حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

الحصيلة الحكومية بين الوعود والمنجزات

هل التزمت حكومة أخنوش بتنزيل برنامجها قبل نهاية ولايتها؟

عندما عرض عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، برنامجه الحكومي أمام مجلسي البرلمان سنة 2021، كان رهان الحكومة يقوم على تنفيذ برنامج اجتماعي واقتصادي طموح، يقوم على تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحقيق انتعاش اقتصادي قوي، وخلق دينامية تشغيلية كفيلة بامتصاص البطالة، وتحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب إصلاحات قطاعية كبرى في الصحة والتعليم والاستثمار.. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، عاد أخنوش إلى البرلمان لتقديم حصيلة حكومته، وقدم أرقاما وصفتها الأغلبية بـ”غير المسبوقة”، فيما اعتبرت المعارضة أنها لا تعكس تحسناً فعلياً في حياة المغاربة.

وبين لغة الأرقام، التي تقدمها الحكومة، ولغة الواقع التي يعبر عنها الشارع، تظل الحقيقة موزعة بين إنجازات لا يمكن إنكارها وانتظارات لم تجد بعد طريقها إلى التحقق. وهو ما يجعل من هذه الحصيلة محطة تقييم حقيقية، ليس فقط لما تحقق، بل أيضاً لما لم يتحقق، في أفق الاستحقاقات الانتخابية التي سيتم تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، والتي ستنبثق عنها حكومة جديدة.

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

 أخنوش: “حصيلة الولاية الحكومية ثمرة صمود في سياق استثنائي ورهان مستمر لبناء مغرب أقوى”

 

 

أكد رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أن تقديم حصيلة عمل الحكومة يأتي في سياق استثنائي يتسم بدينامية تنموية متسارعة، معتبرا هذه اللحظة محطة دستورية وازنة ستظل راسخة في الذاكرة الوطنية كمرحلة مفصلية في تاريخ المغرب.

 

تعاقد وطني مسؤول

أوضح أخنوش، خلال عرضه أمام مجلسي البرلمان، أن هذه المرحلة لم تكن مجرد عبور ظرفي، بل شكلت محطة حاسمة لتجديد الوعي الجماعي وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق منطق الدولة القوية والمجتمع المتضامن، وذلك رغم محيط إقليمي غير مستقر وتحديات داخلية وخارجية معقدة.

وسجل رئيس الحكومة أن الولاية الحكومية الحالية شكلت عنوانا للصمود ومنطلقا لسلسلة من المكاسب التي تحققت بفضل تضافر الجهود الوطنية، مبرزا أن الرؤية الملكية السامية أسهمت في إحداث تحول نوعي في علاقة الدولة بالمواطن، قائم على تعزيز الثقة وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة.

وأضاف أن هذا التحول يرسم معالم مغرب جديد قائم على “تعاقد وطني مسؤول”، لا مكان فيه للوعود والشعارات، بل يعتمد على الثقة المتبادلة والفعل الملموس، مؤكدا أن ثمار نجاعة أداء المؤسسات الدستورية بدأت تظهر من خلال ترسيخ مبادئ الحكامة الحديثة ودعم مسار الإصلاح الديمقراطي.

وأشار إلى أن الجهود المبذولة خلال السنوات الخمس الماضية لم تكن مجرد تدبير إداري تقليدي للقطاعات الأساسية، بل قامت على رؤية شمولية هدفت إلى تحقيق الانسجام بين القرار العمومي وانتظارات المواطنات والمواطنين.

 

حكومة وأغلبية منسجمة

شدد أخنوش على أن الحصيلة الحكومية التي قدمها لا يمكن اختزالها في قطاع واحد أو مؤشر معزول، بل تشمل مختلف المجالات، من الاقتصاد إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل والاستثمار، وتعكس رؤية إصلاحية متكاملة تم تنزيلها في سياق دولي يتسم باللايقين وتوالي الأزمات. وانتقد رئيس الحكومة المقاربات التي تحاول تجزيء هذه الحصيلة أو عزل بعض مظاهر الإكراه عن سياقها العام، معتبرا أن ما تحقق هو نتيجة عمل حكومي في ظروف استثنائية، حيث كانت التحديات بنيوية وعالمية وليست ظرفية فقط.

ورغم هذه التحديات، أبرز أنه تم إطلاق أوراش كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتحديث المدرسة العمومية، ودعم الاستثمار وتحفيز التشغيل، وهي إصلاحات وصفها بغير السهلة وغير الشعبوية، إذ تطلبت جرأة في اتخاذ القرار ووضوحا في الرؤية.

وأكد أن هذه الإصلاحات حملتها حكومة منسجمة وأغلبية متماسكة، مكونة من نساء ورجال وضعوا خدمة الصالح العام والمصلحة الفضلى للوطن والمواطنين فوق كل اعتبار سياسي أو فئوي.

وفي معرض رده على الانتقادات، قال أخنوش: “نحن لا ندعي الكمال، لكننا نرفض منطق التبخيس الذي يتغذى من المزايدة”، مشيرا إلى أن المغاربة باتوا يميزون بين من يشتغل ومن يعلق، وبين من يتحمل المسؤولية ومن يسعى إلى هدم كل ما تحقق.

واعتبر أن الحصيلة الحكومية ليست مجرد أرقام، بل مسار إصلاحي ينعكس في الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تحسن الخدمات، وخلق الفرص، وتوسيع الحماية الاجتماعية.

 

قرارات صعبة

مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، شدد رئيس الحكومة على أن الدفاع عن هذه الحصيلة يتجاوز كونه موقفا سياسيا، ليصبح دفاعا عن خيار الإصلاح واستمراريته، مؤكدا أن ما تحقق خلال هذه الولاية يشكل أساسا لمغرب أكثر قوة وعدالة.

وفي المقابل، اعتبر أن “السجال العقيم” لن يغير من واقع الإنجازات ولن يقدم بديلا حقيقيا ينتظره المواطن، مؤكدا مواصلة العمل بنفس العزم والنفس الإصلاحي إلى غاية نهاية الولاية، دفاعا عن المكتسبات واستعدادا لرفع سقف الطموح مستقبلا، لأن الرهان، بحسب تعبيره، “رهان دولة ومسار وطن”. معتبرا أن مسار المسؤولية لم يكن مفروشا بالورود، بل كان مليئا بالتحديات والامتحانات الصعبة، في ظل أزمات متلاحقة وضغوط غير متوقعة.

وأوضح أنه تم اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية للحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وضمان مستقبل البلاد في ظل سياق عالمي يتسم بعدم اليقين، مؤكدا أن مسؤولية رئيس الحكومة تمثل امتحانا يوميا للضمير ولحس المسؤولية.

وأضاف أن اللجوء إلى الشعبوية لتحقيق مكاسب سياسية كان خيارا ممكنا، لكنه لم يكن مطروحا، بالنظر إلى تغليب المصلحة العليا للوطن، حتى وإن بدت بعض القرارات قاسية في حينها، مبرزا أنها كانت ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشة، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.

وأكد في هذا الإطار أن الحكومة اختارت عدم الانشغال بالرد على “السجالات الهامشية”، لأن زمن التنمية لا يسمح بإهدار الوقت في المزايدات، مشددا على أن الترفع عن الإساءات والحملات الممنهجة لم يكن ضعفا، بل قناعة تقوم على أن قوة المسؤول تكمن في ضبط النفس، وأن رقي الأخلاق في السياسة هو الإرث الأسمى، وأن “العمل هو الذي يتحدث” والنتائج هي الحكم النهائي.

وفي ختام مداخلته، دعا أخنوش إلى تقييم الحصيلة بصدق وتجرد بعيدا عن الحسابات السياسية، من خلال طرح سؤال جوهري حول ما تم إنجازه وما كان يمكن أن يكون أفضل.

وأعرب عن سعادته الإنسانية، قبل السياسية، حين يرى أثر الإصلاح في حياة المواطنين، سواء تعلق الأمر بأم في قرية نائية أو شاب حصل على فرصة عمل أو أسرة شعرت بالأمان الاجتماعي، لكنه في المقابل أقر بوجود إحساس بعدم الاكتمال، بالنظر إلى استمرار بعض الانتظارات.

وختم بالتأكيد على أن خمس سنوات تبقى مدة قصيرة في مسار التنمية، خاصة عندما يكون الطموح بحجم المغرب، حيث يتحول الزمن إلى تحد حقيقي أمام تحقيق الأهداف الكبرى.

بين وعود 2021 وحصيلة 2026.. ماذا حققت حكومة عزيز أخنوش؟

 

 

قدّم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمام مجلسي البرلمان، حصيلة عمل حكومته لولاية 2021–2026، في لحظة دستورية وسياسية بالغة الدلالة، تعيد طرح سؤال الالتقائية بين الوعود التي حملها البرنامج الحكومي قبل خمس سنوات، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع في نهاية الولاية الحكومية.

منذ تنصيبها، رفعت الحكومة شعار «الدولة الاجتماعية» مدخلا رئيسيا لإعادة بناء الثقة مع المواطن، مقروناً بتعهدات صريحة تتعلق بخلق مليون منصب شغل، وتحسين القدرة الشرائية وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، إلى جانب تعزيز الحكامة، وهي رهانات كبرى وضعت الحكومة أمام اختبار صعب في سياق دولي ومحلي اتسم بتقلبات حادة، من تداعيات جائحة «كورونا» إلى موجة التضخم والجفاف.

على مستوى الحماية الاجتماعية، تبدو الحصيلة أقرب إلى الوفاء بالالتزامات.. إذ نجحت الحكومة في تعميم التأمين الإجباري عن المرض ليشمل ما يفوق 22 مليون مستفيد، مع إدماج نحو 11 مليون مواطن في نظام «أمو تضامن». ناهيك عن إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر لفائدة أزيد من 4 ملايين أسرة، بغلاف مالي سنوي يناهز 25 مليار درهم.

وتعكس هذه الأرقام تقدماً هيكلياً في بناء الدولة الاجتماعية، وتؤشر على تحول عميق في مقاربة السياسات العمومية، وإن ظل أثرها الكامل رهيناً بمدى استدامة التمويل وجودة الخدمات المقدمة.

واقتصادياً سجلت الحكومة تحسناً في المؤشرات الماكرو اقتصادية، حيث ارتفع معدل النمو من 1.8 بالمائة سنة 2022 إلى حوالي 4.8 بالمائة عام 2025، بمعدل متوسط يقارب 4.5 بالمائة خلال الولاية. فيما بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة حوالي 56 مليار درهم سنة 2025، مقابل 32.5 مليار درهم سنة 2021، مع المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تناهز 581 مليار درهم. غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، لم تنعكس بالقوة نفسها على المؤشرات الاجتماعية، ما يطرح إشكالية توزيع ثمار النمو وحدود تأثيره المباشر على تحسين مستوى عيش المواطنين.

وفي ما يتعلق بالتشغيل، أعلنت الحكومة عن إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل، خلال الفترة 2021–2025، أي ما يقارب تحقيق الهدف المعلن والمحدد في مليون منصب. غير أن هذه الأرقام تصطدم بواقع أكثر تعقيداً، حيث ظل معدل البطالة في حدود 12 إلى 13 بالمائة، فيما تجاوزت بطالة الشباب عتبة 30 بالمائة في بعض الفترات.

وتكشف هذه المعطيات عن استمرار اختلالات بنيوية في سوق الشغل، تتجاوز مسألة الأرقام إلى إشكالية جودة فرص العمل واستدامتها، خاصة في ظل هيمنة القطاع غير المهيكل.

وتُعد القدرة الشرائية الحلقة الأضعف في الحصيلة الحكومية، فرغم تعبئة ما يفوق 135 مليار درهم لدعم صندوق المقاصة، واستمرار دعم المواد الأساسية، إلى جانب إطلاق الدعم المباشر للأسر، فإن تأثير هذه الإجراءات ظل محدوداً أمام موجة التضخم، الذي بلغ حوالي 6.6 بالمائة سنة 2022، مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات، ما أضعف القدرة الشرائية للمواطنين. وتواجه الحكومة، في هذا السياق، انتقادات بشأن محدودية تدخلها في ضبط الأسواق ومحاربة المضاربة.

وفي قطاع الصحة، تضاعفت الميزانية لتبلغ حوالي 42 مليار درهم، مع إطلاق إصلاحات هيكلية تهدف إلى إعادة تنظيم المنظومة الصحية. وفي التعليم، تم تعميم التعليم الأولي تدريجياً، وإطلاق نموذج «مدارس الريادة» إلى جانب تحسين نسبي في وضعية الأطر التربوية.

غير أن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في تحقيق تحول ملموس على مستوى جودة الخدمات، حيث لا تزال المنظومتان تواجهان تحديات الاكتظاظ وضعف المردودية، فضلاً عن توترات اجتماعية متكررة.

في المقابل سجلت الحكومة تقدماً في مجالات استراتيجية، حيث بلغت حصة الطاقات المتجددة حوالي 46 بالمائة من القدرة الكهربائية، وتم إطلاق برنامج وطني للماء بكلفة تفوق 143 مليار درهم لمواجهة الإجهاد المائي.

بدوره استعاد قطاع السياحة عافيته، مسجلاً حوالي 19.8 مليون سائح، ومداخيل قياسية بلغت 138 مليار درهم، ما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي في بعض القطاعات الحيوية.

حصيلة الحكومة بين مقتضيات الدستور ورهانات التوظيف الانتخابي

 

قالت أمال بنبراهيم، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل، إن عرض حصيلة عمل الحكومة يشكل «لحظة دستورية وسياسية مركبة، تتداخل فيها مقتضيات الرقابة البرلمانية مع رهانات التقييم الديمقراطي للأداء العمومي»، مؤكدة أن هذا الموعد لا يمكن اختزاله في مجرد إجراء شكلي أو تمرين تقريري، بل يمثل محطة مركزية في قياس جودة الممارسة الديمقراطية ومدى توازن السلط داخل النظام السياسي المغربي.

 

ربط المسؤولية بالمحاسبة

أوضحت أمال بنبراهيم، في تصريح لجريدة «الأخبار»، أن لحظة عرض حصيلة عمل الحكومة تمثل «اختبارا فعليا لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص عليه دستور المغرب 2011»، مبرزة أن هذا المبدأ يشكل أحد أعمدة البناء الدستوري الحديث، غير أن تنزيله على أرض الواقع يظل رهينا بمدى توفر آليات مؤسساتية فعالة وقادرة على إحداث أثر ملموس في مساءلة الفاعل الحكومي.

وأضافت بنبراهيم أن الإطار الدستوري المؤطر لهذه العملية يستند إلى الفصل 101 من الدستور، الذي يكرس مبدأ مناقشة وتقييم السياسات العمومية داخل البرلمان المغربي، غير أنه «لا يحدد بشكل دقيق آليات هذا التقييم أو مخرجاته»، وهو ما يمنح هذه الممارسة، بحسب تعبيرها، «طابعا مرنا قائما على التأويل الوظيفي للنص، أكثر من كونه مقتضى قانونيا ملزما».

وسجلت المتحدثة أن هذه المرونة، رغم ما تتيحه من انفتاح على اجتهادات سياسية ومؤسساتية، تطرح، في المقابل، إشكالا بنيويا يرتبط بحدود الأثر القانوني للحصيلة الحكومية، موضحة أن «المناقشة البرلمانية لا تفضي إلى تصويت ملزم، ولا تترتب عنها مسؤولية سياسية مباشرة»، ما يجعلها تميل أكثر إلى «فضاء للتقييم الرمزي، حيث تستبدل قوة الإلزام القانوني بدينامية النقاش السياسي».

وفي تعميقها لهذا الطرح، أشارت بنبراهيم إلى أن غياب الطابع الإلزامي يحد من قدرة هذه الآلية على التحول إلى أداة حقيقية للمحاسبة، معتبرة أن «التقييم، بدون آثار مؤسساتية واضحة، من شأنه أن يفقد جزءا من جدواه، خاصة إذا لم يقترن بإمكانية ترتيب المسؤوليات أو تعديل السياسات بناء على خلاصاته». ومع ذلك أكدت المتحدثة أن هذا لا ينفي أهمية النقاش البرلماني، الذي يظل، في حد ذاته، فضاء لإبراز التباينات السياسية وإغناء النقاش العمومي.

وشددت أستاذة القانون العام على أن خصوصية الحصيلة الحالية (2021–2026) لا تكمن فقط في بعدها الدستوري، بل أيضا في توقيتها، حيث تأتي «قبل حوالي خمسة أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة»، معتبرة أن هذا المعطى الزمني «ليس تفصيلا عرضيا، بل عنصر حاسم في فهم دلالات الحصيلة ووظائفها».

وأبرزت بنبراهيم أن الحصيلة، في هذا السياق، «لم تعد مجرد قراءة للماضي، بل تحولت إلى خطاب موجه نحو المستقبل، يسعى إلى التأثير في اتجاهات الرأي العام وإعادة تشكيل تمثلاته حول الأداء الحكومي»، مضيفة أنها أصبحت «جزءا من زمن انتخابي غير معلن، تتداخل فيه المساءلة مع رهانات التعبئة السياسية وكسب الشرعية الانتخابية».

وفي هذا الإطار أوضحت بنبراهيم أن الأغلبية الحكومية تنخرط في بناء سردية متماسكة تقوم على «ربط الإنجاز بالاستقرار، وتقديم النتائج باعتبارها امتدادا لاختيارات استراتيجية ناجحة»، مستندة إلى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية بوصفها حججا لإثبات النجاعة. وأضافت بنبراهيم أن هذا الخطاب يسعى إلى «إعادة تأطير الفعل الحكومي في إطار الاستمرارية والوفاء بالالتزامات»، في محاولة لتعزيز صورة الحكومة كفاعل قادر على تدبير الأزمات.

ونبهت المتحدثة إلى أن هذا الخطاب، في ظل الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابية، «يكتسب بعدا إضافيا يتجاوز التقييم الموضوعي ليتحول إلى أداة لتثمين الحصيلة وتعزيز الرصيد الانتخابي»، مشيرة إلى ما وصفته بـ«الانتقال من شرعية الإنجاز إلى شرعية الاستحقاق»

 

فعالية خطاب المعارضة

اعتبرت الأستاذة أمال بنبراهيم أن المعارضة لا تحصر تدخلها في النقد التقني، بل تنخرط في استراتيجية تواصلية مضادة تهدف إلى «تفكيك البناء السردي الذي تقدمه الحكومة، ونزع الشرعية الرمزية عن طريقة عرضها»، من خلال إعادة توجيه النقاش نحو الأثر الاجتماعي الملموس للسياسات العمومية. وأضافت بنبراهيم أن المعارضة تعمل على «إبراز التباين بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين، عبر مساءلة مدى انعكاس المؤشرات المعلنة على شروط العيش»، مركزة على قضايا القدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية واتساع الفوارق المجالية. وأكدت المتحدثة أن هذه المقاربة تعكس «اختيارا سياسيا واضحا بإزاحة النقاش من المؤشرات الماكرو-اقتصادية إلى التجربة المعيشة».

وأشارت أستاذة القانون العام إلى أن المعارضة لا تكتفي بمناقشة مضمون الحصيلة، بل تسعى أيضا إلى «إعادة تأطيرها باعتبارها خطابا انتخابيا أكثر منها تقييما موضوعيا»، من خلال التشكيك في توقيتها ودلالاته، وإدراجها ضمن دينامية التنافس السياسي.

وشددت بنبراهيم على أن فعالية هذا الخطاب المعارض تظل رهينة بقدرته على تجاوز وظيفة التفكيك نحو بناء سردية بديلة، موضحة أن «الاكتفاء بالنقد دون تقديم تصور واضح للبدائل يمكن أن يحصر المعارضة في موقع رد الفعل، بدل التحول إلى فاعل قادر على إنتاج أفق سياسي منافس»، معتبرة، في هذا السياق، أن التحدي الحقيقي أمام المعارضة لا يكمن فقط في إبراز حدود الأداء الحكومي، بل، أيضا، في تحويل النقد إلى عرض سياسي متكامل يمتلك القدرة التأطيرية والإقناعية نفسها»، بما يمكنها من كسب ثقة الناخبين في أفق الاستحقاقات المقبلة.

وخلصت أستاذة القانون العام إلى أن لحظة عرض الحصيلة الحكومية تكشف عن «مفارقة بنيوية في النظام الدستوري المغربي»، حيث تتقاطع فيها «الشرعية الدستورية مع رهانات التنافس الانتخابي»، مؤكدة أن السؤال المركزي لم يعد فقط حول دستورية الحصيلة، بل، كذلك، حول طبيعة الزمن السياسي الذي تندرج فيه: «هل نحن أمام زمن دستوري للتقييم، أم زمن انتخابي للتعبئة؟»، مضيفة أن الحصيلة، في هذا السياق، تتحول إلى «نقطة تقاطع بين هذين الزمنين»، حيث يسعى كل طرف إلى توجيه دلالتها وفق موقعه ومصلحته، ما يجعلها تعكس دينامية أعمق تتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين السياسة والمجتمع.

ورش الحماية الاجتماعية في صلب الحصيلة الحكومية

 

 

قدم رئيس الحكومة، في عرض حصيلة حكومته أمام مجلسي البرلمان، تصورا اجتماعيا يقوم على الانتقال من منطق التدخلات الجزئية إلى بناء «الدولة الاجتماعية» كخيار استراتيجي، يجعل من الإنسان محور السياسات العمومية، ومن الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتعليم ركيزة لإعادة تشكيل العقد الاجتماعي.

 

 

تعميم الحماية الاجتماعية

تؤكد الحصيلة الحكومية أن الأمن الاقتصادي لم يعد يُقاس فقط بالمؤشرات الماكرو- اقتصادية، بل بمدى انعكاس النمو على حياة المواطنين اليومية، عبر خلق فرص اجتماعية ملموسة وتقليص الفوارق، في إطار مقاربة تعتبر أن الاقتصاد الذي لا ينعكس على المواطن يظل نموا غير مكتمل الأثر.

وفي هذا السياق، تم الإعلان عن توسيع غير مسبوق لمنظومة الحماية الاجتماعية، حيث استفاد حوالي 15.5 مليون مواطن إضافي من التغطية الصحية الأساسية، مع تحمل الدولة لاشتراكات الفئات الهشة في إطار نظام «أمو تضامن» بما يفوق 27 مليار درهم، في خطوة تُقدَّم باعتبارها ترجمة عملية لمبدأ التضامن كالتزام مالي مباشر داخل السياسات العمومية.

كما تم إبراز ورش الدعم الاجتماعي المباشر كأحد أبرز التحولات في السياسة الاجتماعية، إذ استفادت حوالي 4 ملايين أسرة من تحويلات نقدية مباشرة، بلغ مجموعها إلى حدود يناير 2026 حوالي 52 مليار درهم، توزعت بين 33 مليار درهم موجهة لحماية الطفولة و19 مليار درهم كإعانات جزافية. ويشمل هذا الدعم ملايين الأطفال والأرامل والمسنين، في إطار نظام يستند إلى الاستهداف الدقيق وتحسين الحكامة.

 

 

إصلاح القطاع الصحي

على مستوى قطاع الصحة، تشير الحصيلة الحكومية إلى إصلاح هيكلي عميق شمل إعادة بناء المنظومة الصحية على أسس جديدة، حيث ارتفعت ميزانية القطاع من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026، أي أكثر من الضعف خلال خمس سنوات. ويراهن هذا التحول على تحديث البنية التحتية، وتحسين الحكامة، وإعادة الاعتبار للموارد البشرية، إلى جانب تسريع ورش الرقمنة لضمان عدالة مجالية في الولوج إلى العلاج.

وفي هذا الإطار، تم تأهيل 1400 مركز صحي من الجيل الجديد بغلاف مالي قدره 6.4 ملايير درهم، مع برمجة تأهيل 1600 مركز إضافي بغلاف يناهز 7 ملايير درهم، بما يعزز الرعاية الصحية الأولية كخط دفاع أول عن صحة المواطنين. كما تواصل الحكومة توسيع العرض الاستشفائي عبر إنجاز 29 مشروعا استشفائيا بين 2022 و2025 أضافت أكثر من 3168 سريرا، مع برمجة مشاريع جديدة سترفع الطاقة الاستيعابية بشكل إضافي في أفق سنة 2026 وما بعدها.

 

النهوض بقطاع التعليم

جعلت الحكومة من إصلاح المدرسة العمومية خيارا استراتيجيا لبناء رأس المال البشري، من خلال توسيع التعليم الأولي ليشمل حوالي 80 في المائة من الأطفال (985 ألف مستفيد)، وتعميم نموذج «مدارس الريادة» الذي انتقل من 626 مؤسسة إلى 4626 مدرسة ابتدائية تستقبل نحو مليوني تلميذ، إضافة إلى تعميمه على السلك الإعدادي بـ786 مؤسسة.

كما استفاد أكثر من 80 ألف أستاذ من تكوينات خاصة، في حين تم تعزيز شروط التمدرس عبر توسيع خدمات الداخليات والنقل المدرسي والدعم الاجتماعي، لفائدة ملايين التلاميذ، خاصة في المناطق القروية، في محاولة لتقليص الفوارق المجالية داخل المدرسة العمومية.

وعلى مستوى الموارد البشرية التعليمية، سجلت الحصيلة اتفاقات اجتماعية مهمة شملت إصدار نظام أساسي جديد لموظفي التربية الوطنية الذين يفوق عددهم 336 ألف موظف، وتسوية ملف الأساتذة المتعاقدين بما يهم أكثر من 114 ألف أستاذ، مع زيادات في الأجور ابتداء من 1500 درهم، بكلفة إجمالية تفوق 17 مليار درهم في أفق 2027.

وفي التعليم العالي، تم توسيع العرض الجامعي بإحداث مؤسسات جديدة ورفع الطاقة الاستيعابية بما يوفر عشرات الآلاف من المقاعد، إلى جانب تطوير التكوين المهني عبر إحداث مؤسسات جديدة وإطلاق برامج تستجيب لحاجيات سوق الشغل، مع تعزيز مبادرات موجهة إلى الشباب، من بينها «جواز الشباب» الذي استفاد منه أكثر من 250 ألف شاب.

 

 

دعم القدرة الشرائية

تعكس الحصيلة الاجتماعية تدخلات واسعة لدعم القدرة الشرائية، حيث تحملت الدولة ما يقارب 135 مليار درهم عبر صندوق المقاصة، للحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية، إلى جانب اتفاقات اجتماعية مكنت أكثر من 4.2 ملايين أجير من الاستفادة من تحسينات في الدخل.

كما تم إقرار زيادات في الأجور في القطاعين العام والخاص بكلفة تناهز 46 مليار درهم في أفق 2026، مرفوقة بإصلاح جبائي شمل إعفاء الأجور الأقل من 6000 درهم، وتخفيض العبء الضريبي، إضافة إلى رفع الخصم المتعلق بالأعباء العائلية.

وفي قطاع السكن، تم تنفيذ برنامج الدعم المباشر الذي مكن أكثر من 96 ألف أسرة من اقتناء سكن لائق، في إطار سياسة تعتبر السكن أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية.

وتخلص الحصيلة إلى أن هذه الإجراءات مجتمعة، تمثل انتقالا نحو نموذج اجتماعي جديد يقوم على توسيع الحماية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وربط الإصلاحات الاقتصادية بأثرها المباشر على المواطن، في سياق يعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأساسي لأي تنمية مستدامة.

حصيلة الحكومة بين مقتضيات الدستور ورهانات التوظيف الانتخابي

 

قالت أمال بنبراهيم، أستاذة القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل، إن عرض حصيلة عمل الحكومة يشكل «لحظة دستورية وسياسية مركبة، تتداخل فيها مقتضيات الرقابة البرلمانية مع رهانات التقييم الديمقراطي للأداء العمومي»، مؤكدة أن هذا الموعد لا يمكن اختزاله في مجرد إجراء شكلي أو تمرين تقريري، بل يمثل محطة مركزية في قياس جودة الممارسة الديمقراطية ومدى توازن السلط داخل النظام السياسي المغربي.

 

ربط المسؤولية بالمحاسبة

أوضحت أمال بنبراهيم، في تصريح لجريدة «الأخبار»، أن لحظة عرض حصيلة عمل الحكومة تمثل «اختبارا فعليا لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص عليه دستور المغرب 2011»، مبرزة أن هذا المبدأ يشكل أحد أعمدة البناء الدستوري الحديث، غير أن تنزيله على أرض الواقع يظل رهينا بمدى توفر آليات مؤسساتية فعالة وقادرة على إحداث أثر ملموس في مساءلة الفاعل الحكومي.

وأضافت بنبراهيم أن الإطار الدستوري المؤطر لهذه العملية يستند إلى الفصل 101 من الدستور، الذي يكرس مبدأ مناقشة وتقييم السياسات العمومية داخل البرلمان المغربي، غير أنه «لا يحدد بشكل دقيق آليات هذا التقييم أو مخرجاته»، وهو ما يمنح هذه الممارسة، بحسب تعبيرها، «طابعا مرنا قائما على التأويل الوظيفي للنص، أكثر من كونه مقتضى قانونيا ملزما».

وسجلت المتحدثة أن هذه المرونة، رغم ما تتيحه من انفتاح على اجتهادات سياسية ومؤسساتية، تطرح، في المقابل، إشكالا بنيويا يرتبط بحدود الأثر القانوني للحصيلة الحكومية، موضحة أن «المناقشة البرلمانية لا تفضي إلى تصويت ملزم، ولا تترتب عنها مسؤولية سياسية مباشرة»، ما يجعلها تميل أكثر إلى «فضاء للتقييم الرمزي، حيث تستبدل قوة الإلزام القانوني بدينامية النقاش السياسي».

وفي تعميقها لهذا الطرح، أشارت بنبراهيم إلى أن غياب الطابع الإلزامي يحد من قدرة هذه الآلية على التحول إلى أداة حقيقية للمحاسبة، معتبرة أن «التقييم، بدون آثار مؤسساتية واضحة، من شأنه أن يفقد جزءا من جدواه، خاصة إذا لم يقترن بإمكانية ترتيب المسؤوليات أو تعديل السياسات بناء على خلاصاته». ومع ذلك أكدت المتحدثة أن هذا لا ينفي أهمية النقاش البرلماني، الذي يظل، في حد ذاته، فضاء لإبراز التباينات السياسية وإغناء النقاش العمومي.

وشددت أستاذة القانون العام على أن خصوصية الحصيلة الحالية (2021–2026) لا تكمن فقط في بعدها الدستوري، بل أيضا في توقيتها، حيث تأتي «قبل حوالي خمسة أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة»، معتبرة أن هذا المعطى الزمني «ليس تفصيلا عرضيا، بل عنصر حاسم في فهم دلالات الحصيلة ووظائفها».

وأبرزت بنبراهيم أن الحصيلة، في هذا السياق، «لم تعد مجرد قراءة للماضي، بل تحولت إلى خطاب موجه نحو المستقبل، يسعى إلى التأثير في اتجاهات الرأي العام وإعادة تشكيل تمثلاته حول الأداء الحكومي»، مضيفة أنها أصبحت «جزءا من زمن انتخابي غير معلن، تتداخل فيه المساءلة مع رهانات التعبئة السياسية وكسب الشرعية الانتخابية».

وفي هذا الإطار أوضحت بنبراهيم أن الأغلبية الحكومية تنخرط في بناء سردية متماسكة تقوم على «ربط الإنجاز بالاستقرار، وتقديم النتائج باعتبارها امتدادا لاختيارات استراتيجية ناجحة»، مستندة إلى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية بوصفها حججا لإثبات النجاعة. وأضافت بنبراهيم أن هذا الخطاب يسعى إلى «إعادة تأطير الفعل الحكومي في إطار الاستمرارية والوفاء بالالتزامات»، في محاولة لتعزيز صورة الحكومة كفاعل قادر على تدبير الأزمات.

ونبهت المتحدثة إلى أن هذا الخطاب، في ظل الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابية، «يكتسب بعدا إضافيا يتجاوز التقييم الموضوعي ليتحول إلى أداة لتثمين الحصيلة وتعزيز الرصيد الانتخابي»، مشيرة إلى ما وصفته بـ«الانتقال من شرعية الإنجاز إلى شرعية الاستحقاق»

 

فعالية خطاب المعارضة

اعتبرت الأستاذة أمال بنبراهيم أن المعارضة لا تحصر تدخلها في النقد التقني، بل تنخرط في استراتيجية تواصلية مضادة تهدف إلى «تفكيك البناء السردي الذي تقدمه الحكومة، ونزع الشرعية الرمزية عن طريقة عرضها»، من خلال إعادة توجيه النقاش نحو الأثر الاجتماعي الملموس للسياسات العمومية. وأضافت بنبراهيم أن المعارضة تعمل على «إبراز التباين بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين، عبر مساءلة مدى انعكاس المؤشرات المعلنة على شروط العيش»، مركزة على قضايا القدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية واتساع الفوارق المجالية. وأكدت المتحدثة أن هذه المقاربة تعكس «اختيارا سياسيا واضحا بإزاحة النقاش من المؤشرات الماكرو-اقتصادية إلى التجربة المعيشة».

وأشارت أستاذة القانون العام إلى أن المعارضة لا تكتفي بمناقشة مضمون الحصيلة، بل تسعى أيضا إلى «إعادة تأطيرها باعتبارها خطابا انتخابيا أكثر منها تقييما موضوعيا»، من خلال التشكيك في توقيتها ودلالاته، وإدراجها ضمن دينامية التنافس السياسي.

وشددت بنبراهيم على أن فعالية هذا الخطاب المعارض تظل رهينة بقدرته على تجاوز وظيفة التفكيك نحو بناء سردية بديلة، موضحة أن «الاكتفاء بالنقد دون تقديم تصور واضح للبدائل يمكن أن يحصر المعارضة في موقع رد الفعل، بدل التحول إلى فاعل قادر على إنتاج أفق سياسي منافس»، معتبرة، في هذا السياق، أن التحدي الحقيقي أمام المعارضة لا يكمن فقط في إبراز حدود الأداء الحكومي، بل، أيضا، في تحويل النقد إلى عرض سياسي متكامل يمتلك القدرة التأطيرية والإقناعية نفسها»، بما يمكنها من كسب ثقة الناخبين في أفق الاستحقاقات المقبلة.

وخلصت أستاذة القانون العام إلى أن لحظة عرض الحصيلة الحكومية تكشف عن «مفارقة بنيوية في النظام الدستوري المغربي»، حيث تتقاطع فيها «الشرعية الدستورية مع رهانات التنافس الانتخابي»، مؤكدة أن السؤال المركزي لم يعد فقط حول دستورية الحصيلة، بل، كذلك، حول طبيعة الزمن السياسي الذي تندرج فيه: «هل نحن أمام زمن دستوري للتقييم، أم زمن انتخابي للتعبئة؟»، مضيفة أن الحصيلة، في هذا السياق، تتحول إلى «نقطة تقاطع بين هذين الزمنين»، حيث يسعى كل طرف إلى توجيه دلالتها وفق موقعه ومصلحته، ما يجعلها تعكس دينامية أعمق تتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين السياسة والمجتمع.

ثلاثة أسئلة لمحمد جدري * :

 

“حصيلة الحكومة إيجابية اقتصاديا وهناك أوراش مهمة تنتظر الاستكمال”

 

  • ما السياق العام الذي يواكب عرض عزيز أخنوش لحصيلة عمل حكومته؟

 

إن عرض الحصيلة الحكومية يأتي في سياق اقتصادي استثنائي داخليا وخارجيا، حيث إن السنوات الأخيرة طبعتها صدمات متتالية أثرت على الاقتصاد العالمي والمحلي على حد سواء، كما أن معدل التضخم في المغرب بلغ ذروته سنة 2022 عند حوالي 6.6 في المائة، قبل أن يتراجع إلى 6.1 في المائة سنة 2023، ثم إلى حدود 3.6 في المائة خلال 2024، مع توقعات باستقراره بين 2.5 و3 في المائة سنة 2025، وهنا تجب الإشارة إلى أن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار.

وفي ما يتعلق بالنمو الاقتصادي، فالاقتصاد المغربي انتقل من انكماش بـ-6.3 في المائة سنة 2020 إلى انتعاش قوي بـ7.9 في المائة سنة 2021، قبل أن يتباطأ إلى 1.3 في المائة سنة 2022 بسبب الجفاف، ثم يرتفع إلى 3.4 في المائة سنة 2023، مع توقعات تدور بين 3 و3.5 في المائة خلال 2024–2025، كما أن عجز الميزانية تراجع من 7.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2020 إلى حوالي 4.4 في المائة سنة 2023، في مسار يعكس ضبطا تدريجيا للتوازنات المالية رغم الضغوط الاجتماعية المتزايدة.

وفي السياسة النقدية، من اللافت أن بنك المغرب رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 3 في المائة بين 2022 و2023، ما أدى إلى ارتفاع كلفة التمويل، حيث وصلت أسعار القروض العقارية إلى ما بين 4.5 و5.5 في المائة، وهو ما أثر على الاستثمار والطلب الداخلي، غير أن هذا السياق لا يسمح بتقييم الحصيلة بمعزل عن الصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بالجائحة أو الجفاف أو الحرب في أوكرانيا، لأنها عوامل أعادت تشكيل الأولويات الاقتصادية للدولة.

 

  • كيف يمكن تقييم الأداء الاقتصادي للحكومة ؟

 

عموما يمكن القول إن الحصيلة الاقتصادية للحكومة تجمع بين الاستقرار الماكرو-اقتصادي من جهة، واستمرار الضغط الاجتماعي من جهة ثانية، فمن حيث الاستقرار، أوضح أن عجز الميزانية انخفض تدريجيا إلى 4.4 في المائة سنة 2023، مع تحسن نسبي في التحكم في التضخم، وتوفر احتياطات من العملة الصعبة تغطي أكثر من 5 أشهر من الواردات، وهو ما يعكس القدرة في الحفاظ على التوازنات الكبرى رغم الصدمات، بالإضافة إلى أن الاستثمار العمومي ارتفع إلى مستويات تفوق 380 مليار درهم سنويا، وهو ما يعكس توجها نحو تحفيز الاقتصاد عبر الإنفاق العمومي.

وفي المقابل، لا تزال نسبة البطالة مرتفعة في حدود 12 إلى 13 في المائة، مع تجاوزها 30 في المائة في صفوف الشباب، ما يعكس ضعفا في تحويل النمو إلى فرص شغل مستدامة، كما أن القروض البنكية سجلت تباطؤا في النمو إلى أقل من 3 في المائة في بعض الفترات، نتيجة ارتفاع سعر الفائدة إلى 3 في المائة، ما أثر على دينامية الاستثمار الخاص، كما أن القدرة الشرائية ما تزال تحت الضغط رغم تراجع التضخم، بسبب “التأثير التراكمي لارتفاع الأسعار خلال ثلاث سنوات متتالية”.

 

– ما القطاعات التي تمكنت من تحقيق نتائج اقتصادية إيجابية خلال هذه الولاية؟

 

يجب التأكيد على أن عددا من القطاعات الاقتصادية سجلت أداء إيجابيا نسبيا خلال السنوات الأخيرة، رغم الظرفية الصعبة، وهذه النتائج “تظل متفاوتة بين قطاع وآخر، لكنها تعكس وجود دينامية في بعض المجالات الاستراتيجية، وفي هذا السياق  نقف عند القطاع الفلاحي، والذي رغم تذبذبه المرتبط بالتساقطات، استفاد من برامج دعم وإعادة هيكلة، كما أن بعض سلاسل الإنتاج الموجهة للتصدير سجلت أداء جيدا في سنوات معينة، خاصة في الفواكه والخضر، رغم استمرار هشاشة المرتبط بالمناخ.

أما القطاع الصناعي فقد واصل تطوره، خصوصا في صناعات السيارات والطيران والنسيج، حيث ساهمت هذه الفروع في تعزيز الصادرات الصناعية، التي أصبحت تمثل جزءا مهما من الناتج الداخلي الخام، مع تسجيل تحسن في القيمة المضافة الصناعية.

وفي ما يتعلق بقطاع السيارات، فهو يعتبر من أبرز قصص النجاح، إذ واصل المغرب تعزيز موقعه كمنصة صناعية إقليمية، بفضل الاستثمارات الأجنبية واندماجه في سلاسل القيمة العالمية، ما ساهم في رفع الصادرات الصناعية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، كما أن قطاع الطاقات المتجددة حقق تقدما مهما، من خلال توسيع مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، ما عزز موقع المغرب كفاعل إقليمي في الانتقال الطاقي، وساهم في تقليص التبعية الطاقية نسبيا.

وفي القطاع السياحي، تمكن المغرب من استعادة عافيته بعد جائحة كوفيد-19، حيث تجاوز عدد السياح مستويات ما قبل الجائحة، وهو ما انعكس إيجابا على مداخيل العملة الصعبة وعلى التشغيل في عدد من المدن.

غير أن هذه الدينامية القطاعية لم تكن متوازنة على مستوى الأثر الاجتماعي، إذ لا تزال الفوارق المجالية قائمة، ولم ينعكس نمو بعض القطاعات بشكل كاف على التشغيل في العالم القروي أو في المناطق الهشة، كما أن الاقتصاد المغربي يضم قطاعات واعدة حققت نتائج إيجابية، لكن التحدي الأساسي يظل في تحويل هذه النجاحات القطاعية إلى نمو شامل وعادل ينعكس على كل المواطنين.

 

*خبير اقتصادي

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى