
إعداد: سفيان أندجار
في عالم الرياضة، تظل المنشطات أكبر عدو للنزاهة، فالمغرب الذي أنجب أساطير مثل نوال المتوكل، سعيد عويطة، وهشام الكروج وعدد من الرياضيين في مختلف المجالات لم يسلم من هذه الظاهرة، التي لطخت صورة الرياضة الوطنية مرارا. من أولمبياد لندن 2012، التي شهدت سقوط عدة نجوم في ساعات معدودة، إلى حالات الإيقاف المتكررة التي أنهت مسارات واعدة، إلى الوصول إلى حالة اللاعب حمزة الموساوي، عميد فريق نهضة بركان لكرة القدم، والذي تم إيقافه لسنتين، يروي هذا الملف قصص أبرز الرياضيين المغاربة الذين وقعوا ضحية «الطريق السريع» الممنوع. كل حالة تكشف ليس فقط عن مادة كيميائية، بل عن تحول دراماتيكي في حياة رياضي كان يحلم بالمجد.
سنستعرض هنا حالات بارزة بتفاصيل دقيقة، مدعومة بحقائق زمنية، وتأثيراتها الرياضية والنفسية والمهنية.
الموساوي.. الإيقاف الأحدث والأكثر تأثيرا
يعد حمزة الموساوي (مدافع نهضة بركان) أبرز حالة حديثة في كرة القدم المغربية، فقد أصدرت لجنة الانضباط بالكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (قرارا بإيقافه لمدة عامين كاملين، بعد ثبوت تناوله مادة محظورة مدرجة ضمن قائمة الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات لسنة 2026. جاءت العينة الإيجابية عقب مباراة نهضة بركان أمام بيراميدز المصري في 24 يناير 2026، لحساب دور مجموعات دوري أبطال إفريقيا).
اعترف اللاعب خلال جلسة الاستماع بتناول المادة، ولم يقدم ترخيصا علاجيا (TUE) يبرر وجودها، رفض أيضا فحص العينة الثانية (B)، مما جعل القرار نهائيا. كان الموساوي عنصرا أساسيا في دفاع نهضة بركان، وساهم في تأهل الفريق في بعض المراحل القارية، رغم الجدل الذي أثاره نادي الهلال السوداني بشكواه ضد مشاركته.
ويحرم هذا التوقيف الموساوي من المشاركة في جميع المسابقات الإفريقية والدولية والمحلية المعتمدة من «الفيفا» و«الكاف» حتى أبريل 2028 تقريبا. في سن تقارب الثلاثين، قد يعني ذلك نهاية فعلية لمسيرته في القمة، أو على الأقل فقدان سنوات ذهبية.
السلسولي.. من المرشحة للذهب الأولمبي إلى «مغادرة المضمار»
ولدت مريم علوي السلسولي في 8 يوليوز 1984 بمراكش، وتخصصت في المسافات المتوسطة (1500 متر) والطويلة (5000 متر). كانت نجمة صاعدة بقوة في ألعاب القوى المغربية. في 2007، احتلت المركز الخامس في بطولة العالم بأوساكا في سباق 1500 متر، ثم توجت بميداليتين فضية وبرونزية في بطولات العالم داخل الصالات.
لكن مسارها اللامع تعثر لأول مرة في 2009،
إذ أثبتت عينة منشطات إيجابية لمادة الإريثروبويتين (EPO) خلال نهائي العالم في برلين، مما أدى إلى إيقافها من 22 غشت 2009 إلى 21 غشت 2011، أي لمدة عامين كاملين.
عادت السلسولي بقوة مذهلة بعد الإيقاف، وحصدت الميدالية الفضية في بطولة العالم داخل الصالات 2012 بإسطنبول، وكانت مرشحة قوية للذهب الأولمبي في لندن 2012، سواء في 1500 متر أو 5000 متر.
في 6 يوليوز 2012، أثناء مشاركتها في ملتقى «أفيرا» بباريس ضمن الدوري الماسي، خضعت لثلاثة اختبارات تحت إشراف الوكالة الفرنسية لمكافحة المنشطات، جاءت واحدة على الأقل إيجابية لمادة الفوروسيميد (مدر بول محظور يُستخدم لإخفاء مواد أخرى). أعلن الاتحاد الدولي لألعاب القوى إيقافها مؤقتا، وحرمانها من الأولمبياد. كانت هذه المرة الثانية، ففرض الاتحاد إيقافها لثماني سنوات.
دافعت السلسولي عن نفسها أمام اللجنة التأديبية للجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى، مؤكدة أنها تعرضت لوعكة صحية في 4 يوليوز أفقدتها الوعي، وأن طبيبها أعطاها حقنة دون إخبارها بمحتواها المحظور. قدمت وثائق طبية، لكن الحكم صدر نهائيا. انتهت مسيرتها التنافسية عمليا؛ بعد انتهاء الإيقاف في 2020، لم تعد إلى المنافسات الدولية بمستواها السابق. تحولت من بطلة محتملة إلى رمز لـ«الضحية» في نظر بعض المتابعين، كانت السلسولي تمثل جيلا واعدا، لكن المنشطات حولت أحلامها الأولمبية إلى ذكرى مؤلمة، وألقت بظلالها على صورة المرأة المغربية في ألعاب القوى.
بولامي: صاحب الرقم القياسي العالمي الذي أُلغي
ولد إبراهيم بولامي في 20 أبريل 1972 بآسفي، ويعد أحد أبرز متخصصي 3000 متر موانع في تاريخ المغرب. حقق ميداليتين ذهبيتين في ألعاب البحر الأبيض المتوسط (1997 بباري و2005 بألمريا). بلغ ذروته في 2001 عندما سجل رقما قياسيا عالميا بزمن 7 دقائق و55 ثانية و28 جزءا من المائة، ثم حسنه في 2002 إلى 7 دقائق و53 ثانية و17 جزءا في المائة، خلال لقاء زيوريخ.
لكن الفرحة لم تدم. قبل لقاء زيوريخ بأيام، أثبتت عينة دم وبول إيجابية لمادة الإريثروبويتين (EPO)، وأكدت العينة الثانية النتيجة، فألغى الاتحاد الدولي لأم الألعاب الرقم القياسي لعام 2002، وفرض إيقافا لمدة عامين (2002-2004). نفى بولامي بشدة الاتهام، معتبرا إياه «مؤامرة مبيتة»، ومؤكدا أن تدريبه في الارتفاعات العالية بإفران هو «المنشط الوحيد» الذي يعرفه. لم تقبل محكمة التحكيم الرياضي «طاس» دفاعه، وأيدت الإيقاف.
غير الحادث مساره جذريا. كان بولامي في قمة مجده، يُنافس أفضل العدائين العالميين، لكنه خرج من المنافسات لسنتين حاسمتين في مسيرة أي عداء. بعد الاعتزال، انتقل إلى الجانب الإداري والتدريبي، حيث أصبح مدربا للشباب في تخصصات 3000 متر موانع و800 و1500 و3000 متر، ومديرا تقنيا بعصبة دكالة- عبدة. تحول من بطل ميدان إلى صانع أبطال.
حشلاف..انتهاء مسيرة أولمبية
تخصصت حليمة حشلاف في سباق 800 متر، ومثلت المغرب في أولمبياد لندن 2012، حيث بلغت نصف النهائي. كانت نجمة الدوري الماسي، حيث فازت بسباقات عدة قبل الأولمبياد.
في 2013-2014، سقطت في أول اختبار إيجابي، ففرض الاتحاد الدولي لألعاب القوى إيقافها لأربع سنوات. عادت بعد انتهاء العقوبة، وشاركت في بطولة العالم 2019 بالدوحة (خرجت من نصف النهائي). لكن في يناير 2021، أثبتت عينة من سباق في الرباط إيجابية لهرمون ستيرويدي اصطناعي. في نونبر 2021، أعلنت وحدة نزاهة ألعاب القوى (AIU) إيقافها ست سنوات. كانت هذه المرة الثانية، فلم تُمنح فرصة ثالثة.
بلغت حشلاف آنذاك 33 سنة، وكان الإيقاف الثاني بمثابة نهاية فعلية لمسيرتها التنافسية. تحولت من عداءة أولمبية واعدة إلى حالة «ريكيديف» (مرتكبة متكررة)، مما أثار نقاشا حول ثقافة المنشطات في بعض المعسكرات التدريبية. فقدت فرص المشاركة في أولمبياد طوكيو وباريس، وانتهى حلمها بالمنصات الدولية.
لعلو.. دق ناقوس وجود شبكات منظمة للمنشطات
متخصص في 1500 متر، كان أمين لعلو من الآمال المغربية الكبرى في 2012. لكنه سقط في 20 يوليوز 2012 خلال ملتقى موناكو، إيجابيا للفوروسيميد- المادة نفسها التي أطاحت بالسلسولي. أُبعد عن أولمبياد لندن، وفرض إيقاف أولي لسنتين.
عاد لعلو، لكنه لم يتعلم الدرس. في 2016، ثبتت مخالفة جديدة، فأعلنت اللجنة التأديبية إيقافا لثماني سنوات (حتى 2024). كان عمره آنذاك 34 سنة، وانتهت آماله في العودة إلى القمة. تحول من مرشح لميدالية أولمبية إلى رياضي «مُعلّق» لسنوات طويلة. حالته عززت الشكوك حول وجود شبكات منظمة داخل بعض الأندية والمعسكرات، وأثارت فضائح 2012، التي شملت عدة عدائين مغاربة.
تحديات الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات في سباق النزاهة الرياضية
رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الوكالة المغربية لمكافحة المنشطات (AMAD) منذ تفعيلها في 2020، فإن تطبيق استراتيجيتها الوطنية على أرض الواقع يواجه جملة من الصعوبات الهيكلية والميدانية. فالوكالة، التي ترتكز على ثنائية الردع والتوعية، تجد نفسها أمام تحديات متعددة، من بينها محدودية الموارد البشرية والمالية التي تحول دون تغطية كاملة لكل المعسكرات التدريبية والمنافسات المحلية والقارية، خاصة في مناطق نائية، أو في رياضات ذات كثافة عالية مثل ألعاب القوى. كما تعيق بعض الثغرات في التنسيق بين الجامعات الرياضية والأندية، إلى جانب صعوبة مراقبة استهلاك المكملات الغذائية والعلاج الذاتي، تنفيذ برامج الرقابة المفاجئة بفعالية مطلقة.
من الناحية الردعية، نجحت الوكالة في إحالة حالات إيجابية إلى اللجان التأديبية المستقلة، وتعزيز التعاون مع النيابة العامة والأجهزة الأمنية عبر اتفاقيات حديثة (2025)، مما يعكس إرادة صارمة في تطبيق العقوبات وفق المعايير الدولية للوكالة العالمية(WADA) . غير أن هذا الجانب الزجري، وإن كان ضروريا للحفاظ على النزاهة، يبقى غير كاف لوحده.
أما الجانب التوعوي والوقائي، فيشكل العمود الفقري لاستراتيجية (AMAD)، حيث تركز الوكالة على جعل الرياضي «في قلب» البرنامج، من خلال ورشات التكوين، الحملات التحسيسية في المدارس والجامعات، وبرامج التوعية بمخاطر المنشطات والعلاج الذاتي. ومع ذلك، يتطلب تحقيق تأثير مستدام توسيع هذه البرامج لتشمل فئات الشباب والناشئة بشكل أوسع، وتعزيز البحوث العلمية حول سلوكيات الرياضيين المغاربة، مع توفير موارد إضافية، لضمان استمرارية الشراكات مع الجامعات الملكية.
في النهاية، يظل التوفيق بين الردع الصارم والتوعية الشاملة رهانا استراتيجيا حاسما. فالرياضة المغربية، التي تستعد لاستضافة تظاهرات دولية كبرى مثل كأس العالم لكرة القدم 2030، تحتاج إلى وكالة قوية قادرة على تحويل الاستراتيجية النظرية إلى واقع يومي، يحمي أبطال الحاضر والمستقبل من «فخ الجرعة الممنوعة».
الدراك ضحية «منتج ومكمل غذائي»
تعرض زين الدين الدراك، لاعب وسط نادي الجيش الملكي لكرة القدم، لعقوبة الإيقاف لمدة ثلاثة أشهر، بعد ثبوت نتيجة تحليل غير طبيعي في عينة خضع لها عقب إحدى مباريات فريقه في المنافسات الإفريقية.
وأصدرت لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم القرار في 8 أبريل الجاري، بناء على تقرير اللجنة الإفريقية لمكافحة المنشطات.
وأوضح النادي العسكري في بلاغ رسمي أن اللاعب أبدى تعاونا كاملا مع الجهات المختصة، مؤكدا أن الواقعة تعود إلى تناوله منتجا غذائيا، أو مكملا دون علمه باحتوائه على مادة محظورة، في غياب أي نية متعمدة.
وشدد فريق الجيش الملكي على أن هذه الحالة تبقى معزولة، إذ سبق للدراك أن خضع لعدة اختبارات سابقة، سواء في البطولة الوطنية، أو المشاركات القارية، دون تسجيل أي مخالفة.
ويأتي هذا الإيقاف في توقيت حساس للفريق العسكري، الذي يفقد أحد عناصره المهمة في وسط الميدان خلال الفترة المتبقية من المنافسات القارية والمحلية، مما يعكس رغم قصر المدة مقارنة بحالات أخرى مثل إيقاف حمزة الموساوي، الثمن الباهظ الذي تدفعه الأندية واللاعبون جراء أي إهمال في مراقبة المكملات الغذائية.





