
يلاحظ المتتبع لبرامجك الأثيرية أو المرئية أنك تخرج عن النمط المألوف، خاصة في حواراتك، إذ تحرص على استضافة أشخاص نادرا ما تسلط عليهم الأضواء، «ناس الهوامش»، لماذا اخترت هذا الخط التحريري؟
لست متحمسا للبرامج التي تستضيف شخصا يعرض علينا أفكاره ومشاريعه وما حققه من إنجازات، أو تلك التي تكرر نفسها وتبعث الملل أحيانا في نفس المتلقي. كانت لي جلسة مع خالد مشبال في إذاعة طنجة، وقلت له «كفى» من البرامج الثقافية والفنية، واقترحت عليه أن تنزل الإذاعة إلى السفح لتعيش معاناة المهمشين وتتقاسم معهم هواجسهم وانشغالاتهم وأحلامهم. استضفت أشخاصا لم يسبق لهم أن دخلوا الإذاعة أو خضعوا لحوار صحافي، ومنهم من لم يستمع إطلاقا للراديو أو لا يملكه. أذكر أنني بحثت عن أقزام طنجة واستضفت ثلاثة منهم، أتذكر يوسف، الذي كان يغني في أحد فنادق المدينة وكيف شد البرنامج اهتمام المستمعين ومن أعلى المستويات. في السياق ذاته أجريت حوارات مع أخطر المعتقلين في سجن طنجة وكانت حلقة مباشرة، لأن لي قناعة راسخة بأنه لا يمكن أن يكون المرء سيئا مائة بالمائة، لابد من مساحة مشرقة في دواخله.
البرنامج الإذاعي «صور من البادية» عالج قضايا البادية المغربية من منظور آخر..
نعم كانت معالجة مختلفة تماما عن المألوف في التعاطي الصحافي مع البادية المغربية، لم يكن هدفي تحقيق المتعة للمستمع أو المشاهد، بل الغوص في الأعماق كي لا أبقى سطحيا في المعالجة الإعلامية للبادية. لم أهتم بمشاكل العزلة وغياب المسالك الطرقية ولا الإنارة ولا الأسواق، لأنني أعمل بفكر ميشال فوكو البنيوي حتى في عملي الإعلامي.
ما رأيك في التحول الذي يعرفه المشهد الإعلامي، والذي أصبح يسعى للإثارة؟
المغرب تغير، ومن الطبيعي أن تتغير المفاهيم في ظل الثورة التكنولوجية، لكن التغيير ليس بالضرورة مثمرا. كان حس المواطنة حاضرا في كل مناحي الحياة، وهو ما يجعلنا نتساءل: هل الزعامات السياسية بالأمس هي نفسها اليوم؟ هل معلم الأمس هو معلم اليوم؟ هل ملاعب كرة القدم التي أنتجت فرس وغيره لا زالت حبلى بالمواهب؟ هل مستوى البكالوريا أمس هو نفسه اليوم؟ وأين نحن من فناني زمان وملحني زمان؟
حين كنت صغيرا كنت مواظبا على سماع الراديو، وحين كنت أسمع اسمي مشاركا في برامج إذاعية، يتملكني شعور غريب، خاصة في برنامج «ناشئة الأدب» الذي كان يقدمه وجيه فهمي صلاح، أو في برنامج كان يقدمه ادريس الجاي بصوته الجهوري بمشاركة فتح الله المغاري..
ما السبب الذي عجل بانفصالك عن الإذاعة، سواء في تجربة إذاعة طنجة أو «ميدي1»؟
إذا كان هناك تكامل بيني وفريق العمل في إذاعة طنجة، فإنني أستمر وأبدع في إنتاجاتي، وفعلا كان الانسجام والتكامل حاصلا مع مشبال والسوسي والغربي، لكن المقابل المالي كان هزيلا. ما كنت أتقاضاه في سنتين داخل إذاعة طنجة، تقاضيته في شهر واحد بمحطة «ميدي 1».
لكن لماذا غادرت «ميدي 1»؟
كنت أقدم برنامجا بعنوان «خواطر فنية» أسلط فيه الضوء على أعمال فنية خالدة، سيما الأغنية العربية، وفي إحدى الحلقات قمت بتسجيل حلقة خاصة حول المطرب العراقي ناظم الغزالي، لكن بيير كازالطا، مدير إذاعة البحر الأبيض المتوسط، طلب مني عدم بث الحلقة، بسبب اجتياح العراق للكويت، أثناء حرب الخليج. فقط لأن الغزالي عراقي. على الفور كتبت بيانا صحافيا أعلنت فيه مغادرتي «ميدي1» بعد ستة أشهر من الاشتغال.
ستعود من جديد إلى إذاعة طنجة..
عدت إليها بإلحاح من المدير العام للإذاعة الوطنية، عبد الرحمان عاشور، وتزامنت عودتي مع تعيين محمد البوكيلي، حيث استضفت في أول حلقة فنان الجبل الشيخ الكرفطي، قال البوكيلي في مستهل الحلقة: «نحن نبارك عودتك إلى الإذاعة» وانسحب وترك لي استكمال الحلقة، وفي 2017 خلدت للراحة.
كيف حط بنيحيى الرحال في «كاب راديو»؟
التحاقي بـ«كاب راديو» كان بإلحاح من بعض الزملاء، قررت أن أعود إلى الميكروفون ببرنامج «بعد منتصف الليل»، لكن الأخت التي أحترمها وأقدرها، لطيفة أخرباش، اقترحت أن يحمل البرنامج اسمي «مع عبد اللطيف بن يحيى»، فيه نبش في ذكرياتي، وللأمانة فكلما كنت أغادر الميكروفون أنشغل بالشعر، وهذا من حسنات الانفصال.. رب ضارة نافعة.





