حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

التعمير والمناخ

قد يعتقد البعض أن التعمير شأن تقني صرف، وأن المناخ مجرد معطى طبيعي لا يمكن التحكم فيه، غير أن واقع الحال يثبت أن العلاقة بينهما علاقة مباشرة، أصبحت تمس حياة السكان وسلامتهم بشكل مباشر، خاصة مع تسارع وتيرة المتغيرات المناخية، وتوالي الأمطار الطوفانية، والرياح العاتية، والسيول الجارفة، حيث لم يعد من المقبول الاستمرار في فصل سياسات التعمير عن المعطيات المناخية، لأن نتائج هذا الفصل تكون في الغالب مأساوية.

لقد كشفت الفيضانات التي شهدتها مناطق الشمال والغرب بالمملكة، بالتزامن مع تدخلات السلطات وعمليات الإنقاذ، عن اختلالات بنيوية عميقة في مجال التعمير، هذه الاختلالات تجلت بوضوح في انتشار البناء بمحارم الوديان، وفي المنخفضات الطبيعية التي يصعب تصريف مياه الأمطار منها نحو البحر، إضافة إلى البناء العشوائي الذي يتم في غياب دراسات تقنية دقيقة لطبيعة التربة، ودون مراعاة مخاطر الانزلاقات والانهيارات الصخرية التي تشكل تهديدا حقيقيا لسلامة السكان.

ولعل البعض عاش هول الصدمة وهو يرى كيف جرفت السيول أحياء بكاملها، في حين أن الكل يعرف أن للوديان ذاكرة قوية، حيث تعود إلى مجاريها مهما طال الزمن، لذلك خلقت سنوات الجفاف المتتالية وهما زائفا بالأمان، ودفعت في اتجاه التوسع العمراني في مناطق يفترض أن تبقى ممنوعة من البناء، لكن عندما تختل توازنات الطبيعة، تدفع المجتمعات التي لم تحسن التخطيط الثمن غاليا.

ولا يمكن في هذا السياق إعفاء عدد من الجهات المسؤولة عن التعمير من المسؤولية، لأن فوضى البناء ليست قدرا محتوما، بل هي نتيجة مباشرة للتساهل والتراخي في تطبيق القوانين، وإهمال شروط السلامة، وغض الطرف عن المخالفات بطرق ملتوية، وأحيانا تحت ضغط المصالح الاقتصادية التي تختلط بالسياسية، وأحيانا أخرى بفعل الفساد الذي ينخر هذا القطاع الحيوي. فساد يحول مجاري الوديان إلى تجزئات سكنية، والمناطق الزراعية المنخفضة إلى مدن تنبت كالفطر في زمن قياسي، دون بنية تحتية ملائمة، أو رؤية استشرافية.

إن التعمير ليس مجرد مساطر إدارية أو تصاميم تقنية، بل هو تخطيط استراتيجي لمستقبل مدن وقرى بأكملها، وبالتالي يمثل مستقبل وطن، بحيث إن اختيارات اليوم في مجال البناء تحدد كلفة الغد من حيث الخسائر المادية والبشرية، ومن حيث قدرة الدولة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية والتخفيف من آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

والمفارقة أن المغرب لا يعاني من ندرة في المساحات القابلة للتعمير وفق شروط السلامة، بل يتوفر على هوامش واسعة يمكن استغلالها بعقلانية، إذا توفرت الإرادة السياسية الصارمة، وربطت المسؤولية بالمحاسبة، وتم اعتماد تخطيط حضري بعيدا عن أعين المصالح الضيقة، يدمج المعطى المناخي والمتغيرات المناخية في صلب القرار العمومي.

إن التنمية الحقيقية لا تقاس بصلابة الإسمنت وسرعة التوسع العمراني، بل بمدى حماية سلامة وحياة الإنسان، وضمان شروط السلامة واستدامة المدن في مواجهة تقلبات الطبيعة، وهو الشيء الذي يتطلب إعادة الاعتبار للعلاقة بين التعمير والمناخ كخيار مجتمعي لم يعد حكرا على النقاش النخبوي، بل ضرورة وطنية ملحة، وكل تأخير في إصلاح اختلالات التعمير هو استثمار مباشر في الكوارث المقبلة، وكل بناء خارج منطق السلامة هو مخاطرة مفتوحة بحياة الناس، هي رسالة يجب أن تصل ويتم العمل بها، لأن الوقت لا يرحم.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى