حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةحوارسياسية

إدريس اليازمي: مستقبل المغرب يمر أيضا عبر كفاءاته في الخارج

«مغاربة العالم لم يعودوا جالية.. بل قوة استراتيجية للمغرب»


في زمن لم تعد فيه الهجرة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل أصبحت فضاء لإنتاج هويات متعددة وشبكات اقتصادية وثقافية عابرة للحدود، يفرض ملف مغاربة العالم نفسه باعتباره أحد أهم الرهانات الاستراتيجية للمغرب. فالجالية المغربية، التي يزيد عدد أفرادها على ستة ملايين شخص موزعين على مختلف القارات، لم تعد تقتصر أدوارها على التحويلات المالية، بل أضحت رصيدا بشريا ومعرفيا ودبلوماسيا يسهم في تعزيز إشعاع المملكة، والدفاع عن مصالحها في مختلف المحافل.

في هذا الحوار، يفتح إدريس اليازمي، أحد أبرز المتخصصين في قضايا الهجرة وحقوق الإنسان، نقاشا معمقا حول التحولات التي عرفتها الهجرة المغربية خلال العقود الأخيرة، ومستقبل علاقة مغاربة العالم بوطنهم الأم، والتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في مجتمعات الإقامة، في ظل تصاعد الخطابات الشعبوية وتغير سياسات الهجرة في أوروبا. كما يتوقف عند رهانات الهوية والاندماج، وآفاق استثمار الكفاءات المغربية بالخارج، والنقاش الدائر حول تمثيلية مغاربة العالم، مؤكدا أن مستقبل العلاقة بين المغرب وجاليته يمر عبر شراكة متجددة تقوم على المواطنة والثقة والاستفادة المتبادلة من الخبرات والكفاءات.

 

حاوره: النعمان اليعلاوي

 

كيف تقيمون اليوم علاقة مغاربة العالم بوطنهم الأم؟ وهل تغيرت هذه العلاقة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود؟

إذا نظرنا إلى تاريخ الهجرة المغربية خلال العقود الستة الماضية، يتبين أن علاقة مغاربة العالم بالمغرب عرفت تحولات عميقة. ففي البدايات، كانت الهجرة ينظر إليها باعتبارها هجرة يد عاملة مؤقتة، وكانت العلاقة بالوطن تتمحور حول الأسرة والتحويلات المالية والعودة خلال العطل الصيفية.

أما اليوم، فقد أصبحنا أمام أجيال متعددة، وانتماءات تتشكل في فضاءات مختلفة. لم يعد من المناسب اختزال علاقة مغاربة العالم بالمغرب في بعدها الاقتصادي، رغم الأهمية الاستثنائية لتحويلاتهم، فهذه العلاقة أصبحت تشمل أيضا الاستثمار، ونقل المعارف، والإبداع الثقافي، والبحث العلمي، وبناء جسور التعاون بين المغرب ومجتمعات الإقامة. وقد ترسخ هذا التصور الحديث بفضل التحولات التي شهدها العالم من حيث الاتصالات والسفر، مما جعل المسافات أقل حاجزاً أمام التواصل. ومن جهة أخرى، ينبغي تجاوز التصور الذي يفترض أن الانتماء إلى بلد الإقامة يكون على حساب الانتماء إلى المغرب، فالأفراد قادرون على التوفيق بين انتماءات متعددة دون تناقض، وهو ما كرسه دستور 2011 حين اعتبرهم مواطنين كاملي الحقوق، ودعا إلى تعزيز مساهمتهم في تنمية وطنهم وتقوية روابط التعاون مع مجتمعاتهم. وإن تشكيلة الفريق الوطني الحالي لكرة القدم تلخص لنا علاقة مغاربة العالم بالوطن.

ما أبرز التحولات التي طرأت على الجالية المغربية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة؟

شهدت الهجرة المغربية إلى أوروبا تحولات عميقة، خلال العقود الأخيرة. فأولا، لم تعد تتكون أساسا من العمال الذين غادروا المغرب خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بل أصبحت تضم أجيالا جديدة وُلدت ونشأت وتلقت تعليمها في بلدان الإقامة، وأصبحت مواطنة كاملة في كثير من هذه البلدان، وتشارك بفعالية في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والعلمية والسياسية والثقافية.

وثانيا، عرفت الهجرة المغربية تأنيثا متزايدا، إذ أصبحت النساء يشكلن مكونا أساسيا من ديناميتها، سواء في إطار الهجرة الأسرية أو الهجرة المستقلة المرتبطة بالدراسة أو العمل أو البحث العلمي، كما برز حضورهن في مجالات ريادة الأعمال والجامعات والإدارة والعمل الجمعوي.

وثالثا، ارتفع المستوى التعليمي بشكل ملحوظ، وأصبحت الكفاءات المغربية حاضرة في الجامعات ومراكز البحث، وكبريات الشركات، وقطاع الصحة، والاقتصاد الرقمي، والثقافة والفنون، بل وفي مواقع المسؤولية السياسية والإدارية في عدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال التحول الذي عرفه النقاش العمومي حول الهجرة في أوروبا، مع تصاعد التيارات الشعبوية وتنامي الخطابات المناهضة للهجرة في بعض البلدان. ففي كثير من الأحيان، يُطالَب أبناء الهجرة بإثبات ولاء حصري لبلدان الإقامة، وكأن تعدد الانتماءات يمثل موضع شبهة، بينما تثبت التجربة أن الانتماءات المتعددة ليست مصدر  صراع ثقافي.

 

هل ما زال أبناء الجيلين الثاني والثالث يحتفظون بنفس الارتباط بالمغرب، الذي كان لدى آبائهم؟

يصعب إصدار حكم واحد على جميع الأبناء، لأن أوضاعهم تختلف باختلاف المسارات الأسرية والاجتماعية، وطبيعة النقاش حول الهجرة في بلدان الإقامة.

لكن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن أشكال الارتباط تغيرت، ولم تختفِ. فالأجيال الجديدة لا تعيش المغرب بالطريقة نفسها التي عاشها آباؤها، غير أنها لا ترى في ذلك سببا للتخلي عن أصولها. بل إن كثيرا منهم يرفضون أن يُطلب منهم الاختيار بين انتماء وآخر، ويعتبرون أنفسهم أبناء تاريخين وثقافتين، ويرون أن هذا التعدد مصدر غنى، وهو ما يظهر في استعمال اللغات، والتنقل المستمر، والممارسات الثقافية والفنية التي تعكس هوية مركبة.

 

ما أبرز التحديات التي تواجه مغاربة العالم في بلدان الإقامة؟

تختلف التحديات من بلد إلى آخر، لكن هناك قضايا مشتركة تفرض نفسها.

أولها تنامي الخطابات الشعبوية التي اختزلت المهاجرين في قضايا الأمن أو الهوية.

وثانيها استمرار بعض أشكال التمييز في سوق الشغل والولوج إلى المسؤولية، رغم النجاح الكبير الذي حققته الكفاءات المغربية. فضلا عن ذلك، تبرز تحديات أخرى مرتبطة بالعراقيل الإدارية، وصعوبة الاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة في الخارج، مما يحول أحيانا دون استغلال كفاءاتهم على النحو الأمثل.

كما لا ينبغي إغفال التفاوتات الاجتماعية داخل مغاربة العالم، إذ ما زالت بعض الأسر، في عدد من بلدان الإقامة، تواجه تحديات مرتبطة بالهدر المدرسي وصعوبات الاندماج الاجتماعي لدى جزء من أبنائها، وهو ما يستدعي مواصلة الاستثمار في التربية والثقافة وتكافؤ الفرص.

غير أن التحدي الأكبر، في تقديري، يكمن في المحافظة على قيم التعدد والانفتاح داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، فهذا رهان يخص مستقبل الديمقراطية والتعايش فيها، وليس المهاجرين وحدهم.

