حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

«صوگان العيالات»

 

لم تكن معركة المرأة عبر التاريخ مجرد صراع من أجل الجلوس خلف مقود سيارة، أو الإمساك بعصا قيادة طائرة أو اعتلاء كرسي السلطة. كانت، في جوهرها، معركة حول حقها في تحديد الوجهة، بعدما اعتاد العالم أن يختار لها الطريق، ويضبط سرعتها ويقرر متى ينبغي أن تتوقف، بل ويحتفظ لنفسه بحق سحب رخصتها كلما اشتبه في أنها تسير باستقلالية مفرطة.

ولعل المفارقة أن المرأة التي عهد إليها المجتمع، منذ قرون، بقيادة الأسرة وتدبير شؤونها، وتربية أجيال كاملة على فنون العبور الآمن في الحياة، ظلت مطالبة بإثبات أهليتها كلما تعلق الأمر بقيادة شيء له عجلات أو أجنحة أو صلاحيات دستورية.

في الغرب لم تكن قيادة السيارة امتيازاً متاحاً للنساء منذ البداية دون اعتراض اجتماعي. صحيح أن بيرتا بنز خاضت سنة 1888 رحلة تاريخية بإحدى أولى السيارات، وأسهمت في إثبات جدوى اختراع زوجها، لكن الطريق إلى الاعتراف باستقلالية المرأة في التنقل ظل محفوفاً بالأحكام المسبقة. كان خروجها وحدها إلى الطريق يبدو للبعض خروجاً عن الطريق المرسوم لها أصلاً. ولم تكن المشكلة في قدرتها على التحكم في المحرك، بقدر ما كانت في قدرتها على التحكم في مصيرها.

وفي العالم العربي اتخذت المعركة مسارات مختلفة تبعاً للسياقات الاجتماعية والسياسية. ففي المغرب ارتبط حضور المرأة خلف المقود بتحولات التعليم والعمل والتمدن، ولم يكن الحصول على رخصة السياقة رهين رفع حظر قانوني عام، كما حدث في السعودية سنة 2018. ومع ذلك لم تكن الرخصة كافية دائماً لإقناع بعض الركاب بأن السائقة تعرف وجهتها. فالمجتمعات قد تعترف للمرأة بحق القيادة قانونياً، ثم تحتفظ لنفسها بحق التعليق على كل منعطف تتخذه.

أما في السعودية فاكتسب رفع الحظر عن قيادة النساء دلالة تتجاوز حرية التنقل. لم يكن الأمر مجرد انتقال من المقعد المجاور إلى مقعد السائق، بل انتقالاً رمزياً من الوصاية على الحركة إلى الاعتراف بحق المرأة في تدبير جزء من حياتها اليومية. فالسيارة، التي تبدو في ظاهرها آلة للنقل، قد تتحول، في سياقات معينة، إلى مساحة للحرية الشخصية.

ولأن الأرض لم تكن كافية لاختبار كفاءة النساء، امتدت الرحلة إلى السماء. فمن هارييت كويمبي، أول أمريكية تحصل على رخصة طيران سنة 1911، إلى لطفية النادي، أول مصرية تنال رخصة طيران سنة 1933، وصولاً إلى ثريا الشاوي، رائدة الطيران المغربية التي حصلت على رخصتها سنة 1951، لم تكن النساء يقدن الطائرات فحسب، بل كن يحلقن فوق سقوف اجتماعية اعتُقد طويلاً أنها أعلى من أن تُخترق.

المثير أن المرأة استطاعت إتقان التحليق في السماء، بينما ظل البعض يخشى عليها من الضياع في أول ملتقى طرق. وكأن الجاذبية الأرضية أقل خطراً من استقلالية القرار النسائي.

لكن أكثر أشكال القيادة إثارة للجدل يبقى ذلك الذي لا يحتاج إلى محرك أو جناحين، بل إلى سلطة القرار. فالمرأة التي تقود أسرة بأكملها، وتدير ميزانيتها، وتواجه أزماتها وتؤمن استمراريتها، تجد نفسها، أحياناً، موضع مساءلة مضاعفة عندما تنتقل إلى قيادة مؤسسة أو حكومة.

وقد شهد العالم وصول نساء إلى رئاسة الحكومات والدول، من إنديرا غاندي ومارغريت تاتشر إلى أنغيلا ميركل، مروراً بتجارب عربية من بينها نجلاء بودن في تونس. وفي المغرب يكتسب وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة حمولة رمزية خاصة، باعتباره امتداداً لمسار طويل من التحولات الحقوقية والاجتماعية والسياسية التي أعادت رسم موقع المرأة داخل مؤسسات القرار. فمن تدبير الشأن المحلي إلى قيادة الجهاز التنفيذي، لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في هوية الجالس خلف المقود، بل بتحول في الصورة الذهنية لمن يحق له الإمساك بمقود الدولة. هي تجارب متباينة في سياقاتها وحصيلتها، لكنها تشترك في أنها وضعت صورة المرأة القائدة أمام اختبار سياسي واجتماعي ظل الرجال، في الغالب، أقل اضطراراً لخوضه على أساس جنسهم.

ليس معنى ذلك أن النساء أكثر كفاءة بطبيعتهن، أو أن قيادتهن محصنة ضد الأخطاء. فالسلطة لا تمنح العصمة لأحد، والجدارة لا تُستمد من الهوية الجندرية. غير أن المفارقة تكمن في أن خطأ الرجل يُنسب غالباً إلى صاحبه، بينما يتحول خطأ المرأة، في بعض الخطابات، إلى دليل اتهام ضد جنس كامل.

وربما لهذا السبب تحديداً، دفعت الشكوك المتراكمة نساء كثيرات إلى تطوير مهاراتهن وإتقان أدوات القيادة، ليس فقط للوصول إلى الوجهة، بل لتفادي منح المتربصين فرصة التشكيك في أهليتهن. إنها ضريبة إضافية تجعل النجاح مطلوباً، والخطأ مكلفاً والتفوق، أحياناً، مجرد حد أدنى للقبول.

غير أن القيادة، في معناها الأعمق، لا تقاس بعدد الكيلومترات المقطوعة، ولا بارتفاع الطائرة ولا بطول البقاء في المنصب. إنها القدرة على اختيار الاتجاه وتحمل مسؤولية الوصول، بما في ذلك احتمال الانعطاف الخاطئ.

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مراجعة علاقته بصورة المرأة خلف المقود. ليس لأنها لا تخطئ الطريق، بل لأن حقها في القيادة لا ينبغي أن يكون مشروطاً بوصولها الدائم إلى بر الأمان.

فقد آن الأوان أن ينشغل الركاب بوجهتهم المشتركة، عوض الاستمرار في مراقبة جنس السائق. أما أولئك الذين لا يزالون يخشون قيادة المرأة، فربما عليهم أن يتذكروا أن الإنسانية قطعت معظم تاريخها تحت قيادة الرجال، ومع ذلك لم تنجُ دائماً من الحوادث.

وليس مطلوباً من المرأة أن تثبت أنها أفضل من الرجل خلف المقود، بل أن تتوقف البشرية عن اعتبار المقود ملكية ذكورية، والطريق إرثاً حصرياً والمرأة مجرد راكبة يُسمح لها، بين حين وآخر، باختيار الموسيقى.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى