي الكونفدرالية ونقابة التجار الصغار ومن الاتحاديين بصفة عامة.
كان البرلمان مجتمعاً، فبادرنا إلى مساءلة الحكومة وبالأخص الوزير الأول المعطي بوعبيد، ووزير المالية عبد الكامل الرغاي المسؤول المباشر عن الزيادات الكارثية، ووزير الداخلية إدريس البصري المسؤول عن قمع المضربين واستعمال العنف ضد المناضلين. وبهذه المناسبة، أطلق إدريس البصري عبارته الشهيرة «شهداء كوميرا» من منصة البرلمان الذي سرعان ما غادره بدون أن يعود إلى مقعده داخل القاعة.
وفي الواقع، لقد سقط شهداء بالعشرات، كما أكدت ذلك تحريات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي اكتشفت لجنة تحقيقه التي ترأسها الأخ مبارك بودرقة رفات عدد منهم. ومن ثم جرى الاعتراف الرسمي بهم وأعيد دفنهم في مقبرة خاصة بالدار البيضاء جرى تدشينها رسمياً يوم الاثنين 5 شتنبر 2016».
لقد كان نوبير الأموي أحد أكثر المسؤولين الحزبيين والنقابيين قربا من الملف بحكم أنه قاد حشد الاتحاديين والنقابيين لإنجاح الإضراب بالصورة التي كان عليها في يونيو 1981.

فاتح ماي.. يوم يُولد فيه الأموي كل عام
رغم الانتقادات الكثيرة التي قادها الاتحاديون أنفسهم، الغاضبون منهم خصوصا، ضد نوبير الأموي وهو يظهر، في واحدة من آخر المرات التي ظهر فيها للعموم، مترئسا حفل غداء للمكونات النقابية وهم مجتمعون على طاولة باذخة لمناقشة الحوار الاجتماعي مع الحكومة سنة 2012، إلا أنه بقي يحظى باحترام المكونات النقابية والحكومية، بصفته أحد الذين مروا بأسوأ وأعنف التجارب الصدامية بين الدولة والنقابات.

لقد كان نوبير الأموي طيلة حياته النقابية خزانا لتجارب من المواجهات بين الداخلية والنقابة، لذلك بقي دائم الحضور خلال السنوات الأخيرة لنشاطه النقابي خلال التجمعات النقابية والحوارات الاجتماعية مع الحكومة.

كان بديهيا أن تظهر بعض الأصوات داخل النقابة في محاولة لإزاحته من الصورة، باعتباره الجيل المؤسس الذي لا بد أن يترك المجال لآخرين لكي يقودوا سفينة النقابة.

لكن نوبير الأموي، بكل التراكمات التي جاء بها من زمن المواجهة مع إدريس البصري، كان لا بد أن يبقى أطول وقت ممكن.

تحدثنا في «الأخبار» إلى مصدر من الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، حيث تحدث عن محاولة اغتيال رمزية لنوبير الأموي سنة 2003، حيث برز تصدع داخلي في تجربة حكومة إدريس جطو ومشاركة بعض الوجوه الاتحادية في حكومته، أولهم عبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي. وقتها كانت خلافات داخلية على مستوى النقابة، بشأن تركة نوبير الأموي، حيث كان وقتها لا يزال حاضرا بقوة في مفاصل النقابة من خلال تيار تابع له منذ بداية الثمانينيات.

فشل «شبه الانقلاب» الذي كان سينظم ضد تيار نوبير الأموي لقيادة حوار اجتماعي مع إدريس جطو، لكن نوبير الأموي جمع في أواخر 2002 بعض القيادات النقابية في بيته وأخبرهم أن النقابة للجميع وأن الحوار الاجتماعي مع الحكومة لا بد وأن ينطلق من قناعة جميع القيادات والتيارات التي تتكتل داخل النقابة، وهكذا حمى الأموي قلعته من الانهيار، رغم أن النقابة وقتها لم تحقق، دائما حسب نفس المصدر، أي مكاسب أثناء حكومة جطو، بل وازداد الاحتقان مع حكومة عباس الفاسي سنة 2007، حيث كان يوم فاتح ماي يتحول إلى ذكرى لتذكير الحكومة بالملفات الاجتماعية العالقة.

الحالة الصحية لنوبير الأموي خلال السنوات الأخيرة، حالت وحضوره لاحتفال فاتح ماي، كما أن إلغاء الاحتفال به احتجاجا على حكومة بنكيران، ثم الاحتجاجات على أداء حكومة العثماني وتأخير بعض النقط المتفق عليها مع الحكومة في الحوار الاجتماعي الأخير، كلها أفقدت ذكرى فاتح ماي ذلك «الرونق» القديم الذي كان الأموي يستعرض فيه عضلاته كل سنة.

لكن آخر فاتح ماي في حياة نوبير الأموي، يستحق فعلا أن نقف عنده، لأن الاحتفال كان مجمدا في العالم كله وليس في المغرب فقط، بسبب انتشار وباء كورونا.

وقتها، أي خلال فاتح ماي الأخير، كان الأموي يصارع المرض فوق الفراش، وكانت الشغيلة التي طالما تحدث باسمها، هي الأخرى تصارع الوباء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى