حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريررياضة

البطولة لغة الانتماء والتلاقي  وإثبات لقدرات المرأة والشباب

«الكان» في المغرب.. جسر للتلاحم الاجتماعي والفرح الجماعي

لطالما كانت كرة القدم في المغرب أكثر من مجرد رياضة، هي لغة يفهمها الجميع، وتنظيم كأس أمم إفريقيا يمنح هذه اللغة بعدا أعمق، إذ تتحول المباريات إلى مواعد جماعية تذوب فيها الفوارق الاجتماعية، ويجلس فيها الغني إلى جانب الفقير، والمقيم إلى جانب الزائر الإفريقي، تحت راية التشجيع والانتماء.

في لحظات المباريات تتراجع الأسئلة اليومية الثقيلة ويعلو صوت الفرح والهتاف. هذا التلاقي الجماعي لا يُعد تفصيلا عابرا، بل هو أحد أهم المكاسب الاجتماعية للبطولة.

«الأخبار» اختارت أن ترصد لكم كيف يساهم تنظيم العرس الإفريقي في تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء ذاكرة جماعية إيجابية.

 

إعداد: سفيان أندجار

 

 

 

 

فضاء للتشجيع للطلبة الأفارقة بالرباط

 

افتتحت، أول أمس السبت، بالحي الجامعي الدولي الرباط، منطقة المشجعين التابعة للوكالة المغربية للتعاون الدولي، لفائدة الطلبة والخريجين الدوليين لبرامج التعاون بالمملكة المغربية. وأشرف على الافتتاح ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين في الخارج، إلى جانب فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بحضور باتريس موتسيبي رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم.

وشهد حفل الافتتاح، كذلك، حضور محمدو يوسفو عميد السلك الدبلوماسي الإفريقي المعتمد بالمغرب، وعدد من السفراء الأفارقة المعتمدين بالرباط، وفيرون موسينغو-أومبا، الكاتب العام للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، ومحمد مثقال السفير المدير العام للوكالة المغربية للتعاون الدولي، إلى جانب عدد كبير من الطلبة والخريجين الدوليين لبرنامج التعاون المغربي، الذين توافدوا للاحتفاء بالحدث المنظم تحت شعار «الأخوة وتعزيز قيم الرياضة».

وتقع منطقة المشجعين، التابعة للوكالة المغربية للتعاون الدولي، بالحي الجامعي الدولي بالرباط، حيث يقيم طلبة ينتمون إلى أكثر من 80 جنسية، من ضمنها 47 بلدا إفريقيا، ما يجعلها أكثر الأماكن تنوعا من حيث الجنسيات في القارة الإفريقية. وتمتد منطقة المشجعين على مساحة تناهز 5.000 متر مربع، وتهدف إلى استقبال ما يقارب 50.000 زائر طيلة فترة تنظيم «الكان»، وتضع المنطقة ذاتها الشباب في صلب العرس الكروي القاري، من خلال جعل الرياضة والفنون والثقافة جسورا للتبادل والاندماج والتقاسم.

 

فضاءات المدينة… من العزلة إلى الحياة

 

لا يقتصر الأثر الاجتماعي للبطولة على المدرجات. فالملاعب، الساحات العمومية، محطات النقل والأحياء المجاورة لها، تتحول إلى فضاءات نابضة بالحياة. مشاريع التهيئة والتجديد التي ترافق التنظيم تخلق مدنًا أكثر قابلية للعيش وأكثر انفتاحًا على ساكنيها.

هذه الدينامية تُعيد الاعتبار للفضاء العام كمكان للتلاقي والتعايش، بعدما كان في كثير من الأحيان مهمشا أو فاقدا لوظيفته الاجتماعية. ومع البطولة تستعيد المدن دورها كمسرح للحياة اليومية، لا كمجرد تجمع إسمنتي صامت.

ويرتقب أن تقترح منطقة المشجعين، طيلة أطوار منافسة كأس إفريقيا «المغرب 2025»، النقل المباشر لمباريات الكأس الإفريقية على شاشة عملاقة، وتنظيم دوري لكرة القدم خاص بالطلبة، وفضاءات للألعاب الإلكترونية والرياضات الرقمية لتعزيز التفاعل وروح الألفة، إلى جانب تنظيم أمسيات فنية وثقافية متنوعة تتخللها عروض فنية، فضلا عن ندوات ثقافية، وسط أجواء احتفالية تمزج بين الرياضة والثقافة والترفيه، وبمشاركة الطلبة والخريجين المستفيدين من برامج التعاون المغربي.

هذا وكشف «الكاف» عن القائمة الرسمية للجماهير التي ستعمل طوال فترة البطولة بالمناطق الثمانية الرسمية المخصصة للجماهير، بوصفها مراكز احتفالية ذات دينامية، لتقريب كرة القدم من الجماهير من خلال عرض المباريات مباشرة، الموسيقى، الطعام والأنشطة التفاعلية، مع تعزيز رسالة البطولة الفريدة: «نحن مختلفون».

وسيتم الدخول إلى مناطق الجماهير بالمجان، مع إبراز بطائق المشجعين الخاصة بهم، والتي تم الحصول عليها عبر تطبيق «يلا». وتضم كل منطقة مسرحاً رئيسياً لبث المباريات مباشرة، الحفلات الموسيقية والعروض الحية، ما يخلق أجواء حماسية طوال أيام المباريات، على أن تختلف برامج الأنشطة والمواعد اليومية حسب المدينة، بما يتماشى مع جدول مباريات «الكاف».

 

المتطوعون في قلب المشهد

 

يُعد الشباب المستفيد الأول اجتماعيا من تنظيم كأس أمم إفريقيا. فإلى جانب فرص الشغل المؤقتة والتطوع، تمنح البطولة آلاف الشباب تجربة فريدة في التنظيم، التواصل والعمل الجماعي. إنها مدرسة غير رسمية في المواطنة والانضباط وتحمل المسؤولية.

الاحتكاك المباشر بالجماهير الإفريقية القادمة من ثقافات مختلفة يفتح، بدوره، آفاقًا جديدة أمام الشباب المغربي، ويعزز قيم الانفتاح، التعدد وقبول الآخر. في هذه اللقاءات العابرة يتتشكل وعي جديد، يرى في إفريقيا عمقًا إنسانيًا وثقافيًا، لا مجرد انتماء جغرافي.

 

آلاف المتطوعين في قلب الحدث

تشير المعطيات التنظيمية إلى أن ما يقارب 4 آلاف متطوع سيشاركون بشكل مباشر في مهام تنظيم البطولة، ضمن البرنامج الرسمي المعتمد من طرف اللجنة المحلية المنظمة والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فيما خضع نحو 15 ألف شاب وشابة لتكوينات وتأطير مسبق، استعدادا لمواكبة مختلف الجوانب المرتبطة بالاستقبال والتوجيه والخدمات.

وينتشر المتطوعون عبر المدن الستة المحتضنة للمباريات، في الملاعب، المطارات، محطات القطار، الفنادق ومناطق المشجعين، حيث يتولون مهامَّ متعددة تشمل استقبال الجماهير، توجيه الضيوف، المساعدة اللوجستية، دعم الفرق الإعلامية وتسهيل ولوج المشجعين إلى الفضاءات الرياضية.

لم يكن الحضور التطوعي وليد الصدفة، بل جاء ثمرة برنامج تكويني واسع، أشرفت عليه مؤسسات وطنية بشراكة مع اللجنة المنظمة، شمل عشرات مراكز التكوين عبر المملكة. وتلقى المتطوعون تدريبا مكثفا في مهارات التواصل، إدارة الحشود، التعامل مع الطوارئ، أخلاقيات العمل وتمثيل صورة المغرب أمام الزوار الأجانب.

ويركز هذا التكوين على جعل المتطوع سفيرا حقيقيا للبلاد، قادرا على التفاعل مع جماهير قادمة من أكثر من 130 دولة، بلغات مختلفة وثقافات متعددة، في ظل التوقعات بتوافد مئات الآلاف من المشجعين خلال فترة البطولة.

 

 

المرأة… حضور يتجاوز المدرجات

 

من المكاسب الاجتماعية البارزة للبطولة تعزيز حضور المرأة في الفضاء الرياضي العام، سواء كمشجعة، متطوعة، إعلامية أو فاعلة تنظيمية. تنظيم تظاهرة قارية بهذا الحجم يفرض صورة جديدة للمرأة المغربية، كعنصر أساسي في إنجاح الحدث لا كضيف على الهامش.

هذا الحضور يساهم في كسر الصور النمطية، ويُرسخ فكرة أن الرياضة فضاء مشترك يعكس تطور المجتمع وتغير أدواره الداخلية.

حضور المرأة المغربية بقوة في كواليس كأس أمم إفريقيا 2025، حضور لا تصنعه الأهداف ولا العناوين الرياضية، بل تصنعه تفاصيل التنظيم اليومي، حيث تتحول آلاف النساء إلى فاعلات أساسيات في إنجاح أكبر حدث كروي تشهده المملكة.

بعيدا عن المدرجات تشتغل النساء بصمت، يحملن شارات التنظيم، يوجهن الجماهير، يسهرن على الاستقبال ويقدمن صورة مختلفة عن مغرب حديث، يراهن على الكفاءة وتكافؤ الفرص في تدبير التظاهرات الكبرى.

اللجنة المنظمة لكأس أمم إفريقيا فتحت، أيضا، باب التطوع أمام الشباب والشابات دون تمييز، لتجد المرأة المغربية نفسها حاضرة بقوة ضمن فرق التنظيم. متطوعات في الاستقبال، أخريات في التواصل، في الضيافة، في التنسيق اللوجستي وحتى في دعم التغطية الإعلامية، يساهمن في إدارة تدفق جماهيري غير مسبوق، قادم من عشرات الدول.

وتشير المعطيات التنظيمية إلى أن المتطوعات خضعن لمسارات التكوين والتأهيل نفسها التي استفاد منها نظراؤهن من الرجال، في مجالات التواصل، إدارة الحشود، التعامل مع الزوار الأجانب واحترام معايير التنظيم الدولية، ما يعكس توجها واضحا نحو جعل المرأة شريكا كاملا في إنجاح الحدث.

في المطارات ومحطات القطار غالبا ما تكون أول ابتسامة يستقبل بها الزائر الأجنبي امرأة مغربية، تتحدث بلغات متعددة وتقدّم المعلومة بثقة واحترافية. هذا الحضور النسائي في الواجهة الأمامية للبطولة لم يكن اعتباطيا، بل جزءا من رؤية تنظيمية تراهن على البعد الإنساني والصورة الحضارية للمملكة.

وتلعب النساء دورا محوريا في خلق تجربة إيجابية للجماهير، خاصة العائلات والمشجعات، حيث يضفي وجودهن إحساسا بالأمان والتنظيم، ويعكس تطورا ملحوظا في إشراك المرأة في الفضاءات الرياضية الكبرى.

 

 

إفريقيا في المغرب… والمغرب في إفريقيا

 

كأس أمم إفريقيا ليست فقط بطولة، بل جسر إنساني وثقافي. استقبال جماهير من مختلف دول القارة يخلق احتكاكًا يوميًا، في الشوارع والفنادق والمقاهي، حيث تُكتشف القواسم المشتركة، وتُروى القصص وتُبنى صداقات عابرة للحدود.

هذا التفاعل يعزز صورة المغرب كبلد إفريقي منفتح، قادر على استقبال الآخر واحتضان التنوع. وهي صورة لها انعكاسات عميقة على الوعي الجمعي، خاصة لدى الأجيال الصاعدة، التي ترى إفريقيا قريبة، حاضرة ومتعددة الوجوه.

 

الفرح كحق اجتماعي وإرث يتجاوز صافرة النهاية

 

في سياق عالمي متوتر، مثقل بالأزمات، يصبح الفرح حاجة اجتماعية حقيقية. تنظيم كأس أمم إفريقيا يمنح المغاربة لحظة تنفس جماعي، وحقا في الاحتفال، والانتماء والحلم. هذا الفرح ليس ترفًا، بل عنصر توازن نفسي واجتماعي، يعزز الإيجابية ويقوي الروابط داخل المجتمع.

الأثر الاجتماعي الحقيقي للبطولة لا يُقاس بعدد الأهداف أو الكؤوس، بل بما يبقى بعد إسدال الستار: وعي جماعي أقوى، فضاءات عامة أكثر حيوية، شباب أكثر ثقة ومجتمع أكثر تماسكا. إذا أُحسن استثمار هذا الحدث، يمكن لكأس أمم إفريقيا أن تتحول إلى نقطة تحول اجتماعية، تكرّس الرياضة كرافعة للتنمية الإنسانية لا مجرد فرجة عابرة.

في المغرب، حيث تختلط الكرة بالحياة اليومية، قد تكون هذه البطولة أكثر من منافسة قارية. قد تكون لحظة يكتشف فيها المجتمع نفسه.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى