
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يومها الثلاثين، لم يعد التصعيد محصورًا في الميدان العسكري، بل انتقل بوضوح إلى الشارع الغربي والأمريكي، حيث خرجت موجات احتجاج واسعة تندد باستمرار الحرب وتداعياتها المتسارعة. ففي وقت تتصاعد فيه الضربات العسكرية وتتسع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، يتزايد الغضب الشعبي داخل الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية، رافضًا سياسات التصعيد ومطالبًا بوقف الحرب. ويعكس هذا الحراك اتساع الفجوة بين القرارات السياسية والنبض الشعبي، في مشهد يضع صناع القرار تحت ضغط داخلي غير مسبوق، بالتوازي مع تعقّد المشهد العسكري وتعدد أطرافه.
إعداد: سهيلة التاور
في اليوم الـ30 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، شنت طهران هجوما صاروخيا على جنوب إسرائيل، وسط دوي صفارات الإنذار في ديمونة وإعلان الجيش الإسرائيلي سقوط صواريخ في مناطق مفتوحة.
ويأتي هذا التصعيد الميداني في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة وتتعقد أبعادها العسكرية والسياسية.
وفي إيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه بعد استهداف الجامعات الإيرانية ستكون الجامعات الإسرائيلية والأمريكية “هدفا مشروعا”، وذلك بعد استهداف جامعتين في طهران.
وفي سياق موازٍ، يعكس اتساع بنك الأهداف، لم يعد التصعيد مقتصراً على المنشآت العسكرية فقط، بل امتد إلى رمزية المؤسسات الأكاديمية.
وفي الجانب العسكري الأمريكي، كشفت صحيفة واشنطن بوست نقلا عن مسؤولين أمريكيين أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تستعد لأسابيع من العمليات البرية في إيران، لكنها لن تصل إلى حد الغزو الكامل.
هذا التوجه يعكس محاولة أمريكية لتحقيق توازن دقيق بين الضغط العسكري وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
وسياسيا، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وصلت إلى “لحظاتها الأكثر حساسية”، مشيرا إلى أن بلاده مستعدة للرد ولن تخضع للضغط الأمريكي أو الإسرائيلي.
وتؤكد هذه التصريحات أن طهران تتبنى خطاباً تصعيدياً يواكب التطورات الميدانية المتسارعة.
ومع دخول جماعة أنصار الله إلى الحرب، أكد الناطق العسكري باسم الحوثيين أن عمليات الجماعة ستستمر خلال الأيام المقبلة حتى يتوقف العدوان الإسرائيلي الأمريكي.
وبذلك، تتحول المواجهة تدريجياً من صراع ثنائي إلى نزاع إقليمي متعدد الأطراف.
ومنذ 28 فبراير الماضي، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، خلّفت ما لا يقل عن 1500 قتيل، أبرزهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل.
وفي ظل هذا التصعيد المتبادل، تتزايد الخسائر البشرية وتتعمق دائرة العنف.
كما تشن إيران هجمات على ما تقول إنها “قواعد ومصالح أمريكية” بدول عربية، لكن بعضها أسقط قتلى وجرحى وأضر بمنشآت مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة، مطالبة بوقف الهجمات عليها.
وهذا ما يفتح الباب أمام توترات إضافية في دول لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع.
“أوقفوا الحرب في إيران”
على وقع التطورات العسكرية، بدأ الشارع الدولي يتحرك بقوة. حيث خرج الملايين في تظاهرات تحت شعار ” لا للملوك” في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، احتجاجا على سياسات الرئيس دونالد ترمب والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وأعرب المحتجون الذين احتشدوا في المدن الكبرى لا سيما العاصمة واشنطن ولوس أنجلوس ونيويورك وشيكاغو، عن رفضهم الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل على طهران.
وتعكس هذه الحشود اتساع الفجوة بين القرار السياسي والرأي العام.
ووفق موقع “NoKings” الإلكتروني، سجّل أكثر من 9 ملايين شخص للمشاركة في الاحتجاجات التي أُقيمت في أكثر من 3100 موقع في جميع الولايات الـ50.
وكانت ولاية مينيسوتا مركز احتجاجات هذا العام، بعدما قُتل أمريكيان على يد عناصر من إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال المظاهرات. في حين نظم المتظاهرون في العاصمة واشنطن، احتجاجا بعنوان “مسيرة إلى العاصمة” بدأ من جسر ميموريال إلى نصب واشنطن التذكاري، وأعرب آلاف المتظاهرين، عبر لافتاتهم وهتافاتهم، عن رفضهم لهجمات إدارة ترامب على إيران بالتعاون مع إسرائيل.
أما في نيويورك، فقد حمل المحتجون لافتات كُتب عليها ” لا للملوك” و”أوقفوا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية في إيران” و”يجب أن يرحل ترامب” و”لا للحصار على كوبا”.
وانطلق المتظاهرون في مسيرة عبر الجادة السابعة باتجاه ميدان “تايمز” وسط إجراءات أمنية مشددة في محيط المسيرة.
ولم يتأخر الرد الرسمي على هذه التحركات الشعبية، حيث وصف البيت الأبيض الاحتجاجات التي شهدتها البلاد بأنها “نتاج شبكات تمويل يسارية.. لا تتمتع بدعم شعبي حقيقي”، وفق بيان المتحدثة باسم البيت الأبيض.
وللمرة الثالثة في أقل من عام، دُعي الأمريكيون للنزول إلى الشوارع في إطار حركة ” لا للملوك”، تعدّ أبرز الحركات المناهضة لترامب منذ بدأ ولايته الثانية مطلع 2025.
ومن الجدير بالذكر أن احتجاجات ” لا للملوك” بدأت أول مرة في 15 يونيو 2025، الذي صادف عيد ميلاد ترامب الـ79، للتعبير عن رفضهم لسياساته.
كما أُقيمت النسخة الثانية من الاحتجاجات في 18 أكتوبر الماضي، حيث رأى المحتجون حينها أن ترامب يقود البلاد نحو اتجاه “عسكري واستبدادي” أكثر.
احتجاجات في أوروبا
لم تقتصر موجة الغضب على الداخل الأمريكي، بل امتدت بسرعة إلى الساحة الأوروبية.
فقد شهدت العديد من العواصم الأوروبية، السبت الماضي، احتجاجات ضد السياسات الخارجية للولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب وحربها على إيران، والدعم العسكري والسياسي المطلق لإسرائيل.
وندد المتظاهرون بالهجمات الأمريكية على إيران، والهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة ولبنان وإيران، ورددوا شعارات مثل “الحرية لفلسطين” و”أوقفوا الهجمات الصهيونية”.
وفي العاصمة ستوكهولم، احتشد المتظاهرون في ميدان “أودنبلان” متجهين نحو البرلمان السويدي، وحملوا مجسمات لأطفال رضع ملفوفين بالأكفان لتمثيل الأطفال الذين قتلوا في غزة ولبنان.
وأدان المتظاهرون صمت الحكومة السويدية ودعم الولايات المتحدة للهجمات الإسرائيلية، مطالبين بوقف فوري للحرب.
وفي مدينة لاهاي الهولندية، تركزت الاحتجاجات على الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ورفع المتظاهرون لافتات تصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”المجرمين”.
ودعا المتظاهرون الحكومة الهولندية إلى قطع علاقتها بإسرائيل والوقوف ضد انتهاك السيادة الإيرانية والقانون الدولي، معتبرين أن هذه الهجمات تزيد من خطر اشتعال المنطقة بالكامل.
وفي العاصمة البريطانية لندن، شارك مئات الآلاف من الأشخاص في مسيرة لدعم لفلسطين وضد الهجمات على إيران، وأخرى مناهضة لليمين المتطرف.
وتجمع المتظاهرون بالقرب من حديقة “هايد بارك” في إطار”حملة التضامن مع فلسطين”.
ورفع المتظاهرون أعلام فلسطين وإيران ولبنان، إلى جانب لافتات كُتب عليها “أوقفوا قصف إيران”، و”فلسطين حرة”، و”غزة ليست وحدها”، و”أصدقاء إبستين ومرتكبو جرائم الحرب”.
وبعد مشاركتهم في مسيرة دعم فلسطين، انضم المتظاهرون إلى مسيرة مناهضة لليمين المتطرف نظمتها تحالفات تضم عددا كبيرا من منظمات المجتمع المدني تحت اسم “توغاثر ألسيانس” (Together Alliance).
وشارك في المسيرة عدد كبير من السياسيين والنشطاء، من بينهم المغنية البريطانية بالوما فيث، وزعيم حزب الخضر زاك بولانسكي، وعمدة مانشستر آندي بورنهام، وعضوا البرلمان البريطاني داون باتلر وديان أبوت.
كما شارك أعضاء فرقة الموسيقى البريطانية “يو بي 40″، المعروفة بحملاتها المناهضة للفاشية في ثمانينيات القرن الماضي، دعمًا للمظاهرة.
وفي إيطاليا، شهدت العاصمة روما وجزيرة صقلية مسيرات ضخمة تحت شعار “لا للملوك، لا لحروبهم”، استجابة لدعوات التظاهر في الولايات المتحدة تحت شعار ” لا للملوك” ضد ترامب.
وقام المتظاهرون في روما بحرق الأعلام الأمريكية والإسرائيلية باستخدام المفرقعات، ونددوا بالقواعد العسكرية الأمريكية في صقلية.
وطالب المحتجون برحيل حكومة رئيسة الوزراء جورجا ميلوني، وخروج إيطاليا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدين رفضهم لـ”إمبريالية ترمب” التي تدفع العالم نحو حرب عالمية ثالثة.
وفي العاصمة الإسبانية مدريد، خرج مواطنون أمريكيون مقيمون في مظاهرة ضد سياسات رئيسهم دونالد ترامب.
ودعت للمظاهرة منظمة “ديموكراتس أبرود” (Democrats Abroad) مركزها الولايات المتحدة) تحت شعار “لا للغطرسة”، حيث طالبوا بحماية الديمقراطية من أفعال ترمب “غير القانونية” في الداخل والخارج.
ولم تقتصر المظاهرات على مدريد، بل شملت برشلونة وفالنسيا وإشبيلية، ودعوا أيضا لوقف “الإبادة الجماعية” في غزة.
وفي العاصمة اليونانية أثينا، سار المتظاهرون نحو السفارة الأمريكية، مطالبين بإعادة كافة القوات والأسلحة اليونانية في الخارج إلى البلاد وعدم السماح للولايات المتحدة والناتو باستخدام القواعد على الأراضي اليونانية في الهجمات ضد إيران.
وشهدت ساحة “بوتسدامر بلاتس” في العاصمة الألمانية برلين مظاهرة حاشدة بالتزامن مع الذكرى الـ50 لـ”يوم الأرض الفلسطيني” (30 مارس)، نددت بالدعم الأمريكي للهجمات على لبنان وإيران وفلسطين، ووضع المتظاهرون أحذية وملابس أطفال رمزية لتخليد ذكرى الضحايا.
كما شهدت العاصمة النمساوية فيينا احتجاجات على الهجمات الأمريكية ضد إيران، وكذلك الهجمات التي تشنها إسرائيل على غزة ولبنان وإيران.
ورفع المتظاهرون أعلام فلسطين وإيران ولبنان، مرددين شعارات مثل “الحرية لفلسطين” و”أوقفوا الهجمات الصهيونية”. كما حملوا لافتة كُتب عليها “لا للإمبريالية ولا للصهيونية”، وتوجهوا في مسيرة إلى أمام سفارتي بريطانيا وألمانيا في فيينا.
+++
مؤطر
احتجاجات في إسرائيل
فرقت الشرطة الإسرائيلية مئات المتظاهرين خلال احتجاجات في تل أبيب ومدن أخرى ضد الحرب المستمرة.
وذكرت وسائل إعلام عبرية أن المئات تظاهروا في 20 موقعا، أبرزها تل أبيب وحيفا والقدس، قبل أن تتدخل الشرطة لتفريقهم.
وأقيمت المظاهرة المركزية في ساحة “هبيما” وسط تل أبيب، بدعوة من ائتلاف يضم منظمات مجتمع مدني، ورفع المشاركون صور أطفال قُتلوا منذ اندلاع الحرب في إيران ولبنان وإسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية.
وردد المحتجون شعارات من بينها: “لا للحرب الأبدية، نعم لسلام عادل وآمن لشعوب المنطقة”.
وقالت الشرطة الإسرائيلية إنها اعتقلت 13 متظاهراً في تل أبيب بزعم الإخلال بالنظام العام، فيما اعتقلت 5 آخرين خلال احتجاج في مدينة حيفا، وسط مواجهات بين الطرفين.





