
يونس جنوحي
وانتخابات سنة 1984 على الأبواب، لم يكن ممكنا أن يلتقي السفير محمد التازي مع الملك الراحل دون أن يدور الحديث حول السياسة.. كان الحسن الثاني يعلم جيدا أن التازي دخل الصحافة من باب حزب الاستقلال وترأس تحرير «العَلم» في نهاية الخمسينيات، ورغم تعيين الملك له في الخارجية، إلا أن الروابط السياسية، خصوصا التي جمعته بالزعيم علال الفاسي (توفي سنة 1974)، سواء في مصر أيام الدراسة أو في المغرب بعد الاستقلال، لم تكن لتنصهر مع مرور السنين.
هكذا، في آخر اللقاء الذي جمع السفير التازي بالحسن الثاني في السيارة الملكية، كان هناك نصيب للسياسة أيضا. فقد ذكر الملك الراحل للتازي اسما مرموقا في حزب الاستقلال حينها -اللقاء كان في آخر أيام شهر غشت 1984- وأخبره أنه يُدرك وطنية هذا القيادي، لكن علاقته بالقصر لن تعود إلى سابق عهدها.. ثم ذكر الملك الراحل سفيره التازي بواقعة كانت قد مضت عليها وقتها عشرون سنة..
يقول التازي في هذا الصدد:
«.. وذكرني جلالته بواقعة كنت طرفا فيها عام 1964.
هذه الواقعة هي أني تلقيت أمرا من وزارة الخارجية وأنا مستشار في سفارتنا بلبنان بالالتحاق بالمغرب للاستشارة، وتساءلت كيف أدعى للاستشارة وبالسفارة سفير؟
ودخلت للمغرب، وإذا بوزير الخارجية يبلغني أن استدعائي كان بأمر من جلالة الملك وعليّ أن أتصل بالتشريفات الملكية، فشرعت في استعراض كل الاحتمالات للأمر الملكي، وأخذت في ترتيب أفكاري وفي تحديد الموضوعات التي يمكن أن تثار معي…
واستقبلني جلالته في سكناه بالسويسي، وطال الاجتماع، وكان الحديث فيه متشعبا من السياسة إلى الوضع الداخلي، إلى الأدب، إلى الحالة في المنطقة العربية، من غير تحديد لهدف، وشعرت أن المقابلة أوشكت على نهايتها، حين سألني جلالته:
-متى ستعود إلى بيروت؟
وقلت لجلالته:
-عندما يأذن سيدنا الله ينصره.
جلالة الملك:
-كيف حال السي علال؟
-إنه بخير على ما أعلم، ولسوف أزوره اليوم، إذا وجدته في منزله.
بعد فترة صمت قصيرة جدا قال جلالته:
-سجل هذا الرقم عندك، وإذا احتجت لي قبل سفرك اتصل بي فيه.
وأملى علي رقم تليفون، فودعت جلالته، وغادرت سكنى السويسي وأنا في حيرة من أمري، وأسئلة لا حصر لها تتوالى على ذهني: لماذا استدعيت من بيروت؟ وما الموضوعات التي سئلت عنها؟ وما سر الرقم التليفوني؟
إن في القصر الملكي مركزا خاصا بالاتصالات التليفونية، فهل هذا الرقم خاص بجلالته؟ وفيم سأحتاج استعمال هذا الرقم؟
ووصلت لمنزل الزعيم علال وأنا لم أهتد لجواب، وكعادته، نور الله ضريحه، بشوش في ترحيبه، صادق في ما يبديه نحوك من عاطفة ومودة، يستفسر عن الأهل والأنجال، وعن الإقامة في لبنان، وسؤاله الدائم، ماذا تريد في العشاء؟ فأنا ما تعودت على زيارته إلا مساء، وما تعودت على العشاء في الرباط إلا في ضيافته باستثناء الظروف الغلاّبة.
وسألني:
-هل أنت في عطلة، فتطول إقامتك معنا؟
وأجبته:
-لست في عطلة، فقد دعيت للحضور، وجئت الآن من مقابلة مع جلالة الملك وسأعود لبيروت بعد يومين أو ثلاثة إن شاء الله، وأنا لا أعلم سر هذه الزيارة، ولا سببها، فلم يكن لها موضوع خاص.
وتشعب الحديث من نشاط سيادته الجامعي إلى نشاطه الحزبي، وسعيه لإعادة اللُحمة إلى الحركة الوطنية، إلى علاقة الحزب بجلالة الملك..».
كان التازي وقتها لم يكتسب من التجربة ما يؤهله ليفهم ما بين السطور.. وإدراك ما كان يريده منه الملك الراحل بشكل «غير مباشر».





