
بقلم: خالص جلبي
في 18 فبراير 2021 كانت المركبة (بيرسيفرانس) تهبط على سطح المريخ وليست المرة الأولى، وحينما أعلن خبر حجر المريخ في القرن الفائت، كان الخبر ورسو مركبة فضائية على سطحه متزامنا مع خبر من العالم الإسلامي وهو يحتفل بجرعة من الدم في نزاعات طائفية، هذه المرة وأنا في كندا أتابع الأخبار (قبل دفن حقبة البراميلي) كانت سوريا تغرق في مجاعة تذكر بأيام (سفر برلك) وما أدراك ما هي؟ في شهادة واضحة جدا عن نوعين من البشر يعيشون على سطح الأرض؛ صنف يحدق إلى المستقبل، وصنف مشدود بأغلال التاريخ فهو ينظر إلى الخلف. صنف تخلص من عقد الآباء ومشاكلهم ونزاعاتهم، وصنف ثان يعيش بيولوجيا العصر الحالي، ولكنه فكريا خارجا عنه يعيش التاريخ بأرقام هجرية وواقع ميلادي، على شكل كاريكاتور. صنف يحرك عربات على بعد 75 مليون كلم على ظهر كوكب يبعد عن الشمس 141 مليون ميل ودرجة حرارة 63 تحت الصفر في ثلاجة كونية، وصنف ما زال مشدودا مشدوها وجهه إلى الخلف مستدبرا حركة التاريخ التقدمية، يرى أفضل طريقة لحل النزاعات تصفية الآخر والتخلص منه والتعجيل بروحه إلى بارئها قبل الموعد.
حرية الفكر رحم ولادة العلم وحفيدها هو التكنولوجيا
هنا نسجل ملاحظتين في أول اكتشاف (حجر رشيد من نوع جديد) ليس لغة مندثرة وحضارة بائدة على ظهر الأرض، بل بقايا متحجرة لآثار حياة قامت في كوكب المريخ، أهدتها إلينا الظروف الجيولوجية القديمة بمحض الصدفة، شاهدا على هذه الحياة.
الملاحظة الأولى:
حين أعلن الرئيس الأمريكي يومها عن الكشف المذهل (غشت 1996) لم يأت من فراغ، بل هو نتاج مناخ عقلي حر يبحث في كل شيء ولا يعرف الحدود، فطبيعة العلم اختراقية، وهذا يعني بكلمة أخرى أن الإنجاز التكنولوجي يخرج من رحم قاعدة علمية متينة، وهي بدورها مؤسسة على مناخ عقلاني حر، فالمركبة باث فايندر PATHFINDER وعربتها سوجرنير SOJOURNER ذات العجلات الست، التي أخذت شهرتها من حركتها، ولنتذكر مركبة فايكنج التي رست على سطح المريخ في 20 يوليوز 1976م كانت بدون سيقان وحركة، ويومها تحسر (كارل ساغان) على هذا الشلل! وبالتالي لا يمكن بناء أحكام نهائية على عدم وجود حياة فيها، طالما لم تعس يومها وبشكل كاف على سطح الكوكب. هذه المركبة وعربتها لم تولد اليوم، بل ولدت قبل أربعة قرون؛ عندما التهمت النيران جثة المفكر الإيطالي (جيوردانو برونو GIORDANO BRONO) وحسمت أوروبا قضية العلم باعتبارها الأداة التي يمكن أن تتقدم به، وهذا الزواج بين العلم والعقل دشن كل الفتوحات اللاحقة.
الملاحظة الثانية:
لا يمكن فهم إرسال مركبة فضائية بكلفة مليار دولار إلى بعد 48 مليون ميل تسبح عبر الملكوت في رحلة سبعة أشهر إلى كوكب صحراوي صقيعي تئز فيه عواصف عاتية من الرمال، بدون معرفة خلفية قصة حجر رشيد الجديد (حجر المريخ)، الذي تمت دراسته في ما يشبه القصص البوليسية لمدة 13 سنة، بعد أن اكتشف في القطب الجنوبي عام 1984 م وأعلن الرئيس الأمريكي كلينتون يومها في مؤتمر صحفي في 7 غشت 1996 م عن العثور على آثار حياة عليه، فرحلة المريخ فيها أمران بغاية الأهمية: اكتشاف الحياة فيه، وإمكانية العيش عليه، بما فيه تغيير مناخه في جراحة كونية، فيما يشبه رحلة كولومبوس جديدة إلى الأرض الجديدة، هذه المرة ليس كسب قارة فقط أو جزء منها، بل كوكب كامل مساحته بقدر يابسة الأرض جميعا، وحجمه بقدر ثمن 1/8 من حجم الكرة الأرضية، أقرب الكواكب بالأرض شبها وتاريخا.
مداخل المطلق واللانهايات الثلاث
يورد المفكر الجزائري (مالك بن نبي) في ملاحظة عن اجتماعه بالعمال الجزائريين، الذين التقى بهم في فرنسا، أن التفكير متصل بحركة الفك السفلي، فبقدر إحكام التفكير والتأمل والروية ينشد الفك السفلي للأعلى، وبقدر استحكام مظاهر البلاهة والقصور العقلي يتدلى الفك السفلي ويخر اللعاب؛ فانسداد الفم مرتبط بارتفاع الفك السفلي المرتبط بدوره بالتفكير.
يقول بن نبي: إنه فكر كيف يحرك عقولهم فاهتدى إلى فكرة المطلق أو اللانهاية من ثلاثة مداخل: حكمة الله وآياته وتوالي الأعداد وامتداد الكون؛ فالعقل لا يرى نهاية لعمل الله وحكمته في الكون؛ فهي تمثل لا نهاية اللانهاية، وتزحف الأعداد متولدة من رقم واحد بدون نهاية، وهو الدليل الذي يعتمده البعض في إثبات وحدانية الله، وأن الواحد يخلق بقية الأرقام بما فيها النصف والربع، ولا يخلق الرقم واحد1) ) رقما آخر، مما يذكر بالآية (ليس كمثله شيء)، ويشكل المدخل الثالث إلى تصور اللانهاية امتداد الكون، فمهما حاول العقل تصور حافة الكون عجز وكلَّ وانقلب البصر إليه وهو حسير، ومهما أراد التفكير أن يقف أمام رقم بعينه؛ فإن الرقم الذي بعده سيتلوه فورا بدون توقف أو نهاية، ومهما فكر الإنسان في حكمة الله في خلقه فلن يصل إلى قرار، فلو تحولت بحار الدنيا السبعة إلى حبر، وأشجار الأرض إلى أقلام لتسطر كلمات الله وقوانينه، لنفد الحبر وتكسرت الأقلام وأعيت الأصابع وما نفدت كلمات الله.
يقول بن نبي إنه مع استغراق العمال في هضم هذه المفاهيم، بدأت فكوكهم السفلية بالانشداد والفم بالانسداد واللعاب بالاستقرار في داخل الفم والعقل بالحركة.
نافذة:
طبيعة العلم اختراقية وهذا يعني بكلمة أخرى أن الإنجاز التكنولوجي يخرج من رحم قاعدة علمية متينة وهي بدورها مؤسسة على مناخ عقلاني حر





