
الأخبار
علمت «الأخبار» أن الإضراب الوطني، الذي دعت إليه النقابة الوطنية للتعليم العالي، بداية الأسبوع الماضي، والذي كان ناجحا بنسبة كبيرة وتسبب في شلل تام بعدد من المؤسسات الجامعية وفي تأجيل الامتحانات التي كانت مقررة للطلبة، بعدما قررت النقابة المذكورة مقاطعة كافة الأنشطة البيداغوجية بالجامعات، في خطوة تصعيدية، (الإضراب) يأتي في سياق التعبير عن مستوى الاحتقان والغضب من المصادقة النهائية على القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والذي يتضمن، بحسبهم، الكثير من التراجعات وتتعارض الكثير من مضامينه مع مبادئ القانون الإطار للتربية والتكوين، ويمس باستقلالية الجامعة العمومية، ويهدد مبدأ مجانية التعليم، في ظل تخوفات من تأثيره على السيادة الأكاديمية الوطنية.
وفي سياق الجدل القائم حول القانون المذكور، أوضح هشام الميلوي، الأستاذ الباحث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، في تصريح خص به «الأخبار»، أن اعتماد مشروع قانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي يشكل منعطفاً تشريعياً حاسماً في مسار تنظيم الجامعة المغربية، خاصة وأنه جاء ليحل محل القانون رقم 01.00 لسنة 2000، الذي كان يؤطر المنظومة منذ أكثر من عقدين، حيث يتكون النص الجديد من 11 باباً و113 مادة، ويقدَّم باعتباره إصلاحا استراتيجيا يهدف إلى تحديث الحكامة، وتعزيز الاستقلالية وربط التعليم العالي بسوق الشغل والابتكار. واعتبر المتحدث أن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في بنيته التنظيمية، بل، أيضا، في مدى انسجامه مع المرجعية الدستورية التي أقرها دستور 2011، خاصة الفصول 6 و25 و31 و35 و154، وما يرتبط بها من مبادئ المساواة، وحرية الفكر، والحق في التعليم والحكامة الجيدة.
ويرى هشام الميلوي أن المادة 4 من القانون المذكور حددت أهداف منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، التي من بينها تعزيز الجودة، وتكريس الانفتاح، ودعم الابتكار وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي. فضلا عن كون المادة 7 أشارت إلى مهام الجامعات، ومن بينها التكوين الأساسي، والتكوين المستمر، والبحث العلمي وخدمة المجتمع. وهذه المقتضيات تعكس، بحسب الأستاذ الميلوي، تحوّلا نحو تصور «منظومي» للجامعة، يجعلها فاعلا مركزيا في التنمية الوطنية، غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته الاستراتيجية، يثير سؤالا دستوريا حول مدى احترامه لمبدأ الاستقلال الأكاديمي، خاصة في ظل الصلاحيات الواسعة المخولة للسلطة التنفيذية في الشق المتعلق بالتعيين والإشراف.
استمرار دور السلطة الحكومية
اعتبر هشام الميلوي، الأستاذ الباحث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن المواد المنظمة لأجهزة الجامعة، سيما تلك المتعلقة بتعيين رئيس الجامعة وصلاحياته (المواد 35 إلى 38)، تكشف عن استمرار دور محوري للسلطة الحكومية في تشكيل القيادة الجامعية، موضحا أنه إذا كان من المشروع أن تمارس الدولة إشرافا عاماً باعتبارها ضامنة للمرفق العمومي، فإن الإشراف يجب ألا يتحول إلى وصاية تمس جوهر الحرية الأكاديمية المستمدة من الفصل 25 من الدستور، الذي يكفل حرية الفكر والإبداع. فالاستقلال الجامعي ليس امتيازا إداريا، بل ضمانة مؤسساتية لحماية البحث والتدريس من أي تأثير سياسي أو إداري يمس جوهرهما.
وفي هذا الصدد استحضر الأستاذ الميلوي التجارب المقارنة، من خلال التجربة الفرنسية، التي تقدم نموذجا دالا على كيفية الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الاستقلال المسؤول، حيث منح قانون الحريات والمسؤوليات الجامعية لسنة 2007، ثم قانون 2013، الجامعات الفرنسية استقلالاً واسعاً في التدبير المالي والبشري والعلمي، مقابل إخضاعها لتقييم دوري من هيئات مستقلة نسبياً، مثل المجلس الأعلى لتقييم البحث والتعليم العالي (HCERES). فضلا عن أن تعيين رؤساء الجامعات يتم عبر انتخاب داخلي من مجلس الإدارة، ما يعزز الطابع الديمقراطي داخل المؤسسة، مضيفا أن الأهم هو أن المجلس الدستوري الفرنسي اعترف بحرية التعليم العالي بوصفها قيمة ذات بعد دستوري، ما وفر حماية قضائية لمبدأ الاستقلال الأكاديمي.
واستحضر الميلوي، في هذا الإطار، كذلك تجربة ألمانيا، إذ تكفل المادة الخامسة من القانون الأساسي حرية العلم (Wissenschaftsfreiheit)، وهو مبدأ دستوري صريح يحمي البحث والتدريس من أي تدخل إداري أو سياسي يمس جوهرهما، في وقت تُمارس رقابة الدولة في إطار تمويل عام وتقييم لاحق، دون المساس باستقلال التوجهات العلمية، فضلا عن أن اللامركزية، من خلال دور الولايات (Länder)، تحد من مركزية القرار.
وفي كندا، خاصة في كيبيك، يشير هشام الميلوي، تعتبر الجامعات مؤسسات عامة مستقلة تتمتع بشخصية قانونية كاملة، وتقوم حكامتها على مبدأ المشاركة الداخلية الواسعة للأساتذة والطلبة. ورغم التمويل العمومي، فإن الحكومة لا تتدخل في الخيارات الأكاديمية، بل تراقب الأداء عبر تقارير دورية، ما يعكس توازناً بين الاستقلال والمساءلة.
ومن خلال هذه المقارنة، يتبين أن جوهر الاختلاف لا يكمن في إعلان مبادئ الحكامة والجودة، بل في مدى تجسيد الاستقلال المؤسسي فعلياً، وفي وجود هيئات تقييم مستقلة عن السلطة التنفيذية، وفي اعتماد نموذج تعاقدي واضح بدل استمرار منطق الوصاية التنظيمية، لأن التجارب المقارنة، تُظهر أن الجامعة لا تزدهر إلا في بيئة تحمي الحرية الأكاديمية باعتبارها قيمة عليا، وتمنحها هامش قرار داخلي واسعا وتخضعها، في المقابل، لمساءلة شفافة.
البعد الحقوقي لحرية البحث العلمي
يتقوى هذا الإشكال عند قراءة المواد المتعلقة بالجودة والاعتماد، خاصة المادتين 107 و108، اللتين تخضعان المؤسسات لتقييم وضمان جودة، وفق آليات سيحددها التنظيم لاحقا، إذ رغم أهمية التقييم في تحسين الأداء، فإن الإحالة الواسعة على نصوص تنظيمية لاحقة تثير إشكال الأمن القانوني، لأن المبادئ الجوهرية المرتبطة بالاعتماد وسحب الاعتراف يجب أن تكون محددة بنص تشريعي واضح، انسجاماً مع الفصل 6 من الدستور الذي يكرس سمو القانون، ومع متطلبات استقرار المراكز القانونية.
أما في ما يتعلق بالبحث العلمي، فإن المواد 93 إلى 103 (ضمن الباب المتعلق بالبحث والابتكار) تؤكد على تثمين نتائج البحث وربطه بالاقتصاد الوطني، غير أن ربط البحث حصرا بالجدوى الاقتصادية قد يؤدي إلى تهميش البحث الأساسي، وهو ما قد يتعارض مع البعد الحقوقي لحرية البحث العلمي كما أقرته المواثيق الدولية. فالبحث العلمي، في دولة الحق والقانون، لا يختزل في مردوديته المالية، بل يعتبر ممارسة معرفية حرة تسهم في تقدم المجتمع فكريا وثقافيا.
القطاع الخاص وجدل أداء الرسوم
بالنسبة للقطاع الخاص، أكد الأستاذ الباحث الميلوي أن المواد 55 إلى 64 من القانون المذكور تؤطر نظام الترخيص والمراقبة لمؤسسات التعليم العالي الخاصة، وهذا التأطير ينسجم مع مبدأ المساواة أمام القانون ومع واجب الدولة في ضمان الجودة، غير أن السلطة الواسعة المخولة للإدارة في منح الترخيص وسحبه تستوجب معايير دقيقة وشفافة، حتى لا تمس بحرية المبادرة المنصوص عليها في الفصل 35 من الدستور.
غير أن أكثر الإشكالات حساسية يبرز في المواد المتعلقة بتمويل الجامعات وتنويع مواردها، وخاصة المادة 75 وما يليها، التي تنص على أن موارد الجامعات تشمل الاعتمادات العمومية، والموارد الذاتية، والرسوم وعائدات التكوين المستمر- تحت مسمى الخدمات – والشراكات، كما ينص القانون على تنظيم تكوينات مستمرة ومؤهلة لفائدة الأجراء والموظفين والمهنيين.
هنا يطرح جدل أداء الرسوم في التكوين المستمر سؤالا دستوريا بالغ الدقة، فالفصل 31 من الدستور يلزم الدولة بتعبئة الوسائل لتيسير الاستفادة من التعليم، ورغم أنه لا ينص صراحة على مجانية التعليم العالي، فإن التقاليد القانونية المغربية رسخت هذا المبدأ في التعليم العمومي. وبالتالي، فإن فرض رسوم على التكوينات المستمرة، خاصة حين تكون هذه التكوينات شرطا للترقي أو لتحسين الوضعية المهنية داخل الوظيفة العمومية، قد يمس بمبدأ تكافؤ الفرص.
فإذا كان القانون يدرج التكوين المستمر ضمن المهام الأساسية للجامعة، ويفتح المجال لتمويله عبر الرسوم، فإن غياب نص صريح يحدد سقف هذه الرسوم أو حالات الإعفاء أو مساهمة الإدارة العمومية في تمويل تكوين موظفيها، يشكل فراغا تشريعيا قد يؤدي إلى تفاوتات فعلية. ناهيك عن أن تحميل الموظف العمومي كلفة تكوين يخدم في نهاية المطاف جودة المرفق العام قد يطرح باعتباره إخلالا بمبدأ المساواة المنصوص عليه في الفصل 6 من الدستور، وبمبدأ الإنصاف الذي يحكم المرافق العمومية وفق الفصل 154.
وتزداد الإشكالية حدة إذا لم تربط الرسوم بمبدأ التناسب، أي أن تكون ضرورية لتحقيق هدف مشروع، ومتناسبة مع القدرة على الأداء وغير مؤدية إلى إقصاء فعلي لفئات ذات دخل محدود، فالتمييز غير المباشر قد يتحقق عندما يبدو النص محايدا، لكنه ينتج أثرا غير متكافئ على فئة معينة.
وأشار هشام الميلوي، في هذا الصدد، إلى التجارب المقارنة، سواء في فرنسا أو ألمانيا أو كندا، حيث تظهر أن فرض رسوم على التكوين المستمر يكون مؤطرا بأنظمة دعم وإعفاء وتمويل تضامني واضح، وأن استقلال الجامعة يقترن بهيئات تقييم مستقلة نسبيا عن السلطة التنفيذية. أما في قانون 59.24، فإن استمرار الإحالة على نصوص تنظيمية لتحديد التفاصيل الجوهرية، سواء في مجال الجودة أو التمويل، يجعل من الضروري إعادة النظر في مستوى التأطير التشريعي لضمان الانسجام مع مبادئ الأمن القانوني والمساواة.
واعتبر الأستاذ الباحث بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة أن قانون 59.24 يمثل خطوة إصلاحية مهمة نحو تحديث المنظومة الجامعية، غير أن نجاحه لن يقاس فقط بحداثة هياكله أو بتوسيع صلاحيات التدبير، بل بمدى قدرته على تحقيق توازن دقيق بين الاستقلال والرقابة، وبين تنويع الموارد وضمان العدالة الاجتماعية، وبين ربط الجامعة بالاقتصاد وحماية الحرية الأكاديمية. فالجامعة، وفق التصور الدستوري لدولة الحق والقانون، ليست مجرد أداة لتنفيذ السياسات العمومية، بل فضاء مؤسساتي لإنتاج المعرفة الحرة وتكريس تكافؤ الفرص، وأي إصلاح لا يحصّن هذه المبادئ يظل ناقصاً مهما بلغت طموحاته التنظيمية.





