
جيمس زغبي
نشرت صحيفة أمريكية كبرى تقريرا مسهبا يتحدث عن إعادة فرنسا إلى الجزائر 24 جمجمة، اشتهرت بأنها رؤوس لمقاتلي المقاومة الجزائرية. والتقرير كان صادما ومثيرا للغضب. فبدلا من الكشف عن التاريخ الفضائحي وراء هذه القضية برمتها، تركزت القصة على أن ستا فقط من الجماجم يمكن التأكد من صحة انتمائها إلى مقاتلين جزائريين، مع وجود 18 جمجمة أخرى لا يمكن التأكد من هوية أصحابها.
ومع اعتزام الحكومتين في ما يبدو على تجاهل الأصل المشكوك فيه للجماجم، تم الإعلان عن النقل باعتباره «بادرة قوية» و«علامة فارقة في جهود (فرنسا والجزائر) لإعادة بناء العلاقات». وفي النهاية، أثارت القصة أسئلة أكثر مما قدمت إجابات وكشفا عن الماضي..
واشتهرت الجماجم الجزائرية بأنها لقادة المقاومة ولمدنيين قُطعت رؤوسهم، خلال الغزو الفرنسي لشمال إفريقيا في القرن التاسع عشر. وكانت الجماجم جزءا من مجموعة من 18 ألف عظمة بشرية أجلبت من المستعمرات الفرنسية السابقة، ووضعت بمتحف باريس للبشرية.
ومن بين آلاف بقايا الهياكل العظمية في المجموعة كانت هناك عظام من جميع أنحاء إفريقيا وأمريكا الشمالية وآسيا. وأفراد الجيش الفرنسي وعلماء الآثار اجتلبوا هذه العظام لفرنسا، ثم تم تسليمها إلى المتحف كجزء من جهد لدراسة الاختلافات العرقية وتصنيفها. وإعادة فرنسا لهذه الجماجم ليست سوى واحدة من 20 عملية إعادة رفات إلى بلدان أخرى. وفي هذه الحالة، يمكن اعتبارها عملية غير مكتملة، لأن فرنسا «تعيرها» فحسب للجزائر، «لمدة خمس سنوات».
المثير للقلق أن ثمة محاولة لتحقيق انتصار دبلوماسي، على اعتبار أن ما تم خطوة مهمة في إعادة بناء العلاقات مع الجزائر.. وكان من الأفضل لفرنسا أن تقدم اعتذارا ملؤه الأسف عن الفظائع التي لحقت بالشعب الجزائري، خلال غزوها الذي دام قرنا وعن احتلالها الاستيطاني وقمعها الوحشي.
وأقرب الأشياء لمثل هذا الاعتذار تمثل في تصريح غريب للرئيس الفرنسي ماكرون في الآونة الأخيرة، قال فيه إن «كلا الجانبين عانى». لكن ما زال يتعين على فرنسا تقديم شكل من أشكال التعويضات عن الأضرار التي لحقت بالجزائر وشعبها. أكتب هذا بسبب خيبة أملي الدائمة من الطريقة التي يواصل بها الفرنسيون، والغرب عموما، تقديم أنفسهم بوصفهم حاملي الحضارة والثقافة والقيم في العالم، بينما يصورون شعوب الشرق أو الجنوب على أنهم أجناس أقل حضارة.
فقد قام «علماء» الغرب العنصريون في متحف البشرية بقياس أبعاد الجماجم التي درسوها لإثبات تفوق البيض. وبحث علماء الاجتماع ما اعتبروه ثقافات أدنى، فيما غزا قادتهم السياسيون والعسكريون أراضي هذه «الشعوب الأدنى»، وفرضوا أنفسهم عليهم، ونهبوا مواردهم لخدمة الأغراض العليا للدول الغربية. وفي الجزائر وحدها، لقي الملايين حتفهم أو تركوا للموت من المرض والمجاعة، في سبيل خدمة مصالح فرنسا وشعبها.
ولا تختلف فرنسا عن كثير من القوى الاستعمارية الغربية الأخرى، وأبرزها، بريطانيا العظمى والبرتغال وإسبانيا. فقد سببت غزوات هذه القوى الاستعمارية وحكمها الاستغلالي دمارا عالميا، ومعاناة إنسانية هائلة.
والخلاصة واضحة: لقد أقام الغرب ثروته وتظاهره بنظام ديمقراطي متحضر على ظهور وعظام الذين سحقهم. ولتجاوز هذا والمضي قدما، يتعين الاعتراف بالضرر الذي حدث ومحاسبته، ثم اتخاذ الإجراءات لتحقيق عدالة تصالحية. وإعادة الجماجم لتذكير الضحايا فحسب بشرور الماضي، هي إهانة تضاف إلى ما لحقهم.