 

كيف يمكن للمغرب أن يستثمر بشكل أفضل الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج؟

أعتقد أنه ينبغي أولا تغيير زاوية النظر. فالكفاءة لا تصبح مفيدة فقط عندما تعود نهائيا إلى المغرب. فقد أظهرت التجارب الدولية أن المساهمة في التنمية يمكن أن تتم أيضا من الخارج، عبر البحث العلمي، والاستثمار، وتأطير المشاريع، وبناء شبكات التعاون.

وقد أصبحنا اليوم أمام جيل جديد من الكفاءات العالمية يشتغل في مجالات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطب، والهندسة، وهذه الطاقات تشكل رصيدا استراتيجيا للمغرب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من المبادرات الظرفية إلى سياسة عمومية مستدامة، تقوم على شراكات دائمة، وتيسير المساهمة في المشاريع الوطنية، وإزالة العراقيل الإدارية، وخلق فضاءات منتظمة للحوار، لبناء ثقة متبادلة تجعل من مغاربة العالم شركاء دائمين في مسار التنمية. وهذا ما طالب به جلالة الملك في خطاب غشت 2022 ونونبر 2024.

 

هل تعتقدون أن السياسات العمومية الموجهة لمغاربة العالم تواكب تطلعاتهم الحالية؟

راكم المغرب، خلال العقود الماضية، تجربة مهمة في الاهتمام بمغاربة العالم، سواء على المستوى الدستوري أو المؤسساتي. غير أن التحولات العميقة التي عرفتها الهجرة المغربية تقتضي اليوم مواصلة تطوير هذه السياسات وتحيينها.

فمغاربة العالم لم يعودوا كما كانوا قبل خمسين سنة؛ فقد تنوعت أوضاعهم، وتعددت أجيالهم، واختلفت مساراتهم وبلدان إقامتهم. لذلك، أصبحت السياسات العمومية مطالبة بأن تستند بصورة أكبر إلى المعرفة الدقيقة بهذه التحولات، وأن تعزز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وأن ترسخ آليات منتظمة للحوار والتشاور.

ويظل إنتاج المعرفة حول التحولات التي تعرفها الهجرة المغربية، وتعزيز الحوار مع مغاربة العالم، من الشروط الأساسية لتطوير السياسات العمومية. وكذلك تحيين الإطار المؤسساتي باعتماد قانون مجلس الجالية والمؤسسة المحمدية لمغاربة العالم.

 

ما هي أكثر القضايا التي تشغل مغاربة العالم اليوم: الهوية، الاندماج، أم المشاركة في تنمية المغرب؟

أعتقد أن تقديم هذه القضايا باعتبارها متعارضة لا يعكس واقع مغاربة العالم اليوم، فهي ليست خيارات متنافسة، بل أبعاد متكاملة لتجربة واحدة.

لقد أثبتت التجربة أن الحفاظ على الروابط الثقافية واللغوية مع المغرب لا يتعارض مع الاندماج الكامل في مجتمعات الإقامة، كما أن النجاح المهني والعلمي في الخارج يمكن أن يتحول إلى رافعة لتنمية المغرب.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي يكمن في تمكين مغاربة العالم من الجمع بين هذه الأبعاد، دون أن يُطلب منهم الاختيار بينها.

 

كيف تنظرون إلى النقاش الدائر حول تمثيلية مغاربة العالم في المؤسسات المنتخبة؟

هذا نقاش مشروع، بل هو من القضايا الكبرى التي تطرحها كل الدول التي تعرف هجرة واسعة. والتجارب الدولية تبين أنه لا يوجد نموذج واحد صالح للجميع، بل حلول متعددة تختلف باختلاف السياقات.

أما بالنسبة إلى المغرب، فإن دستور 2011 أكد الحقوق الكاملة للمواطنين المقيمين بالخارج، وهو ما يشكل المرجعية الأساسية لهذا النقاش.

 

وأعتقد أن المطلوب اليوم هو إدارة هذا الحوار بهدوء ومسؤولية، بعيداً عن التبسيط أو المزايدات، مع الاستفادة من التجارب المقارنة وبحث الصيغ الأكثر قدرة على تحقيق مشاركة فعلية وفعالة.

 

هل تغيرت صورة المهاجر المغربي في المجتمعات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة؟

لا شك أن صورة المهاجر المغربي أصبحت أكثر تنوعاً. فاليوم نجد مغاربة يتولون مسؤوليات سياسية، ويقودون شركات كبرى، ويبرزون في الثقافة والفنون والرياضة.

لكن في المقابل، فإن النقاش العمومي المتوتر حول الهجرة يؤدي أحياناً إلى إعادة إنتاج صور نمطية لا تعكس الواقع.

ولهذا فإن أفضل جواب على هذه الصور النمطية يظل هو النجاح اليومي للمواطنين من أصل مغربي، ومساهمتهم في تقدم مجتمعات الإقامة، وفي الوقت نفسه استمرار ارتباطهم بالمغرب كجزء من تاريخهم وهويتهم.

 

في ظل تصاعد الخطابات الشعبوية في بعض الدول الأوروبية، كيف يمكن للجالية المغربية الحفاظ على مكتسباتها؟

أعتقد أن أفضل وسيلة للحفاظ على المكتسبات هي التمسك بقيم المواطنة، والمشاركة الكاملة في الحياة العامة، والمساهمة في تقوية الديمقراطية داخل مجتمعات الإقامة.

فالخطابات الشعبوية تقوم على تبسيط الواقع وإثارة المخاوف، بينما يثبت الواقع اليومي أن ملايين المواطنين من أصول مهاجرة يساهمون في الاقتصاد والتعليم والثقافة وبناء مجتمعات أكثر تنوعاً.

ومن جهة أخرى، فإن الحفاظ على العلاقة بالمغرب لا يتناقض مع الوفاء لبلد الإقامة، بل إن تعدد الانتماءات يمكن أن يشكل قوة وجسراً للتعاون بين الشعوب. ولذلك فإن الدفاع عن هذا التصور الهادئ والمتوازن للهوية يظل، في نظري، من أهم الرهانات.

 

كيف تغير مفهوم الهجرة مقارنة بما كان عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؟

في الماضي، كانت الهجرة المغربية ترتبط أساساً بالحاجة إلى اليد العاملة في أوروبا، وكان يُنظر إليها كتجربة مؤقتة.

أما اليوم، فقد أصبحت ظاهرة عالمية أكثر تعقيداً، تشمل العمال والطلبة والباحثين والمقاولين والفنانين، وتتضمن تنقلات متكررة بين بلدان متعددة، في عالم أعادت فيه وسائل النقل والاتصال تعريف العلاقة بالمسافة والانتماء.

كما أن الهجرة لم تعد قضية تخص المهاجرين وحدهم، بل أصبحت في صلب النقاشات المتعلقة بالديمغرافيا، وسوق الشغل، والابتكار، والعلاقات الدولية، وهو ما يقتضي مقاربتها اليوم برؤية شاملة.

 

هل أصبحت الهجرة اليوم خياراً أم ضرورة بالنسبة إلى الشباب؟

يصعب تقديم جواب واحد، لأن أوضاع الشباب تختلف من مجتمع إلى آخر.

هناك من يختار الهجرة بحثاً عن فرص جديدة للتكوين أو الابتكار، وهناك من تدفعه أوضاع اقتصادية صعبة إلى البحث عن آفاق أخرى. كما أن استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المغرب يلعب دوراً محورياً في تحديد ما إذا كانت الهجرة خياراً أم اضطراراً.

لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الهجرة، حين تتم في إطار قانوني وآمن، كانت دائماً عاملاً للتبادل وإنتاج الثروة. أما حين تصبح الخيار الوحيد بسبب غياب الفرص، فإن ذلك يطرح أسئلة تتعلق بالنموذج التنموي أكثر مما يتعلق بالهجرة نفسها.

فالرهان الحقيقي ليس منع الهجرة، وإنما توسيع دائرة الاختيار أمام الشباب، لتكون الهجرة مشروعاً واعياً لا هروباً من انسداد الآفاق.

 

كيف تقرأ التحولات التي تعرفها سياسات الهجرة في أوروبا؟

تعيش أوروبا اليوم مفارقة واضحة. فمن جهة، تشير المؤشرات إلى حاجة متزايدة إلى اليد العاملة والكفاءات نتيجة الشيخوخة السكانية. وقد بدأت عدة دول أوروبية تتنافس فيما بينها على استقطاب الكفاءات والعمالة المؤهلة، بل وحتى بعض فئات اليد العاملة الأقل تأهيلاً، من خلال مراجعة قوانين الهجرة وتبسيط شروط الولوج إلى أسواق الشغل، استجابة للتحولات الديمغرافية وحاجيات الاقتصاد.

ومن جهة أخرى، يعرف النقاش السياسي تشدداً متزايداً تجاه الهجرة تحت تأثير التيارات الشعبوية، مما جعلها تتحول إلى موضوع انتخابي أكثر منها قضية مرتبطة بالوقائع الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يُطلب من أبناء الهجرة أحياناً إثبات انتماء حصري، في حين أن هويتهم تتشكل من تعدد التجارب، وهذا التعدد لا يتعارض مع المواطنة الكاملة.

 

ما الذي يجعل بعض الدول تنظر إلى الهجرة كفرصة، بينما تعتبرها دول أخرى تهديداً؟

يرتبط ذلك ، في تقديري، بطبيعة النقاش العمومي والخيارات السياسية أكثر مما يرتبط بالهجرة نفسها.

فعندما يُنظر إليها انطلاقاً من الاقتصاد والديمغرافيا، يتبين أنها ساهمت في تنمية كثير من الدول وكانت مصدراً لتجديد الكفاءات.

أما عندما تصبح موضوعاً للتنافس الانتخابي، فإنها تُختزل في المخاوف الأمنية والهوياتية، ويتم تجاهل مساهمة ملايين المهاجرين.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى سياسات ناجعة، بل أيضاً إلى خطاب عمومي أكثر عقلانية يستند إلى الوقائع، لا إلى الصور النمطية.

 

كيف يمكن التوفيق بين حق الدول في تنظيم الهجرة وضرورة احترام الكرامة الإنسانية للمهاجرين؟

ليس هناك أي تعارض بين الأمرين.

فمن حق كل دولة، وفق القانون الدولي، أن تنظم دخول الأجانب، لكن هذا الحق لا يمكن أن يمارس خارج المبادئ الكونية لحقوق الإنسان. فكرامة الإنسان لا تتوقف عند الحدود، وحقوقه الأساسية لا تزول بسبب وضعه الإداري.

ولهذا فإن التحدي هو بناء سياسات للهجرة تجمع بين الفعالية واحترام الحقوق، لأن الأمن والكرامة الإنسانية ليسا هدفين متناقضين، بل ينبغي أن يتكاملا.

 

هل يمكن أن يتحول المغرب أكثر فأكثر إلى بلد استقبال واستقرار للمهاجرين؟

في الواقع، المغرب يعيش هذا التحول منذ سنوات.

فإلى جانب كونه بلد منشأ وعبور، أصبح أيضاً بلد استقبال واستقرار لعدد متزايد من الأشخاص، خاصة من إفريقيا جنوب الصحراء.

وهذا يفرض التفكير في سياسات عمومية جديدة تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع. وقد شكلت السياسة الوطنية للهجرة واللجوء (2013) محطة مهمة في هذا الاتجاه، باعتمادها مقاربة تقوم على حقوق الإنسان. وهذا يقتضي أيضاً التفكير في آليات إدماج هؤلاء المهاجرين في النسيج الاقتصادي والاجتماعي، والاستفادة من تجاربهم في برامج التنمية المحلية.

وأعتقد أن المغرب، بحكم تاريخه وموقعه، مؤهل لتقديم نموذج متوازن يجمع بين حسن تدبير الهجرة واحترام الكرامة الإنسانية.

