حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

الحزب الصامت

مع كل موعد انتخابي يعود جدل «الحزب الصامت» والفئة الواسعة التي تختار مقاطعة التصويت ولا تنخرط في أي عمل سياسي، وهو ما يطرح أسئلة جدية على الأحزاب السياسية التي فشلت في التأطير واستقطاب الشباب، وانغلقت على ذاتها، نتيجة الفساد الداخلي وتوريث المناصب الحزبية، والتلاعب والكولسة في انتخاب القيادات والهيئات الموازية، وتحويل المؤتمرات والمجالس الوطنية إلى مجرد مسرحيات بنتائج معروفة مسبقا، لا تغري بالمشاركة ولا تشجع على المنافسة.

وكما هو معلوم، فإن نسبة المشاركة السياسية في أي بلد تشكل مؤشرا أساسيا للتعبير عن إرادة الناخبين وما يختارونه من أحزاب سياسية لتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية التي تنتج القوانين، والحكومة التي تشرف على تنفيذ السياسات العمومية. ومن خلال صناديق الاقتراع، تتم معاقبة المنتخبين الفاشلين بالتصويت العقابي، ومنح العبرة لغيرهم قصد الاجتهاد والوفاء بالوعود الانتخابية.

ولم تأتِ مقاطعة الانتخابات وتشكّل الكتلة الصامتة من فراغ، بل هي نتاج مباشر للفساد الحزبي والتخبط الناتج عن غياب الديمقراطية الداخلية، وتهميش الكفاءات والطاقات الشابة، ووضع العراقيل أمامها، ومحاربتها بالكولسة، ودفعها إلى مغادرة الحزب، أو التحريض عليها وتوجيه الاتهامات إليها بعدم الالتزام باختيارات القيادة الحزبية، ثم طردها بمبرر غياب الانضباط.

وعندما توجه القيادات الحزبية سهام انتقادها إلى الفساد ونفور الشباب من المشاركة السياسية، فإنها تقفز على معطى مهم، وهو أنها تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تدني نسبة التصويت، لأنها تتخبط في مشاكل وفوضى غير مسبوقة، وتفتقد إلى قيادات جديدة قادرة على تحقيق الأفضل وتطوير العمل الحزبي، وتعديل القوانين الداخلية بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لا بما يضمن استمرار الأشخاص أنفسهم في مواقع المسؤولية إلى ما لا نهاية.

إن مواجهة «الحزب الصامت» لا تنتظر يوم الاقتراع، ولا تنتهي بإطلاق نداءات المشاركة بوسائل تقليدية غير مغرية، وإنما تبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر إعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإنهاء منطق الولاءات والكولسة وتوريث المواقع. فالناخب الذي يعزف عن التصويت لا ينبغي أن يُنظر إليه دائما باعتباره غير مهتم بالشأن العام، فقد يكون في كثير من الأحيان ناخبا فقد ثقته في العرض السياسي لجل الأحزاب وفي قدرتها على التغيير. وإذا كانت الأحزاب تريد استعادة هذه الثقة، فعليها أولا أن تقنع المواطن بأن صوته سيصنع فرقا، وأن المنافسة على التدبير الحزبي والتزكيات ليست مسرحية محسومة النتائج، وأن المؤسسات الحزبية ليست ملكا لأشخاص، بل فضاء مفتوحا لكل من يريد خدمة الوطن. وختاما فإن «الحزب الصامت» ليس مجرد كتلة انتخابية تمتنع عن التصويت بدون أسباب واقعية، بل رسالة احتجاج صامتة ينبغي للأحزاب أن تستوعبها جيدا، قبل أن تتحول إلى قطيعة سياسية دائمة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى