
يونس جنوحي
في جميع نقاط التوتر في العالم، تتركز القوات العسكرية ويُستدعى الاحتياطيون وتُشدد المراقبة، إلا في المنطقة الشرقية الفاصلة بين المغرب والجزائر. شريط طويل يتكون من مئات الكيلومترات من الكثبان الرملية والأراضي الصخرية الصلبة، لا تجاورها أي منطقة سكنية من جهة الجزائر. بينما، من الجهة المغربية، يكفي أن يتمشى المستكشف نصف ساعة ليصل إلى الأراضي الفلاحية التي يتوارثها سكان الواحات المغاربة منذ قرون خلت، أو على الأقل لتظهر له معالم الطريق الوطنية نهارا أو أضواء بوعرفة أو حتى طاطا ليلا.
في المنطقة التي نتحدث عنها، لا توجد من جهة الجزائر سوى تندوف. كم عدد المواطنين الجزائريين الذين يسافرون إلى تندوف سنويا؟ لا أحد. رسميا لا أحد. ورغم ذلك هناك رحلات جوية بين وهران وتندوف، لا يركبها إلا الجن والانفصاليون الذين يتاجرون بملف سكان المخيمات.
تقارير سوداء تتحدث عن تجارة المخدرات وتهريب السلاح والاتجار بالبشر تجري كلها في تندوف.
فرق الإغاثة المنتمية إلى منظمة الصليب الأحمر فجرت، قبل عشرين سنة، عشرات ملفات المطالب الإنسانية للمحتجزين. مغاربة اختُطفوا وفرض عليهم العيش بالقوة في تلك المخيمات التي يقول من ضربوا أوتادها في الرمال قبل خمسين عاما إنهم أبناء الجمهورية الصحراوية! وأطباء وممرضو الصليب الأحمر فجروا هذه الملفات وفضحوا الحقيقة، وعاد الآلاف إلى بلدهم المغرب ليفضحوا أساليب التعذيب الوحشية التي تعرض لها المختطفون على يد جنود ومسؤولين جزائريين. وفي الأخير يقولون ألا علاقة لهم بالملف.
طوال ما يقارب خمسة عقود على افتعال أطروحة الانفصال، لا يوجد صحراوي واحد يتحمس لفكرة الجمهورية الوهمية. وكل الذين تحدثوا ويتحدثون إلى الصحافة الدولية باسم الوهم، إما جزائريون يتقاضون تعويضات في الخارج أو مغاربة مغرر بهم لم نسمع نهائيا أن أحدا منهم مات على اعتقاد الجمهورية الوهمية، وكلهم يعودون في الأخير إلى رشدهم. في النهاية لا أحد يموت من أجل خيمتين في تندوف!
نسيت تماما قضية الفلاحين المغاربة في المنطقة الشرقية نواحي بوعرفة. قبل أربع سنوات تقريبا تحرش جنود جزائريون بمزارعين مغاربة كانوا يتفقدون النخيل المغروس على بُعد كيلومترات عن النفوذ الجزائري، لكن يبدو أن أحدا ما في القصر الرئاسي لم يكن يرغب في أن يظهر المغاربة أمام ناظريه حتى لو كان الأمر يتعلق باستغلال أراض عمر أشجارها يتجاوز المدة التي عمرتها الدولة العثمانية في شمال إفريقيا باستثناء المغرب الأقصى الذي لم تكن صحراؤه منفصلة عنه في أي مرحلة من مراحل التاريخ.
بردت القضية، ولم يعد أحد مهتما بما آلت إليه الأمور. عاد المزارعون إلى استغلال أراضيهم. لا توجد قوة في الأرض تمنع فلاحا من تفقد نخلة ورثها عن أجداده.
عندما تفجر ملف أنشطة فرع تنظيم «داعش» في شمال إفريقيا، وجهت المنظمات الدولية أصابع الاتهام إلى الجماعات المتطرفة في إفريقيا، والتي كانت تعبر بسهولة من الصحراء الجزائرية. يتساهل الجزائريون، وهذا ما جاء في نص التقارير، مع الأنشطة المشبوهة التي تعبر المنطقة الحدودية في الصحراء. لا أحد مثلا يراقب ما يقع في تندوف. بإمكان الجزائريين أن يُحضروا جماعات مسلحة من دول جنوب الصحراء، كانت في طريقها إلى سوريا للقتال، وهذا ما حدث فعلا منذ 2013، ويروجوا في صحافتهم أن الأمر يتعلق بمقاتلين صحراويين يناضلون من أجل الاستقلال عن المغرب.
لا يمكن فصل هذه الأنشطة المشبوهة عن الاتجار في المخدرات، إذ لا يمكن لأي إنسان أن يدافع عن فكرة مماثلة، إلا إذا كان فاقدا للوعي!





