
نعيمة لحروري
في زاوية باردة من ذاكرة القلب، يرقد وجع لا يُشفى. وجع رجل دخل غرفة الإنعاش في وجدة، ولم يخرج منها حيا. رجل اسمه كان أبي.
لم أكن أظن أن الموت يمكن أن يكون بهذا البطء، وبهذا الصمت. أسبوع كامل قضاه في تلك الغرفة المغلقة، محاطا بأجهزة لا تصدر إلا أرقاما، وأنفاسا اصطناعية. كنا ننتظر خبرا، تطمينا، إشارة حياة، لكن بدلا من ذلك، جاءنا ما هو أشد: تعقيد في حالته، عدوى قاتلة، وفشل كلوي لم يُكتشف إلا بعد فوات الأوان.
حين نقلناه إلى مصحة خاصة في مدريد، اكتشف الأطباء الحقيقة التي لم يخبرنا بها أحد في وجدة: جسده أُصيب بعدوى Acinetobacter baumannii، بكتيريا عنيدة، تسكن زوايا المستشفيات وتنتقل عبر أجهزة التنفس الصناعي، ولا تستجيب لأغلب المضادات. كما وجدوا كليتيه متوقفتين عن العمل، وظهره متسلخا.. لا من المرض، بل من الإهمال.
قاتل الأطباء هناك ببسالة، لكن المعركة كانت خاسرة منذ البداية. أسبوعان فقط، ثم رحل.
أنا لا أكتب لأُشهّر، ولا لأجل مرارة شخصية فقط، أنا أكتب، لأن الحزن وحده لا يكفي حين يتكرر الموت بنفس التفاصيل في نفس المكان. أكتب لأنني أرى اليوم، بعد سنوات من رحيله، أسماء جديدة تضاف إلى قائمة الغائبين. مرضى يدخلون غرفة الإنعاش ولا يعودون. وذووهم يقفون مثلي، بين الشك والصمت، يسألون: لماذا؟ كيف؟ ولماذا لا يجيبنا أحد؟
السؤال الذي أطرحه على إدارة المستشفى الجامعي بوجدة ليس عبثيا، بل هو واجب أخلاقي:
ما نسبة الوفيات في قسم الإنعاش؟ وما الأسباب الحقيقية وراءها؟
الإنعاش، في معناه الطبي، هو محاولة لإعادة الحياة. لكنه، في بعض الأماكن، تحول إلى ممر نحو الفقد، لا تحيطه العناية، بل تخنقه اللامبالاة.
لا نطلب معجزة، نطلب فقط الشفافية، والمحاسبة، والرحمة. نطلب أن تكون الغرف التي نودع فيها أحبابنا غرف رعاية، لا مقابر صامتة. نطلب أن تُغلق أبواب الأخطاء، وأن تُفتح نوافذ الحقيقة.
في وجدة، تركت جزءا من روحي مع أبي. واليوم، أكتب لأن ذلك الجزء ما زال ينتظر جوابا.
هل يكون الإنعاش طريقا بلا عودة، أم يمكن أن نستعيد فيه شيئا من معنى الإنسانية؟





