أحمد فرس…ولادة بعد خمس وفيات
«الأخبار» تعيد قراءة مسار أحمد فرس، في فسحة الصيف، لنستحضر جميعا ذكراه.

حسن البصري:
في مثل هذا الفصل من العام الماضي، توفي أحمد فرس إحدى أساطير كرة القدم المغربية. مر عام على الرحيل، فكان لا بد من استحضار رمز سجل اسمه في تاريخ الكرة المغربية، والغوص في دهاليز سيرة أول لاعب مغربي يفوز بالكرة الذهبية الإفريقية سنة 1975. الرجل، الذي اجتمع فيه ما تفرق في غيره، لم يكن مجرد لاعب، بل كان مسيرا ومدربا وموجها ومربيا.
«أحمد فرس.. سيرة حياة» للكاتب الصحافي عبد العزيز بلبودالي، ليس مجرد حكي بصيغة الماضي، بل سرد من شخص عايش أحمد، فكان شاهدا على عصر التألق حاضرا في آخر الدقائق من حياة رمز من رموز الرياضة الوطنية.
«الأخبار» تعيد قراءة مسار أحمد فرس، في فسحة الصيف، لنستحضر جميعا ذكراه.
ولادة بعد خمس وفيات
ولد أحمد فرس في السابع من دجنبر 1946، في وسط عائلي اختار فيه الأجداد الهجرة إلى فضالة، في السنوات الأولى من القرن العشرين. لم يكن النزوح بشكل فردي، بل كان نزوحا جماعيا مع مجموعة من العائلات القادمة من منطقة الوليدية ضواحي آسفي.
كانت فضالة، وهو الاسم الأول لمدينة المحمدية، في طور النشأة كتجمع سكاني يقتصر على المدينة السفلى، خاصة في محيط حي القصبة الذي لم يكن عدد سكانه يتجاوز 300 نسمة. أما منطقة المرسى فكانت أشبه بمنطقة صناعية تضم عددا من المصانع تمتلكها عائلات فرنسية أو إسبانية.
في الجانب الآخر من فضالة، كانت منطقة العالية وهي عبارة عن أرض فلاحية تمتد من سيدي موسى المجدوب إلى مشارف القصبة، يفصلها سور ممتد على جنبات خط السكة الحديدية. قبل أن تظهر تجمعات سكنية متفرقة، كدرب مراكش ودرب الرباط ولابيطا ودروب متناثرة منها أحياء صفيحية و»نوايل» وغالبيتها كانت تطوق العالية، التي شهدت الخطوات الأولى لطفل كان يتنفس شغف وعشق الكرة.
في دروب حي العالية، بدأت علاقة أحمد فرس مع الكرة، فداعبها ولامسها وطاردها، وخاض أولى المباريات في مساحة متربة كانت تحمل اسم كدية الدبان، وهو المكان الذي شيد على أرضه مسجد مالي وسوق السمك.
كانت غالبية التجمعات السكنية ترتبط بأسماء قاطنيها الأولين، أو بالمهن التي مارسوها، على غرار حي شانطي علال، وشانطي سي الميلودي وديور البناية «لملمين» وشانطي «الكبانية»، وفي هذا الأخير استقرت العائلة القادمة من الوليدية، وتحديدا على مشارف قبائل عبدة في دوار يسمى دوار سيدي فارس، اشتهر باحتضانه لأسر تنتمي إلى سلالة شريفة وتحمل، حسب ما يذكر، البركة.
محمد بن أحمد بوفارس، كان من بين أفراد هذه العائلة، حل بفضالة رفقة زوجته عائشة بنت محمد. اشتغل رب الأسرة في مصنع للحوم الخنزير، وكان يسمى معمل الحلوف، لكنه كان سعيدا بعمله وحياته في المدينة. لكن هاجسه الأكبر الذي يقض مضجعه هو عدم إنجاب أبناء يدفئون البيت وينثرون فيه السعادة. على الرغم من أن زوجته سبق لها أن أنجبت خمسة أبناء، إلا أن مواليدها لم يكتب لهم الاستمرار على قيد الحياة إذ كان الموت لهم بالمرصاد، فينهي حياتهم مباشرة بعد خروجهم إلى الحياة.
رغم ذلك ظلت الأسرة مؤمنة بالقدر خيره وشره، إلى أن أطلت البشرى في شهر دجنبر من سنة 1946، وتحديدا في اليوم السابع منه، حين ازدان فراش الأسرة بمولود ذكر تمنى الجميع أن يرزقه الله عمرا مديدا لينير ظلمة المكان، وينهي كابوس الولادات المقرونة بالوفيات.
حمل المولود اسم جده أحمد، وظلت دعوات والديه تلفانه في حله وترحاله، خوفا من أن يكون مصيره كمصير أشقائه السابقين، لذا احتضنته الجدة ومنحته اسما آخر وهو الشريف، كي يمارس هذا الاسم حمايته للوليد، لم تقتصر على الرعاية، بل أرضعته من ثديها وهي السيدة المسنة.
ومنذ ذلك الحين توالت الولادات دون أن يتربص بها الموت، وأصبح لأحمد خمسة أشقاء نجوا جميعهم من شبح الموت وعاشوا في كنف أسرتهم، حياة عنوانها البساطة والقناعة.
في هذا الحي الصفيحي «شانطي الكبانية»، الموجود بالقرب من ديور حي لقراعي وحي القصبة بالمدينة السفلى، أطلق أحمد صرخته الأولى، قبل أن تنجب والدته خمسة أشقاء آخرين وهم: الطاهر، عبد الكريم، محمد الذي لعب لفريق اتحاد المحمدية، ثم فاطنة وخديجة.
يقول أحمد فرس:
«مباشرة بعد ميلادي، انتقلت أسرتي إلى حي العالية، وتحديدا في حي ديور لابيطا الذي ترعرعت فيه، حيث مارست كل الألعاب الطفولية التي ترتبط عادة بالركض والقفز والتسديد، لم نكن نعلم أن تلك الألعاب تمارس بشكل من الأشكال في رياضات مضبوطة ومقننة، كما أنني كنت موهوبا في التسديد إذ نادرا ما أخلف هدفي، لذا أصبحت موهوبا في تكسير كل ما رصدته عيني ووضعته هدفا لي، مهما كانت المسافة بعيدة، سواء بواسطة الحجر أو أي وسيلة أخرى، ويحكى لي أنني كنت بارعا في التصويب والتركيز، وهي موهبة لطالما جلبت لي متاعب كثيرة مع والدي».
يستحضر فرس تسديدة كانت لها عواقب وخيمة:
«في أحد الأيام أذكر أن جدتي قامت بملء جب الماء الطيني «الخابية»، وتركتها في الهواء الطلق طيلة ساعات الليل، حتى تنال حصتها من برودة المساء، وفي الصباح أرغمتني على وضع يدي داخلها كي تتجمد، عقابا لي على شغفي المدمر، أستحضر هذا العقاب الذي خصت به جدتي اليد ونسيت معاقبة قدمي اليسرى التي لم تكن تخطئ الهدف، فهي الأكثر استعمالا والأكثر تركيزا».
في سن الخامسة انفتح الفتى أحمد على الزقاق، وأصبح يشارك أقرانه الألعاب المتاحة للأطفال وغالبيتها ألعاب شعبية أقرب إلى الرياضات الممارسة بشكل رسمي.
يضيف فرس:
«أتذكر لعبة برعت فيها، وتسمى «قيلني بيها»، هي لعبة أشبه برياضة رمي الكرة الحديدية، حيث يتم تثبيت قنينة زجاجية في التراب، ونبتعد عنها نحن الأطفال لنشرع في رميها بالحجارة، والفائز هو من ينجح في إصابة الهدف، كنت متميزا بالتسديد المركز، كما تفوقت في لعبة «دينيفري»، التي كانت تعتمد على اللياقة البدنية، خاصة السرعة والانطلاق».