 

اليزمي يستعرض خصوصيات المغرب في مجال الهجرة

 

1

كيف يمكن للمهاجر أن يحافظ على هويته الثقافية دون أن ينغلق على مجتمع الاستقبال؟

أعتقد أن صياغة السؤال توحي وكأن الحفاظ على الهوية والانفتاح أمران متعارضان، بينما تبين التجارب العكس تماماً.

فالهوية ليست معطى جامداً، وإنما هي بناء متجدد يتغذى من الذاكرة ومن التجارب الجديدة في آن واحد. الاندماج لا يعني الذوبان، كما أن الحفاظ على الثقافة الأصلية لا يعني الانغلاق.

لقد أثبتت أجيال من مغاربة العالم أن من الممكن التوفيق بين المساهمة الكاملة في بناء مجتمع الإقامة وبين الحفاظ على الروابط مع المغرب، مما يجعل التعدد الثقافي مصدر غنى للجميع.

 

2

هل أصبح الانتماء اليوم متعدد الأبعاد بالنسبة لأبناء الجالية؟

بكل تأكيد. بل إن هذا التعدد أصبح من السمات الأساسية لتجربة الهجرة المعاصرة.

فمن الطبيعي أن يشعر الشاب المزداد في أوروبا بأنه ينتمي إلى المجتمع الذي ولد وعمل فيه، وفي الوقت نفسه يحتفظ بعلاقة وجدانية وثقافية مع المغرب.

وما يثير الانتباه هو أن بعض الخطابات السياسية تحاول فرض الاختيار بين انتماء وآخر، وكأن الوفاء لبلد الإقامة يقتضي التخلي عن الأصول.

لكن هؤلاء الشباب يعبرون في حياتهم اليومية عن الوفاء المزدوج، ويعتبرون أن تعدد الانتماءات ليس تناقضاً، بل مصدر ثراء وإبداع.

 

3

ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة واللغة في تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالمغرب؟

للثقافة دور أساسي في نقل الذاكرة الجماعية، واللغة إحدى أهم وسائل هذا النقل، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة.

فالأجيال الجديدة تحتاج إلى التعرف على تاريخ المغرب وتنوعه الحضاري وإبداعه المعاصر في الأدب والموسيقى والسينما. كما أن وسائل الإعلام الرقمية والقنوات الفضائية تساهم اليوم في خلق جسور يومية بين الأجيال الجديدة والمغرب، مما يعزز الشعور بالانتماء اللحظي والمستمر.

ولعل من أجمل التحولات أن الثقافة المغربية لم تعد تُنتج داخل حدوده فقط. فالرواية المغربية، مثلاً، تُكتب بالعربية والأمازيغية، كما تُكتب بالفرنسية والإسبانية والكتالانية والهولندية والألمانية والإنجليزية والإيطالية وغيرها من اللغات.

وهذا يعني أن الثقافة المغربية أصبحت عالمية، يحملها مغاربة في قارات مختلفة، وهذه الحيوية تشكل إحدى أقوى وسائل المحافظة على العلاقة بين الأجيال الجديدة ووطنها.

 

4

هل ترى أن الأدب والفن قادران على بناء جسور بين الضفتين أكثر من السياسة؟

لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالمفاضلة، لأن لكل واحدة منهما وظيفتها.

السياسة تضع الأطر القانونية، أما الثقافة فتمس الإنسان في وجدانه وتمنحه القدرة على فهم الآخر خارج الصور النمطية.

ولهذا فإن الأدب والفنون لعبت دوراً أساسياً في نقل التجربة الإنسانية للهجرة.

وحين نقرأ أعمال كتاب مغاربة يكتبون بلغات متعددة، فإننا لا نكتشف فقط تجارب هجرة، بل نكتشف أيضاً مغرباً متجدداً يتسع باستمرار بفضل أبنائه.

ولهذا أعتقد أن الثقافة تبني جسوراً قد تكون أكثر استدامة من الجسور السياسية، لأنها تقوم على المعرفة المتبادلة والاعتراف بالاختلاف.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى