
أعداد: سفيان أندجار
في عالم كرة القدم، حيث يُقاس النجاح بالثروة والشهرة، يصبح المنزل هدفا سهلا لعصابات الجريمة المنظمة. لم تعد حوادث السطو على منازل اللاعبين المغاربة المحترفين في أوروبا حوادث معزولة، بل ظاهرة متكررة تستغل غيابهم الدائم، بسبب المباريات والمعسكرات الدولية.
وفي الساعات الأولى من صباح أول أمس الثلاثاء، حوالي الساعة الثالثة فجرا، انضم الدولي المغربي نائل العيناوي، لاعب وسط نادي روما الإيطالي وابن أسطورة التنس يونس العيناوي، إلى قائمة الضحايا في عملية سطو مسلح «خطيرة» هزت الوسط الرياضي المغربي والإيطالي.
هذه الحادثة ليست استثناء. فمنذ أكثر من عقد، تعرض نجوم «أسود الأطلس» مثل ياسين بامو، مهدي بنعطية، منير عبادي، نور الدين أمرابط، وسفيان أمرابط لعمليات مشابهة. التحقيق الصحفي الرياضي التالي يرصد الظاهرة بدقة، يصحح التفاصيل، يحلل أسبابها، ويقترح حلولا عملية، مع التركيز على التداعيات النفسية والمهنية.
«ليلة رعب» العيناوي في كاستل فوسانو
اقتحم ستة رجال ملثمين يرتدون ملابس سوداء ومسلحين بمسدسات منزل نائل العيناوي، في الحي الراقي «كاستل فوسانو» بمدينة روما، (منطقة تبعد بكيلومترات عن مركز تدريب النادي في تريغوريا، وتضم عدة لاعبين من روما). كسروا شباك نافذة غرفة المعيشة، ثم أيقظوا اللاعب (الذي استيقظ أولا)، وأجبروه على الركوع. بعد ذلك، حبسوا العائلة بأكملها: نائلا، ووالدته، وشريكته، وأخاه، وشريكة أخيه داخل إحدى الغرف، مع تهديدات مباشرة.
سرقوا مجوهرات تقدر قيمتها بنحو 10 آلاف يورو، ساعة رولكس فاخرة، وحقائب علامات تجارية فاخرة. لم تسجل أي إصابات جسدية، لكن الصدمة النفسية كانت واضحة، وصف نائل بأنه «مصدوم وخائف»، وأبلغ ناديه فورا بالحادث. غاب عن تدريبات فريق روما، استعدادا لمباراة بولونيا في الدوري الأوروبي. وباشرت الشرطة الإيطالية التحقيق فورا، وفحصت مسرح الجريمة، علما أن المنطقة شهدت سرقات مشابهة تستهدف لاعبي ناديي روما ولاتسيو في الأشهر الأخيرة، (حسب جريدة «لا غازيتا دي لو سبورت»).
يأتي الحادث بعد تألق نائل (مواليد 2 يوليوز 2001 في مدينة نانسي الفرنسية) في كأس أمم إفريقيا 2025، حيث جذب اهتمام نادي ريال مدريد الإسباني. هذا اللاعب، الذي رفض الجنسية الفرنسية واختار تمثيل المغرب، أصبح رمزا للنجاح الرياضي المغربي… وهدفا للجريمة.
وبدأت ظاهرة سرقة منازل اللاعبين المغاربة المحترفين تتكرر بشكل واضح منذ سنة 2015، وأصبحت «رزنامة» المنتخب الوطني وجدول المباريات الأوروبية بمثابة دليل لعصابات الجريمة المنظمة.
بامو: «الرزنامة الدولية» تفتح باب السرقة
كان ياسين بامو يعيش أجواء الفرحة الوطنية، بعد استدعائه للمنتخب المغربي. شارك كبديل في المباراة الودية ضد الأوروغواي، بأكادير، (انتهت بخسارة المنتخب الوطني بهدف لصفر)، ثم قرر البقاء فترة قصيرة في المغرب ليلتقي عائلته وأصدقاءه. استغل اللصوص غيابه تماما، وفي 1 أبريل 2015، اقتحموا منزله في مدينة نانت الفرنسية ونهبوا ممتلكات ثمينة (لم تُكشف قيمتها أو طبيعتها بعد، في انتظار نتائج التحقيقات وكاميرات المراقبة). عاد بامو إلى فرنسا ليجد منزله منهوبا ومبعثرا. رغم الصدمة، أكد في تصريحاته لـجريدة «ليكيب» أنه ما زال «سعيدا بلعبه لـ«الأسود»»، لكن الحادث كشف له بوضوح كيف يصبح غياب اللاعب الدولي فرصة ذهبية للصوص.
بنعطية.. المدافع الأسطوري يواجه الدمار العائلي
كان مهدي بنعطية في ذروة مجده: عميد «الأسود» ومدافع نادي جوفنتوس الإيطالي. قضى عطلته الصيفية في جزيرة ساردينيا الإيطالية مع عائلته. في الأسبوع السابق لـ5 يوليوز 2017، اقتحم مجهولون منزله الفاخر في مدينة تورينو. سرقوا أغراضا ثمينة، وخربوا غرفة أطفاله بشكل وحشي. عاد بنعطية ليجد الدمار. ردة فعل بنعطية كانت قوية وعاطفية: نشر فيديو على «إنستغرام» يتوعد فيه الجناة «بالعقوبة الصارمة»، وأعلن صراحة: «سيحرص مستقبلا على حمل أغراضه الثمينة معه في كل عطلة، وسيعمل على تزويد منزله بنظام تأمين إلكتروني وعدد كبير من الكاميرات لتعقب اللصوص». كان الحادث صدمة نفسية كبيرة للعائلة، خاصة بسبب تخريب غرفة الأطفال.
عبادي: «سيناريو الرعب» داخل المنزل مع العائلة
عاش منير عبادي «سيناريو الرعب» داخل منزله في مدينة ليل الفرنسية، بحضور عائلته كاملة. داهمت عصابة مسلحة المنزل في بداية الموسم الرياضي، هددوه بأسلحة بيضاء، وطالبوا بمجوهرات زوجته وكل ما هو ثمين. لم يُسرق الكثير ماديا (بسبب تدخل سريع أو مقاومة)، لكن التهديد المباشر للعائلة كان مرعبا. القصة لم تنته عند السرقة: قرر عبادي مغادرة ليل نهائيا وانتقل إلى مدينة نيس، «حيث الحياة أكثر أمانا». غيّر حياته اليومية والمهنية كلها، بسبب الخوف على زوجته وأطفاله. هذه الحالة تعد من أقوى الأمثلة على التأثير النفسي الدائم.
الشقيقان أمرابط.. طلقات نارية بالليل واللصوص ينهبون البيت
عاش نور الدين أمرابط «سيناريو الرعب» نفسه الذي عاشه مهدي بنعطية. في بداية الموسم نفسه، أطلقت عصابة مسلحة النار على منزله في ساعات متأخرة من الليل، محاولة إرعاب السكان وإجبارهم على تسليم الممتلكات. كانت الطلقات تهدف إلى الترهيب فقط، لكن الشرطة تدخلت في الوقت المناسب وحالت دون وقوع السرقة الكبرى. لم يُسرق شيء كبير، لكن الصدمة بقيت: أمرابط عاش ليالي من القلق على عائلته، وأصبح الحادث رمزا للخطر الذي يلاحق اللاعبين المغاربة حتى داخل منازلهم. (المصدر: «ل360» 2017).
في 11 ماي 2023، كان سفيان أمرابط يقود نادي فيورنتينا الإيطالي، في ذهاب نصف نهائي دوري المؤتمر الأوروبي، ضد فريق بازل السويسري. استغل اللصوص المباراة مباشرة: كسروا نافذة منزل اللاعب في حي راق بفلورنسا، دخلوا وسرقوا بعض المحتويات، بما في ذلك محفظة تحتوي على 1000 يورو نقدا. اتصلت الأسرة بالشرطة فورا، التي حضرت سريعا وبدأت تحقيقا مستندا إلى كاميرات المراقبة (حسب «توتو كامبو» ووكالة «أنسا»). لم يكن هناك عنف جسدي، لكن الاقتحام أثناء المباراة أضاف إحساسا بالعجز: اللاعب يقاتل على الملعب، بينما يُنهب بيته. الحادث أثار صدمة في إيطاليا، وأعاد تسليط الضوء على استهداف اللاعبين المغاربة تحديدا.
هذه الحالات ليست مصادفة؛ بل نمط واضح: الغياب الدولي، أو أثناء المباريات = فرصة للصوص. اللاعبون عاشوا صدمات نفسية متفاوتة: من الغضب (بنعطية) إلى الهروب النهائي (عبادي) إلى الرعب الليلي (أمرابط). الظاهرة استمرت وتطورت حتى وصلت إلى نائل العيناوي في 2026.
الأسباب الجذرية والتداعيات لاستهداف «الأسود»
لماذا يتحول نجوم «أسود الأطلس» إلى فرائس مفضلة لعصابات الجريمة المنظمة في أوروبا؟ الجواب ليس في الصدفة، بل في مزيج سام من الضعف اللوجستي، التباهي الرقمي، والفراغ الأمني الذي يستغله محترفو السرقة.
وحسب تقارير في هذا الصدد، فإن أولا الغياب كلما كان اللاعب في معسكر المنتخب، أو يخوض مباراة في الدوري الأوروبي، أصبح منزله «منطقة خالية» ومستهدفة من طرف اللصوص. بالإضافة إلى الترف المُعلن على «السوشيال ميديا»، مثل صور «لامبورغيني» و«رولكس» والفيلات المطلة على البحر تحول اللاعب إلى «كتالوغ ثروة» حي، يقرأه كل لص يبحث عن هدف سهل.
ومن بين الأسباب أيضا الوهم الأمني في الأحياء الراقية، فكاستل فوسانو في روما، أو الأحياء الفاخرة في فلورنسا، تبدو محمية على الورق، لكن كاميراتها البسيطة وأنظمتها التقليدية لا تصمد أمام عصابات مدربة على اقتحام منازل الرياضيين في دقائق، وهو ما ظهر جليا خصوصا مع وجود الشبكات المتخصصة، منها عصابات إيطالية وشرق أوروبية أصبحت تستهدف لاعبي ناديي روما ولاتسيو بشكل منهجي، كما أظهرت سلسلة الحوادث الأخيرة.
هذا النمط ليس حكرا على المغاربة وحدهم؛ فقد تعرض اللاعب الغابوني بيير إيميريك أوباميانغ، والدولي البرتغالي نيلسون سيميدو لعمليات مشابهة، لكن «الأسود» يدفعون الثمن الأغلى لسببين واضحين: انتشارهم الكبير في الدوريات الفرنسية والإيطالية والإسبانية، وانفجار شهرتهم ورواتبهم بعد كأس العالم 2022 وكأس أمم إفريقيا 2025. إذ أصبحوا رمزا للنجاح السريع، فتحولوا إلى «هدف استراتيجي» لمن يريدون ضربة سريعة ومربحة.
أما التداعيات فهي أعمق من مجرد خسارة ساعة، أو مجوهرات. نفسيا، يعيش اللاعب وأسرته حالة خوف دائم: نائل العيناوي نفسه وصف شعوره بـ«الصدمة والرعب»، بعد احتجازه مع عائلته، وغاب عن تدريبات ناديه روما ليوم كامل. مهنيا، يدفع البعض ثمنا باهظا؛ منير عبادي غادر ليل إلى نيس هربا من التهديد، وبنعطية اضطر إلى تغيير نمط حياته كاملا. كما أنه على صعيد آخر فالأحداث مست استقرار المنتخب الوطني.
ولا يعد حادث نائل العيناوي مجرد واقعة سرقة، بل هو جرس إنذار مدو يجب أن يوقظ كافة الأطراف. مع ضرورة إطلاق برنامج لأمن اللاعبين الدوليين: تركيب أنظمة مراقبة ذكية متصلة مباشرة بغرف عمليات الأندية، توفير حراسة خاصة للمنازل أثناء المعسكرات، وتأمين شامل يغطي الخسائر النفسية والمادية. على الأندية الأوروبية (أن تتحمل مسؤوليتها وتُجهز «بروتوكولا أمنيا» خاصا باللاعبين المغاربة. وعلى السلطات الإيطالية والفرنسية والإسبانية تكثيف التنسيق مع الشرطة المغربية، لمكافحة هذه العصابات المتخصصة.





