الرأيالرئيسيةشوف تشوف

هل نضحي بالاقتصاد لإنقاذ السياسة؟ 

 

 

عندما تطرح موضوع الكفاءة في التسيير عوض الشرعية الحزبية مع انعدام الكفاءة يخرج من يرفع في وجهك شعار “بيننا وبينكم صناديق الاقتراع”، بدعوى أن البلاد لا تمر من أزمة سياسية للتفكير في خيار حكومة وحدة وطنية. 

الحديث عن حكومة وحدة وطنية يوجد وراءها أحزاب، ونحن نتحدث عن حكومة كفاءات، لأن البلاد بالفعل لا تجتاز أزمة سياسية كما يقول الحزب الحاكم، لكنها تجتاز أزمة اقتصادية، وهذه حقيقة لا يمكن أن يتعامى عنها إلا جاهل. 

يا سيدي الجميع مقتنع بأن حزب العدالة والتنمية سيفوز بالانتخابات في المغرب إذا نظمت غدا، ببساطة لأنه ليس حزبًا سياسيًا بالمعنى المتعارف عليه، أي حزب ينجح بفضل حسن تسييره وخلقه للثروة كما يحدث في تركيا مثلًا، بل هو ماكنة انتخابية ينجح لأن منافسيه يكادون يكونون منعدمين ولأن الناس عازفون عن التصويت ولأنه يتوفر على شعبه الذي يصوت له وليس بحاجة لتقديم أي حساب حول وعوده الانتخابية ولا حول منجزاته، ببساطة لأن الذين يضمنون نجاح الحزب في الانتخابات نوعان، جزء مستفيد من الحزب وأذرعه وامتداداته داخل الإدارات والنقابات والمؤسسات العمومية والمنتخبة، وجزء مستفيد عاطفيًا يصوت لأن خطاب المظلومية يصادف هوى في نفسه وينتشي بأسطورة الحزب المضطهد التي تحتمي خلفها قيادات الحزب كلما انتقدها أحد، لأنه يرى في هذه الصورة نفسه كشخص يعاني من سيكولوجية المواطن المضطهد.

وهذا النقاش كنّا سباقين إلى إثارته قبل سنوات عندما قلنا إن العدالة والتنمية حصل في الانتخابات على المرتبة الأولى بمليون و800 ألف صوت، من أصل 15,7 مليون مغربي مسجل في اللوائح الانتخابية والذين لم يتوجه منهم نحو صناديق الاقتراع سوى 6,7 ملايين، مما يعني أن تسعة ملايين مغربي مسجلين في اللوائح لم يدلوا بأصواتهم.

أما إذا ما احتسبنا نسبة المواطنين البالغين سن التصويت، والذين يبلغ عددهم حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط 23 مليون مغربي، فإننا سنحصل على رقم مفزع لنسبة المقاطعين والذين يصل عددهم إلى 16,7 مليون مغربي.

عن أي شرعية إذن يتحدث العدالة والتنمية عندما يقول إن الشعب المغربي صوت له إذا كان 16,7 مليون مغربي في سن التصويت لم يصوتوا لأي أحد؟

الحقيقة الواضحة اليوم هي أن المغاربة يخاصمون الأحزاب السياسية، أما الإرادة الشعبية التي يتحدث باسمها هؤلاء الأدعياء فليست واحدة بل هناك ثلاث إرادات شعبية على الأقل، الإرادة الشعبية الأولى تتكون من 22 مليون مغربي من حقهم التصويت، وهناك الإرادة الشعبية الرسمية المكونة من 15 مليون ناخب مسجل في اللوائح، ثم هناك الإرادة الشعبية الواقعية والتي تتكون من 6 ملايين مغربي صوتوا خلال الانتخابات، أو 5 ملايين إن شئنا بعد إزالة مليون ورقة ملغاة.

وهكذا فالنسبة المئوية للتمثيلية الحقيقية لحزب العدالة والتنمية في كتلة 15 مليونا هي 12 بالمائة أما بشأن الإرادة الشعبية الأولى، أي 22 مليونا، فتنزل النسبة إلى 8 بالمائة.

السؤال الآن هو: واش هاد 8 فالمائة كتعطيكم الحق باش تهضرو باسم المغاربة؟

طبعا لا، خصوصا إذا عرفنا أن الكتلة القارة لشعب العدالة والتنمية لا تتعدى 800 ألف صوت، فيما الكتلة المتحركة تبلغ 700 ألف صوت، و500 ألف صوت إضافي التي حصل عليها الحزب في الانتخابات الأخيرة نتيجة التصويت العقابي، فالذين صوتوا له فعلوا ذلك نكاية في الأحزاب الأخرى، وخصوصا الأصالة والمعاصرة، ومسيرة ولد زروال التي هندسها إلياس العماري مع الشرقي الضريس الوزير المنتدب السابق للدخلية، وحدها أهدت العدالة والتنمية 16 مقعدا في الدار البيضاء، في الوقت الذي كان منتهى طموحهم هو الحصول على ثمانية مقاعد فقط.

طبعا نحن هنا لا نتحدث عن كتلة ليست لها أهلية التصويت، نتحدث عن الجيش بكل أصنافه والأمن والشرطة والدرك والقضاة وحاملي السلاح وإدارة السجون والقوات المساعدة والوقاية المدنية، والتي تتكون من حوالي أربعة ملايين مغربي.

فكيف إذن يستقيم حديث حزب العدالة والتنمية أو غيره عن الإرادة الشعبية دون أخذ رأي كل هذه الملايين من المغاربة؟

إن الفائز الحقيقي في كل الانتخابات التي فاز فيها العدالة والتنمية هو حزب المقاطعين، وهو الحزب الوحيد الذي يحق له أن يدعي تمثيل الإرادة الشعبية الحقيقية للمغاربة، وهي الإرادة التي تلخص حالة السأم والتذمر التي يشعر بها المغاربة إزاء الأحزاب والسياسيين الذين حولوا العمل السياسي إلى وظيفة مدرة للدخل والحقل السياسي إلى حلبة للصراع حول الحقائب والمناصب واستغلال النفوذ لتشغيل الأهل والأقارب والأصحاب.

ومع وجود سياسيين من هذا المعدن الرديء الذي لدينا، إضافة إلى شعب تستفحل فيه الأمية، فيما الفئة الناجية المتعلمة فيه لا تقرأ لكي تفهم، فإن الديمقراطية تصبح مجارفةً من مخاطرها أن يخرج لك من صناديق الاقتراع شخص مثل البرلماني حواص صاحب 17 مليارا الذي كان يبيع الخضر بالتبراح في سوق الجملة، مع الاحترام لهذه المهنة، فأصبح برلمانيا ورئيس جماعة يتصرف في الميزانيات ويطرح الأسئلة على الحكومة في البرلمان فيما هو في الواقع مجرد «جقار».

لذلك يطرح فلاسفة ومفكرون اليوم سؤالا عميقا حول صلاحية الديمقراطية كأرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني في المجال السياسي، أي بعبارة أخرى هل تصلح الديمقراطية لكل الشعوب؟

والواقع أن الديمقراطية لكي تتحقق في مجتمع ما يجب أن تتوفر لها شروطها، وأحد أهم الشروط هو الوعي، لذلك لا يمكن بتاتا الحديث عن الديمقراطية في ظل وجود آفتين فتاكتين في المجتمع هما الأمية والفقر، ووجود هذين الفيروسين اللذين يتسببان في فقدان الوعي يشوش على نتائج صناديق الاقتراع ويجعلها فاقدة لكل مصداقية.

والجميع اليوم متفق أن البلاد تعاني من أزمة اقتصادية في ظل هذه الجائحة التي تهدد مالية المملكة بالسكتة القلبية، الجميع يطرح تساؤلات حول العرض الاقتصادي الأنجع للخروج من عنق الزجاجة، فكل القطاعات تستغيث ولا جواب يأتي من رئاسة الحكومة غير الخطابات التي تثير الهواجس أكثر من التطمينات.

ويوما بعد يوم تتعزز القناعة بأن الوقت بدأ يداهمنا، بل ويتجاوزنا، في ظل عدم توافر إرادة لدى رئيس الحكومة في تقديم عروض سياسية وبدائل اجتماعية من شأنها تخفيف حدة وقع الجائحة. بل إن ما يحدث هو العكس تماما، فقد تحول رئيس الحكومة بسلبيته وخرجاته غير المتوازنة إلى مصدر لإنتاج المشاكل الاجتماعية التي تزيد من تعقيد الأوضاع.

لذلك، لا مفر اليوم من طرح حلول لتجاوز مرحلة «الاحتباس الاقتصادي»، ولذلك فقد قلناها بكل وضوح، لم يعد أمامنا من خيارات للخروج من الوضع الراهن إلا بتكوين «حكومة كفاءات» بدفتر تحملات واضح ودقيق عوض الحكومة المتحزّبة التي أثبتت فشلها في الظروف العادية فما أدراك بهذه الظروف العصيبة التي يجتازها العالم بأسره. 

ومن المؤكد أن هذا المقترح سيثير حفيظة الدستورانيين الظاهريين والحزبيين الشعبويين، وسيثير الكثير من اللغط حول احترام هاته الشكلية أو تلك، وسيحول الآلاف من المغاربة إلى خبراء دستوريين، لكن الدساتير توضع لتحقيق أهداف ومقاصد وغايات كبرى هي رفاهية المواطن، والحكومات والبرلمانات المنتخبة ما هي إلا وسائل لتحقيق تلك الغايات، وبالتالي لا يمكن المغامرة بالأهداف الاستراتيجية للبلد للحفاظ على مصالح أفراد جعلوا من السياسة مصدر خبزهم اليومي.

البلد بحاجة إلى حكومة خبراء بوجوه غير مستهلكة تكون مهمتها الأساسية إنقاذ البلد ومنح السياسيين فرصة للإعداد للانتخابات التشريعية المقبلة في مهلة لا تتعدى سنتين، حتى تتمكن الأحزاب المنهكة من استعادة عافيتها وإعادة النظر في حساباتها وتنظيف بيتها الداخلي.

والله أعلم عاود تاني.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق