حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

اختلالات المسطرة الجديدة لسندات الطلب تصل البرلمان

تسيب وممارسات مخالفة للقانون ترافق تنزيل المرسوم الجديد

الأخبار

 

 

 

وجه النائب البرلماني محمد بادو سؤالا كتابيا إلى وزارة الاقتصاد والمالية، يتطرق إلى عدد من الإشكالات والممارسات التي تهدد روح المنافسة وتكافؤ الفرص، وكذا قدرة المكاتب والشركات على تقديم خدمات ذات جودة وتنفيذ صفقات وفق الالتزامات المتفق عليها.

وشدد السؤال، الذي طرحه بادو، على أن دخول المرسوم الجديد للصفقات العمومية حيز التنفيذ، رافقه بروز العديد من الممارسات التي أثارت قلق المتخصصين والفاعلين الاقتصاديين حول مدى احترام مبادئ الشفافية والمنافسة النزيهة في الطلبيات العمومية، خاصة في ما يتعلق بمسطرة سندات الطلب.

 

آجال غير واقعية

نبه سؤال كتابي وضعه البرلماني محمد بادو إلى عدد من الممارسات التي أصبحت تعرفها مسطرة سندات الطلب، عقب دخول المرسوم الجديد للصفقات العمومية حيز التنفيذ، وما تثيره من إشكالات تمسّ بجوهر المنافسة وشفافية الولوج إلى الطلبيات العمومية. ولوحظ، في عدة إدارات، تحديد آجال غير واقعية لإنجاز مهام دراسية وتقنية معقدة، تُحصر أحياناً في ثلاثة أيام فقط، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة هذه المهام ويطرح شكوكا حول وجود توجيه مسبق لفائدة بعض المتنافسين.

ورُصدت ممارسات أخرى تتمثل في فرض شهادات اعتماد ومراجع تقنية لا علاقة لها بطبيعة المهمة المطلوبة، ما يؤدي إلى إقصاء مكاتب دراسات مؤهلة فعليا، سيما الصغيرة منها. ويضاف إلى ذلك مشكل تكسير الأثمان الناتج عن اعتماد معيار «أقل كلفة» في تقييم العروض بسندات الطلب وعدم التنصيص على الكلفة التقديرية للإدارة، بخلاف ما هو معمول به في صفقات طلب العروض التي تعتمد معيار «أحسن كلفة» باعتماد معدل مالي بين عروض المتنافسين والكلفة التقديرية للإدارة والذي يوازن بين الجودة والسعر.

وأدى هذا الاختيار، يشير البرلماني نفسه، إلى تقديم عروض منخفضة بشكل غير واقعي، ينتج عنها في كثير من الأحيان تراجع في جودة الخدمات، وتهديد لاستدامة المكاتب المهنية وتنامي ممارسات غير سليمة تتعارض مع أهداف الإصلاح، واعتباراً لكون هذه الاختلالات أصبحت تعصف بروح المرسوم الجديد وتهدد مبدأ تنافسية الطلبيات العمومية وجودتها.

وتساءل البرلماني، في السؤال الموجه إلى وزارة الاقتصاد والمالية، عن التعديلات والإجراءات التنظيمية التي تعتزم الوزارة الوصية إدراجها على مرسوم الصفقات العمومية أو نصوصه التطبيقية، وذلك من أجل التنصيص على آجال دنيا واقعية لإنجاز المهام ذات الطبيعة الدراسية أو الاستشارية، ثم منع الإدارات من فرض شروط إقصائية أو شهادات لا علاقة لها بطبيعة الخدمة المطلوبة، ومراجعة معيار تقييم العروض في سندات الطلب بالانتقال من معيار «أقل كلفة» إلى معيار «أحسن كلفة» حفاظاً على الجودة ومحاربة تكسير الأثمان، إضافة إلى تعزيز آليات المراقبة والتتبع لضمان احترام مبادئ الشفافية، والمنافسة النزيهة وتكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين الاقتصاديين.

 

إشكال بنيوي

أكد خبير مختص في الاقتصاد، تحدثت إليه «الأخبار»، أن السؤال الكتابي الذي تقدم به النائب البرلماني حول ممارسات سندات الطلب، في ظل المرسوم الجديد للصفقات العمومية، فتح نقاشا أعمق يتجاوز الاختلالات الظرفية الحالية، ليطرح إشكالا بنيويا يتعلق بفلسفة إيديولوجيا الإصلاح وحدود تنزيله في الميدان. فالنقاش اليوم لا ينحصر في آجال الإنجاز أو معايير التقييم، بل يمتد إلى التحولات التي عرفها سلوك الآمرين بالصرف، وأنماط صرف المال العام بعد تشديد وتسطير الإطار القانوني والرقابي.

ومن زاوية أولى، يضيف الخبير نفسه، لا يمكن إنكار أن المرسوم الجديد كشف عن اختلالات حقيقية في مدد الإنجاز، خصوصا في ما يتعلق بالدراسات والمهام التقنية والاستشارية، وتحديد آجال لا تتجاوز أياماً معدودة لإنجاز مهام معقدة لا يطرح فقط إشكالاً مهنيا، بل يفتح الباب للتشكيك في شفافية المسطرة، ويجعل المنافسة شكلية، غير أن الاقتصار على هذا الوجه من الصورة يظل قراءة مبتورة، إذا لم يُربط بالسياق الذي جاء فيه المرسوم وفرض تغييره.

وكما تؤكد تقارير وملاحظات مفتشين وقضاة بالمجلس الأعلى للحسابات، يشير الخبير ذاته، فإن مرحلة ما قبل المرسوم كانت تتسم بتسيب واسع في استعمال وتنفيذ سندات الطلب، خصوصا على مستوى الجماعات الترابية، مبرزا أن هذه الآلية الاستثنائية تحولت إلى أداة مفضلة لتمرير النفقات، عبر الاكتفاء الشكلي بثلاثة عروض، غالبا دون إعلان أو منافسة حقيقية، يكون المقصود واحدا، ما جعل الميزانيات تمر بـ«سرعة البرق» عبر سندات طلب «منفوخة»، وصعبة التتبع في تلك المرحلة، كان هدر الأموال فيها هو القاعدة والمراقبة والمساءلة هما الاستثناء.

من هذا المنطلق، يضيف الباحث في الاقتصاد، يمكن فهم التحول الذي عرفته بنية الالتزامات المالية بعد دخول المرسوم حيز التنفيذ، مشيرا إلى أنه لوحظ تراجع واضح في نسبة (engagement) المرتبطة بسندات الطلب، مقابل ارتفاع ملحوظ في الالتزامات المرتبطة بطلبات العروض (appel d’offre). ويوضح الباحث أن هذا المعطى لا يمكن فصله عن تشديد المراقبة، وارتفاع منسوب التخوف من المساءلة وإعادة الاعتبار لطلبات العروض كمسطرة أصلية. وبعبارة متداولة في الأوساط المحلية، فإن «البزولة تقطعات» ولم يعد بالإمكان تمرير النفقات بسهولة كما كان الحال سابقا، يردف الباحث نفسه.

غير أن هذا التحول، رغم إيجابيته من زاوية محاربة الهدر وضبط المال العام، أفرز آثارا جانبية تستوجب نقاشا هادئا ومسؤولا، يقول الخبير الاقتصادي، مشيرا إلى أن إغلاق منافذ التسيب لم يواكب دائما بإعادة تنظيم صحية للطلب العمومي. ويبرز المتحدث أنه، في بعض الحالات، عوضت سهولة سندات الطلب السابقة إما بتجميد غير معلن للنفقات، أو باللجوء إلى سندات طلب بآجال مضغوطة وشروط تقنية مشددة، خاصة في مجال الدراسات والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، مشيرا إلى أنه هنا يظهر التناقض الصاروخ بين إصلاح نجح في كبح النزيف، لكنه في بعض تجلياته خلق توترا بين الصرامة المالية ومتطلبات الجودة.

ويضيف الباحث أن أصحاب المشاريع، ومنذ دخول مرسوم الصفقات حيز التنفيذ، تقلصت صلاحياتهم لتبقى لهم سوى البعض منها والتي تنحصر في بعض الحالات إلى فرض شروط غير منطقية، خصوصا في مدد الإنجاز ناهيك عن وضع شروط تقنية لتضييق المنافسة، والابتزاز في تحرير الضمانات المؤقتة وفرض تقديم العينات على المقاولات، وذلك في ضرب صريح للمرسوم الذي ينص على أن العينات لا تقدم إلا في حالة استحالة أصحاب المشاريع وصفها.

أما اعتماد معيار «أقل كلفة» في سندات الطلب، فيمكن تأويله كخيار منطقي حين يتعلق الأمر بحاجيات بسيطة ومستعجلة، يوضح الخبير الاقتصادي، مشددا على أن الإشكال يبدأ عندما يتم توسيع مجال هذه السندات ليشمل خدمات معقدة دون تمييز أو ملاءمة. في هذه الحالة، يقول الباحث في الاقتصاد، يصبح معيار السعر الأدنى وحده غير كافٍ، بل مضراً، لأنه يشجع على تكسير الأثمان، ويُنتج خدمات هشة ويُضعف المقاولات الجادة، خاصة الصغيرة والمتوسطة، التي لا تستطيع المجازفة بالجودة من أجل البقاء.

وعليه، يختم الخبير نفسه، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المرسوم في حد ذاته، ولا في مبدأ تشديد الرقابة، بل في غياب التدرج والتمييز في التنزيل، مضيفا أن الإصلاح الذي جاء لتصحيح اعوجاجات حقيقية لا ينبغي أن يُفرغ من روحه عبر ممارسات إدارية «شيطانية»، ولا أن يتحول إلى ذريعة لفرض آجال غير واقعية أو شروط إقصائية، ويبرز أن تصحيح مدد الإنجاز، وتكييف معايير التقييم مع طبيعة الخدمات، لا يعني التراجع عن الإصلاح، بل بالعكس، يمنحه مشروعية أقوى، ويحصنه من أي تشكيك أو تحفظ قانوني أو رقابي.

ويرى الباحث الاقتصادي أن الرهان اليوم ليس العودة إلى مرحلة «الالتهام السريع للميزانيات»، ولا القبول بتجميد الاستثمار العمومي خوفا من المحاسبة، بل إرساء إنفاق عمومي ذكي ومتوازن، صارم في مواجهة الهدر، ومرن في التعامل مع طبيعة الخدمات ومتوازن بين السعر والجودة، مؤكدا على أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بتقليص النفقات، بل بقدرته على ضمان إنفاق عمومي شفاف، نزيه وذي أثر إيجابي يخدم المصلحة العامة دون تسيب.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى