حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

الشغب البرلماني

تحولت الجلسة، التي عقدها مجلس النواب لمناقشة البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، من موعد دستوري يفترض أن يشكل محطة أساسية لمساءلة الحكومة ومناقشة التزاماتها أمام ممثلي الأمة، إلى مشهد صاخب طغت عليه الفوضى والصراخ وتبادل الاتهامات الخطيرة بالفساد والاتجار في المخدرات، في واقعة تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الممارسة السياسية داخل المؤسسة التشريعية، ومدى احترام بعض الفاعلين السياسيين لأخلاقيات الحوار البرلماني.

فبدل أن ينصب النقاش على مضامين البرنامج الحكومي، ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تحولت قاعة الجلسات إلى حلبة لمواجهات كلامية وتبادل الاتهامات بين رئيسة الحكومة وفرق المعارضة، اختلط فيها النقاش السياسي بالتجريح الشخصي، بدل تبادل الحجج والأفكار.

الأكثر إثارة للقلق أن اتهامات من قبيل الفساد والاتجار في المخدرات أُطلقت في خضم هذا التوتر، بما جعل المشهد يتجاوز حدود الاختلاف السياسي المشروع إلى ممارسات تسيء إلى هيبة المؤسسة التشريعية وصورة ممثلي الأمة.

إن المعارضة البرلمانية ليست مرادفا للصراخ، ولا تقاس قوتها بتصاعد حدة الأصوات أو حدة الاتهامات، وإنما بقدرتها على تفكيك البرنامج الحكومي، وكشف اختلالاته وتقديم البدائل الواقعية، ومساءلة الوزراء بالحجة والوثيقة والأرقام، لأن المعارضة القوية هي التي تحرج الحكومة بأسئلتها الدقيقة، وتضعها أمام مسؤولياتها السياسية والاجتماعية، وتدفعها إلى مراجعة قراراتها متى ثبت قصورها، لا تلك التي تستهلك الوقت المخصص لمساءلة الحكومة في ملاسنات فارغة لا تقدم شيئا للمواطنين الذين ينتظرون إجابات حول حياتهم اليومية المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم ومحاربة الفساد.

بالمقابل الأغلبية الحكومية مطالبة بدورها بالتحلي بروح المسؤولية، وعدم الانجرار إلى الاستفزازات أو تحويل الجلسات البرلمانية إلى مواجهات شخصية، ما يعطي صورة سلبية عن المؤسسة التشريعية، التي من المفروض أن تكون فضاء للنقاش الجاد والمسؤول والمساهمة في رفع الوعي السياسي وإعادة الثقة في العمل السياسي وفي المؤسسات الدستورية للبلاد.

ما عاشه مجلس النواب، في بداية ولايته الحالية، يؤكد تراجع مستوى النخب البرلمانية التي تمارس التشريع والرقابة على الحكومة، وأصبحت المعارضة تمارس من أجل المعارضة فقط، بالصراخ والمزايدات الفارغة عوض ممارسة النقد البناء وتقديم الأفكار والمقترحات الوجيهة لتحرج بها الحكومة وأغلبيتها أمام المواطنين.

ومن بين الانتقادات الموجهة لفرق المعارضة أنها غير قادرة على ممارسة دورها الدستوري في مراقبة العمل الحكومي، وخير دليل على ذلك مستوى النقاش الذي يروج تحت قبة البرلمان. وهذا طبيعي، لأن الأحزاب السياسية أصبحت عاجزة عن إنتاج نخب وأطر في المستوى، وأضحت تراهن على «أصحاب الشكارة» لضمان حصتها من المقاعد البرلمانية. وهذا في حد ذاته يشكل تهديدا حقيقيا بإفلاس الحياة السياسية وتدني مستوى الوعي السياسي لدى النخب الحزبية، التي تسهر على تدبير وتسيير الشأن العام من خلال المناصب الانتخابية.

ويتضح، من خلال مقتضيات الدستور المغربي الجديد، أن المعارضة البرلمانية تتمتع بوضعية دستورية متميزة، حيث بإمكانها، بقوة الدستور، أن تشارك في التشريع كما في الرقابة على العمل الحكومي. وهذا الأمر فيه رفع للحيف والتهميش الذي كان يمس المعارضة في ظل الدساتير السابقة، فالوسائل والآليات، التي كان منصوصا عليها في الدساتير السابقة، لم تكن لتمكن المعارضة من القيام بمهامها.

غير أن المثير للاستغراب، وأمام كل هذه الحقوق والصلاحيات الدستورية، أن بعض الفرق البرلمانية تعتبر المعارضة هي الصراخ تحت قبة البرلمان بانتقاد كل شيء من أجل لا شيء.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى