حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

الحدود الشرقية وقضية الصحراء بعيون الأمريكيين

واشنطن أشادت بمواقف الحسن الثاني وتعاملت بحذر مع الجزائر

يونس جنوحي

من بين الملفات التي تابعها الأمريكيون باهتمام، موضوع المراسلات السرية بين هواري بومدين والخارجية السوفياتية. فقد علم الأمريكيون أن بومدين منح السوفيات موقعا فخما، لكي يؤسسوا سفارتهم في قلب الجزائر العاصمة. وكان الأمريكيون يتوفرون على معطيات مهمة بشأن تقديم الرئيس الجزائري لمساحات شاسعة من التراب الجزائري، لكي يقيم فوقها السوفيات قواعد سرية، ومنصات لاختبار السلاح في قلب الصحراء الجنوبية.

في هذا الملف نعرض مضامين حصرية لوثائق من أرشيف الخارجية الأمريكية، تكشف كيف ماطل الرئيس الجزائري هواري بومدين، لكي يُعمر ملف «البوليساريو» أطول مدة ممكنة.. وكيف أن واشنطن لم تكن تثق نهائيا في الدور الذي كان يلعبه.

 

++++++++++++++++++++

 

1972.. سفارة واشنطن بالرباط تابعت رحلة أوفقير إلى الجزائر

في ربيع سنة 1972، بحسب مراسلات الخارجية الأمريكية، انتبه الأمريكيون إلى وجود اتصال بين الجنرال أوفقير وقيادات جزائرية. وكان عنوان الاتصالات وقتها، الخروج بصيغة اتفاق حول الحدود المغربية الجزائرية الشرقية.

وفي الفترة نفسها، بحسب مراسلات الأرشيف، والتي أدرجها الأمريكيون في ملف عُرف لاحقا بـ«موسلو»، طلب الجنرال أوفقير من واشنطن إعادة مراجعة منحة عسكرية للمغرب، ورفع قيمتها المالية لكي تشمل دبابات ومعدات ثقيلة لصالح المغرب.

الوثيقة الأمريكية التي تكشف اتصالات الجنرال أوفقير بالسفير الأمريكي في الرباط، بخصوص صفقة السلاح، تحمل الترقيم التالي: CIA-RDP9T00975A0198000900002-2، وما زالت مدرجة إلى اليوم في الأرشيف الرسمي لوكالة الاستخبارات المركزية.

قبل السفر إلى الجزائر، سافر الجنرال أوفقير أولا إلى تونس، وأجرى لقاءات مع مسؤولين كلفهم الرئيس الحبيب بورقيبة، بمتابعة ما يقترحه الجنرال، لطي الخلاف مع الجزائر. إلا أن سفر الجنرال أوفقير ظل محفوفا بالغموض، خصوصا وأنه قضى جل وقته، بحسب وثائق الأمريكيين دائما، في لقاءات غير رسمية مع مسؤولين تونسيين، ولم يدم لقاؤه الرسمي سوى دقائق.

بعد الرحلة إلى تونس، جاء دور التمهيد للتفاوض مع الجزائر بخصوص اتفاق توطين الحدود الشرقية، خصوصا في منطقة فكيك وبوعرفة.

كانت واشنطن تتابع ملف ترؤس الجنرال أوفقير للمفاوضات، سيما بعد طلبه من السفير الأمريكي مراجعة اتفاق السلاح.. لقد أيقظ طلب الجنرال أعين الأمريكيين، لكي يركزوا أكثر على نشاطه. والدليل أن عدد المراسلات بين الرباط وواشنطن قد ازداد في الأسابيع التي سبقت اتفاق 15 يونيو 1972.

ماذا وقع إذن في الجزائر العاصمة؟

بعد المحاولة الانقلابية التي قادها الجنرال أوفقير، والتي استهدفت طائرة الملك الراحل الحسن الثاني يوم 16 غشت 1972، اتضح أن مساعي أوفقير أثناء التفاوض لم تكن سليمة نهائيا.. وتحدثت الصحف الفرنسية عن احتمال وجود صفقة بين بومدين وأوفقير، عُلقت فيها الآمال على نجاح المحاولة الانقلابية التي كان يتم التحضير لها سرا في ذلك الوقت.

فهم الأمريكيون سر طلب أوفقير مراجعة الاتفاق العسكري مع المغرب، لكنهم لم يعرفوا التفاصيل الكاملة لما دار بين الجنرال والرئيس بومدين بخصوص اتفاق الحدود الشرقية.

بالمقابل، بدا واضحا سبب «سخاء» أوفقير مع الجزائريين، أثناء الإعداد للاتفاق، حيث تأكد أن الجنرال تساهل كثيرا مع كل من وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة، وممثل الرئيس بومدين.. بل إن الجنرال أوفقير وعد أن يكون هناك اتفاق بنقاط ودية لصالح الجزائريين، سوف يقدمها المغرب في قادم الأيام. لكن بدا واضحا أن الجنرال كان يتحدث عن مغرب ما بعد محاولته الانقلابية، متصورا أنها سوف تنجح لا محالة.

التقارير الأمريكية التي تلت المحاولة الانقلابية الثانية، حذرت من أن يكون الجنرال قد قدم وعودا أخرى للجزائريين، بخصوص هيمنة وحضور الاتحاد السوفياتي في شمال إفريقيا. فشل المحاولة الانقلابية لم يغير من موقف المغرب من اتفاق ترسيم الحدود الشرقية مع الجزائر، وهذا ما اتضح أكثر بعد رحيل هواري بومدين، إذ إن الملك الراحل الحسن الثاني استقبل رئيس الجزائر في بداية الثمانينيات، وطُويت خلافات كثيرة بعد رحيل بومدين ورجاله عن المشهد.

 

الأنشطة السرية لبومدين جعلت واشنطن تُشكك في نواياه بخصوص الصحراء

إلى حدود دجنبر 1978، تاريخ وفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين، كان الأمريكيون يتعاملون مع المعلومات الواردة من الجزائر العاصمة بكثير من الحذر.

وبعد رحيله، استمر الحذر الأمريكي في التعاطي مع كل المعلومات الواردة بخصوص دور الجزائر في ملف الصحراء المغربية، منذ الثمانينيات.

فقد كان الأمريكيون، حسب المراسلات التي تعود إلى سنتي 1981 و1990، يرون في النظام الجزائري استمرارا للخطر الذي يشكله نظام القذافي.

فبعد فضيحة اختطاف وزراء النفط في قمة 1975، وتقديم الجزائر يد العون لمنفذي الهجوم، واستقبالها لهم، وفضيحة طائرة «لوكيربي»، التي تورط فيها القذافي ودفع أموالا طائلة لعائلات الركاب الضحايا، أصبح الأمريكيون يرون في كل من نظام ليبيا والجزائر تهديدا للأمن الإقليمي، خصوصا مع ازدياد وتيرة تمويل النظامين معا لانفصاليي البوليساريو..

بالعودة إلى فضيحة اختطاف وزراء النفط من قلب مقر «أوبك».. فقد اتضح تواطؤ الجزائر مع المنفذين الذين كان يترأسهم «كارلوس»، الذي لقبه الفرنسيون بالثعلب.. وهذا الأخير كانت له اتصالات مباشرة مع هواري بومدين، ورصدته المخابرات الفرنسية والأمريكية بعد العملية في ضيافة الجزائر، بل وكان وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة يضع طائرة خاصة رهن إشارة كارلوس، ويقدم له المساعدات لقيادة عملياته التي استهدفت عددا من الدول، بينها فرنسا نفسها.

وحسب وثائق أرشيف الخارجية الأمريكية، فإن كارلوس عندما اختطف وزراء النفط في دجنبر 1975 من قلب مدينة «فيينا»، كان أول ما فكر فيه، التفاوض مع السلطات لكي يضعوا رهن إشارته طائرة أقلته مباشرة إلى الجزائر، وهو ما وضع الجزائريين في ورطة أمام المجتمع الدولي.

اتضح لاحقا أن «كارلوس» منفذ العملية، كان يحظى بتمويل من هواري بومدين، لكي يستعمله في حرب سرية لتسليح معارضين مغاربة وتهريبهم إلى داخل التراب المغربي، وهي المهمة التي تفرغ لها كارلوس مرتين، لم تنجح أي منهما. الأولى في بداية السبعينيات، وتأجلت بسبب سفر «كارلوس» إلى الحدود الفلسطينية في إطار تعاونه مع حركة التحرير، والثانية سنة 1978، والتي توقفت بسبب وفاة هواري بومدين، العقل المدبر، وممول العملية.

تورط الرئيس الجزائري في هذين الملفين، بالإضافة إلى علاقته بالاتحاد السوفياتي، كلها جعلت حظوظه أمام المجتمع الدولي معدومة، في حين أن المغرب كسب وقتها عددا من النقاط، واتضحت النوايا بخصوص طي ملف الصحراء..

فقد كان بومدين يوفر، بدعم كبير من القذافي، تمويلا كبيرا بالعتاد والمال لانفصاليي البوليساريو، وهو ما أطال عمر الخلاف حول تسوية نهائية.

ورغم التفاؤل الكبير الذي عم في الأوساط الدولية، بوصول صديق للمغرب إلى السلطة في الجزائر، وهو الرئيس بوضياف، فقد تبدد كل شيء عندما اتضح أن تيار بومدين لا يزال مسيطرا على الجيش والحياة السياسية، وانتهى كل شيء باغتيال بوضياف.

كيف تطور إذن ملف الصحراء، من حركة مقاومة مغربية خالصة ناضلت لتحرير الصحراء من قبضة الإسبان، إلى حركة انفصالية ممولة لخلق «دويلة» في قلب الصحراء المغربية؟

 

 

 

 

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

واشنطن علمت بكواليس انقلاب بومدين.. وصنفوه «مشبوها»

بدأ الأمريكيون يهتمون بما يقع في الجزائر، منذ سنة 1963.. أرشيف الخارجية الأمريكية، يوثق منذ هذا التاريخ، لمتابعة قسم شمال إفريقيا لما كان يحدث في الجزائر.

في واحدة من مراسلات الخارجية الأمريكية، مؤرخة في أكتوبر 1966، والتي تحمل ترقيم 197-01، تؤكد مصالح الخارجية أن هواري بومدين رجل «لا يجب أبدا إغفال طموحه للتعاقد مع الشرق».

جاء هذا في سياق مذكرة تفصيلية رصدت ما نشرته الصحافة الجزائرية وما نقلته من تصريحات على لسان هواري بومدين، الرئيس الجديد للبلاد، الذي وصل إلى السلطة يوم 19 يونيو 1965، بعد انقلاب على الرئيس أحمد بن بلا، والحكم عليه بالسجن.

تصريحات الرئيس الجديد وصفتها الخارجية بالمنحازة إلى المعسكر الشرقي.

جاء في المذكرة ما مفاده أن بومدين لم يعد يربط اتصالات مع الاتحاد السوفياتي في الخفاء، وأنه انتقل إلى مرحلة «التعاون المُعلن»، مع موسكو والقاهرة.

المذكرة لم تستبعد أن يكون بومدين قد وصل إلى السلطة، بدعم مباشر من جمال عبد الناصر، رغم الصداقة بين الأخير والرئيس أحمد بن بلة.

ومن بين ما نصت عليه المذكرة، أن خبراء الخارجية الأمريكية رصدوا اتصالات موسعة بين هواري بومدين ومسؤولين من الاتحاد السوفياتي. وأهم ما ركزوا عليه، صفقة لتسليح الجيش الجزائري منتصف سنة 1966.

يقول الأمريكيون إن السوفيات يرون في الجزائر «تعويضا» عن الفرصة الضائعة مع المغرب. في إشارة إلى وقف الاتفاق بين المغرب والاتحاد السوفياتي سنة 1960، وتجميد برنامج عسكري كان يجمع بين الرباط وموسكو، حصل المغرب بموجبه على أحدث طراز من الطائرات السوفياتية المقاتلة. ليتوقف البرنامج في الأخير، ويوقع الملك الراحل محمد الخامس اتفاقا مع الولايات المتحدة الأمريكية لتسليح قوات الجيش الملكي.

جاء في المذكرة أيضا أن واشنطن باتت تعلم كل ما يلزم بخصوص لائحة الأسلحة التي حصلت عليها الجزائر من السوفيات، واستبعد خبراؤها أن يكون الجزائريون قد حصلوا على أسلحة متطورة، من شأنها أن تجعل حظوظهم أقوى في المستقبل. ونبهوا إلى أن وجود بومدين في هرم السلطة، سوف يزيد الأمور السياسية تعقيدا، خصوصا في علاقته مع المغرب.

العداوة التي يكنها بومدين للمغرب، لم تكن سرا سياسيا ولا دبلوماسيا. فقد كانت تصريحاته المعادية للمغرب، تتخذ منحى أكثر «عنفا»، منذ انقلابه على رفيقه أحمد بن بلة.

ومن أقوى ما جاء في المذكرة، فقرة من سطرين يُفهم منها أن واشنطن كانت تعلم بشأن انقلاب بومدين منذ البداية: «بومدين لم يخلق المفاجأة. التقارير السابقة كلها كانت تتجه في منحى تصنيفه زعيما طموحا، يتجاوز طموحه حدود منصبه السابق. لديه دعم كبير من موسكو، ولا شك أنه سيحاول تعزيز صفوف سلطته في المستقبل القريب».

لقد كان الأمريكيون إذن يعرفون بشأن ما خطط له بومدين ما بين سنتي 1963 و1965، وكيف انتقل من عضو بارز في الثورة الجزائرية حصل بسهولة على حقيبة وزارة الخارجية، ليصبح رئيسا للبلاد، رغم أنه كان الأكثر «مزاجية» من بين كل أصدقائه.

مزاجية الرئيس الانقلابي، جعلته مفاوضا سياسيا فاشلا، رغم استعانته بموظفه المُدلل عبد العزيز بوتفليقة، وتعيينه وزيرا للخارجية، أشهرا قبل الانقلاب على بن بلة.. إلا أن بوتفليقة كان وفيا لمُعلمه، ولم يدخر جهدا في تعقيد الأمور بين البلدين، وقطع كل طريق للوصول إلى اتفاق بشأن الحدود الشرقية، خصوصا في الفترة ما بين 1965 و1970.

 

 

بوتفليقة.. وزير خارجية برتبة «حاجب» في المفاوضات

لا حاجة طبعا إلى التذكير بمسار عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر في الفترة ما بين 1963 و1979. فقد مر من كونه مجرد شاب طموح في مدينة وجدة المغربية، إلى عضو حركي بارز في صفوف شباب قيادة الثورة، وأحد المقربين لهواري بومدين. وبعد استقلال الجزائر، أصبح وزيرا للشباب، وانتقل إلى وزارة الخارجية مباشرة مع وصول بومدين إلى السلطة!

في منصبه وزيرا للخارجية، أشرف بوتفليقة، على المفاوضات والمحادثات مع المغرب، وكان شاهدا على عدد من الاتفاقيات التي تنكر لها بومدين بكل سهولة.

تشير الوثائق السرية التي تسربت في «ويكيليكس» سنة 2012، وتأكدت صحتها ونسبتها إلى مراسلات الخارجية الأمريكية في الرباط والجزائر العاصمة، إلى أن وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى وزارة الخارجية الجزائرية خلف أصداء متباينة في قيادة الثورة الجزائرية السابقة، حيث اعتبر الكثيرون القرار مجرد تنفيذ لرغبة هواري بومدين. في حين اعتبر البعض أن الشاب المغربي، سوف يعلن ولاءه للمغرب سريعا. لكن هؤلاء جميعا خاب أملهم عندما ظهر بالواضح أن عبد العزيز بوتفليقة لم ينحز للمغرب نهائيا، بل اتبع تعليمات وزير الدفاع، هواري بومدين، الذي بقي المسؤول الأول والأبرز عن التحرش بالمغرب في الحدود الشرقية لتندلع حرب الرمال سنة 1963، وكان وقتها عبد العزيز بوتفليقة وزيرا للخارجية الجزائرية ولم يتردد في توسيع الشرخ مع المغرب بإصدار بلاغات نارية أغضبت الرباط كثيرا، وصدمت معارف عبد العزيز بوتفليقة الذين لم يكونوا يعلمون وقتها أنه كان منذ البداية يشتغل لصالح هواري بومدين.

تشير وثائق «ويكيليكس» أيضا، إلى أن هواري بومدين كان وراء عزل عدد من الشخصيات السياسية الجزائرية، وضغط عليها لكي تتنحى، لأنها لم تكن توافق على أطماعه التوسعية في المنطقة وآرائه بخصوص الصحراء المغربية، سيما بعد حصول موريتانيا على الاستقلال، وإعلانها دولة مستقلة منذ نهاية الخمسينيات. وعبد العزيز بوتفليقة عندما أصبح وزيرا للخارجية كان المسؤول الأول عن الملف.

في واشنطن، وحتى في موسكو، كان مؤكدا أن عبد العزيز بوتفليقة عندما انتقل من وزارة الشباب والرياضة التي قضى فيها أشهرا قليلة فقط إلى وزارة الخاريجة، لم ينتقل إلى وزارة سيادية وحساسة باقتراح من الرئيس أحمد بن بلة، وإنما بأمر من هواري بومدين، وزير الدفاع. وبعد 1965، عندما أصبح بومدين رئيسا للبلاد، تأكد هذا الأمر، إذ إن بوتفليقة بقي في وزارة الخارجية، وبالصلاحيات نفسها.

في سنة 1964، تعرض بوتفليقة لهجوم حاد من قيادة الثورة التي كانت تعارض توجه بومدين، قبل أن يصفي أغلبهم. وأمر بومدين وزير خارجيته أن ينتقل إلى سويسرا.. وقتها سرت إشاعات التقطتها الخارجية الأمريكية، مفادها أن بومدين يستعد لتعيين وزير الخارجية سفيرا في سويسرا.. لكن الأمر لم يكن صحيحا. فقد كان بوتفليقة في مهمة سرية تتمثل في استقطاب المعارضين المغاربة، وترتيب لقاءات معهم بعيدا عن باريس حتى لا تنتبه إليهم المخابرات الفرنسية.

وقد تأكد فعلا أن بوتفليقة التقى فعلا المعارضين المغاربة من قدماء المقاومة وتيار الاتحاد الوطني، الذين غادروا المغرب عقب أحداث يوليوز 1963.

كان بوتفليقة عراب ومهندس استقطاب المعارضة المغربية، لكي يقيموا في الجزائر، وسهل لهم عملية الحصول على السلاح ومعسكر التدريب لإطلاق ثورة مسلحة.

حتى أن بوتفليقة، في الفترة نفسها، كان يشرف على راحة المعارض المهدي بن بركة، عندما كان يقيم في الجزائر، قبل انتقاله إلى باريس.

وفي سنة 1966، دون أن يتخلى عن دوره في تدبير ملف تسليح المعارضة المغربية، قاد بوتفليقة وفد الجزائر إلى طنجة، لعقد مفاوضات بشأن الحدود الشرقية بين البلدين!

وظل بوتفليقة متمسكا بدوره، خصوصا سنة 1973، حيث اجتمع مع قيادات المعارضة المغربية واقترح تمويلا سخيا من هواري بومدين شخصيا، لإطلاق ثورة مسلحة في المغرب، ووضع بصفته وزيرا للخارجية، جوازات سفر جزائرية رهن إشارة عشرات المعارضين المغاربة من تيار محمد الفقيه البصري.

لقد كان بوتفليقة يلتقي وزير الخارجية المغربي وقتها، محمد الشرقاوي، ومستشاري الملك الراحل الحسن الثاني، ويقدم وعودا بدراسة النقاط الحارقة، بينما كان دوره الحقيقي تمويل العمليات لقلب النظام.

 

عندما اشتكى بومدين إلى موسكو من الملك الحسن الثاني

من بين الملفات التي تابعها الأمريكيون باهتمام، موضوع المراسلات السرية بين هواري بومدين والخارجية السوفياتية. فقد علم الأمريكيون أن بومدين منح السوفيات موقعا فخما، لكي يؤسسوا سفارتهم في قلب الجزائر العاصمة. وكان الأمريكيون يتوفرون على معطيات مهمة بشأن تقديم الرئيس الجزائري لمساحات شاسعة من التراب الجزائري، لكي يقيم فوقها السوفيات قواعد سرية، ومنصات لاختبار السلاح في قلب الصحراء الجنوبية.

وفي خضم متابعة الأمريكيين لمراسلات بومدين ما بين 1963 و1979، انتبهوا إلى أن الرئيس اشتكى لموسكو مما أسماه تدخل الملك الراحل الحسن الثاني في الشأن الجزائري. ماذا وقع؟

ما وقع أن الملك الراحل الحسن الثاني، قاد مساع عربية-عربية لإطلاق سراح الرئيس أحمد بن بلة، وضمان توفير إقامة مريحة له خارج الجزائر.

وحسب وثائق الخارجية الأمريكية، فإن الملك الراحل الحسن الثاني حاول بعد اتصال مع جمال عبد الناصر أن يعرضا على هواري بومدين حلا وسطا، وهو السماح لأحمد بن بلة بمغادرة الجزائر والخروج من السجن، لأنه مكان لا يليق برجل وطني مثله، إلا أن هواري بومدين كان يحتاج إلى الوقت فقط لكي يثبت للعالم، وللجيران والأصدقاء خصوصا، أنه رجل صلب لا يمانع في إرسال رفيقه إلى السجن في سبيل الوصول إلى الحكم.

كانت هناك مسألة أخرى تتعلق بالقبول الدولي لانقلاب هواري بومدين، وهنا برز دور عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية.

كان عليه أن يستقبل سفراء الدول الأجنبية في العاصمة الجزائر، وأن يرسل الردود التي تلقاها من مراسلي الوكالات والقنوات العالمية من خلال مكاتبها في الجزائر، وتعين عليه برمجة رحلة إلى باريس وأخرى إلى موسكو، للبحث عن شرعية للانقلاب الذي قام به هواري بومدين.

كانت هناك مشكلة كبيرة أمامه. رغم السند الكبير الذي تلقاه من هواري بومدين، إلا أن بعض الوجوه السياسية من أصدقاء أحمد بن بلة، حاولت تضييق الخناق على عبد العزيز بوتفليقة، معتبرة أنه وجه من وجوه الأزمة، وأن رحيله من الوزارة ضروري للبحث عن حل منصف لكل الأطراف.

استمرت الأزمة إلى حدود 1979، إذ وجد بوتفليقة نفسه مجبرا على مغادرة الجزائر، بعد وفاة الرئيس بومدين متأثرا بالمرض.. واتضح أن الرجلين معا كانا مسؤولين عن فشل سلسلة من المفاوضات مع المغرب بخصوص الحدود الشرقية، وأنهما هندسا أيضا لأزمة الصحراء المغربية.

 

بودرقة.. آخر الشهود على «مؤامرة» البوليساريو من مقاومة إسبانيا إلى «الانفصال»

يبقى امبارك بودرقة، أو «عباس» اسمه الحركي، أحد أهم الشهود الأحياء الذين عاشوا كواليس ما قبل اشتعال ملف الصحراء المغربية. كما أنه عاش شخصيا كواليس تدخل الجزائر في قضية الصحراء المغربية، وكيف هندس هواري بومدين لخلق فتنة في الصحراء، وتحويل خلية المقاومة للاستعمار الإسباني إلى جماعة انفصالية تسعى إلى الاستقلال عن المغرب.

عندما أصدر بودرقة، قبل خمس سنوات، كتابه «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة»، رفع السرية عن أوراق من أرشيفه الشخصي، بينها رسائل بخط يد قياديي المقاومة في الصحراء، وكيف أنهم كانوا في البداية يعتبرون أنفسهم مقاومين مغاربة يحاربون الاحتلال الإسباني للصحراء، ولم يكن لديهم أي اتصال نهائيا مع الجزائر، قبل أن يتدخل بومدين ويقلب الطاولة.

بودرقة شاهد على فترة إقامة المعارضين المغاربة في التراب الجزائري بعد أحداث يوليوز 1963، وأشار في مذكراته إلى اللقاءات بينه وبين المقاومين في الصحراء، خصوصا الوالي السيد، أبرز الأسماء المؤسسة لخلية الصحراء التي تحولت لاحقا إلى «البوليساريو»، مؤكدا أن الاتصال بينهم وبين القيادة الجزائرية لم يأت إلا متأخرا، في إطار الإعداد لمؤامرة استهداف الوحدة الترابية للمغرب.

وهذه أهم المقاطع التي أشار فيها بودرقة إلى ما عاشه من ذكريات، في قلب ملف الصحراء الحارق، والتي سبق أن خص «الأخبار» بسبق قراءة شاملة لها:

«عندما تحملتُ مسؤولية التنظيم في الجزائر التقيت الوالي مصطفى السيد مع شاب آخر كان يرافقه، دار بيننا حديث عميق ومُنتج. أبان فيه عن حس وطني وحدوي عال. وعن طموحه للتنسيق والتعاون معنا. وسلمني في هذا الشأن تقريرا مفصلا عن الأوضاع في الصحراء.

تولينا أمور سفرهم وإقامتهم. لم يكونوا على اتصال بعدُ بالمسؤولين الجزائريين، بل كل التواصل والتنسيق كان معنا خلال هذه الفترة.

سأل عن إمكانية توفير السلاح، فطمئناه أن الإمكانية متاحة. يجب أن يجري التمهيد لها بجولة استطلاعية في تندوف..

في هذه الفترة كان الجزائريون يتعاملون مع إدوارد موحا، زعيم تنظيم الرجال الزرق، الذي لعب دور العميل المزدوج بين الجزائر والمغرب. راهن عليه النظام الجزائري في البداية ولم يعر اهتماما للوالي مصطفى السيد، إلا بعد طرح قضية الصحراء، ورفض الفقيه البصري مسايرة هواري بومدين في مشروعه.

بعد أن ركبت الجبهة موجة الانفصال، عقدنا لقاء مطولا مع وفد من الصحراويين برئاسة أحد قادتهم يدعى حبيب الله، في فندق بشواطئ طرابلس، حذرناهم فيه من تلاعب السلطات الجزائرية ومناوراتها، وعرضنا عليهم تجربتنا معها طيلة عقد من الزمن.

نصحناهم بالانحياز لوطنهم والنضال من داخله، عوض تحكم المسؤولين الجزائريين فيهم وتوظيفهم لخدمة أغراضهم».

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى