حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الصحة في برنامج الحكومة

د. خالد فتحي

 

ما إن تسلمت النسخة المفصلة من البرنامج الحكومي، حتى وجدتني أطوي صفحاتها طيا، لأنتقل مباشرة إلى الفقرة المتعلقة بالصحة.

قرأتها، وأنا أقول في نفسي: ليس من الإنصاف أن نقرأها بعين لا ترى إلا الاختلالات التي لا تزال تعترض إصلاح المنظومة الصحية، كما ليس من الموضوعية أن نستقبلها باعتبارها خريطة طريق مكتملة، لمجرد أنها توفقت في الجمع بين مفردات الإصلاح والحكامة والرقمنة والعدالة المجالية.. وغيرها من المصطلحات التي اعتاد البعض استدعاءها من قاموس الإصلاح المعروف، من دون أن يستوعب بالضرورة عمق دلالاتها وشروط تنزيلها.

ذلك أن الصحة ليست مجالا يحتمل المزايدة السياسية، فهي تمس أكثر ما يملكه الإنسان: هشاشة جسده، وكرامته وحقه في العلاج حين يداهمه المرض. ومن هذا المنطلق، أرى أن هذه الفقرة تستحق قراءة مزدوجة: قراءة تنصف ما تحمله من أفكار تستجيب لحاجات حقيقية، وأخرى تتوقف عند بعض التناقضات والفجوات التي قد توسع المسافة بين طموح البرنامج وانتظارات المواطنين.

أول ما يحسب لهذا البرنامج أنه تجاوز، ولو على مستوى التصور، اختزال إصلاح الصحة في تعميم التغطية الصحية. فقد أدرك أن امتلاك بطاقة التأمين لا يعني بالضرورة امتلاك فرصة حقيقية للعلاج، وأنه اعتبر أن الحق في التغطية يفقد كثيرا من معناه عندما يظل المريض ينتظر موعدا لا يأتي، أو يبحث عن دواء غير متوفر، أو يجد نفسه مضطرا إلى التوجه نحو القطاع الخاص، لأنه لم يجد في المستشفى العمومي الخدمة التي يحتاجها والاستقبال الذي يرضيه. وهذه، في تقديري، نقطة قوة حقيقية لهذا البرنامج؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال عدد المستفيدين من التأمين إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا يجد المواطن فعليا عندما يحتاج إلى العلاج؟

ويحسب للنص الخاص بالصحة أيضا أنه لم يتجاهل أزمة جاذبية المستشفى العمومي، بل ربطها بنقص الموارد البشرية والتجهيزات والأدوية، وطول آجال الانتظار، وضعف تحصيل مستحقات التأمين الصحي، ليخلص إلى طرح هدف رفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلى 50 في المائة في أفق سنة 2031.

وبصرف النظر عن مدى قابلية هذا الهدف للتحقق، فإن أهميته تكمن في اعترافه بأن المستشفى العمومي لا يحتاج إلى خطاب التضامن وحده كما ألفنا سماع ذلك، بل إلى موارد مالية فعلية تمكنه من استعادة قدرته على العلاج والاستقطاب.

ومن الجوانب الإيجابية، أيضا، كون البرنامج لم يحصر الإصلاح في بناء المستشفيات واقتناء المعدات، بل قرر بأن الاستثمار الصحي لا تكون له قيمة كاملة إلا إذا اقترن بالأطباء والممرضين والأدوية والصيانة ووسائل التشغيل.

وهذه فكرة أساسية، لأننا لا نحتاج إلى مؤسسات صحية تبدو مكتملة في الصور، وإنما إلى مؤسسات تعمل بالفعل، وتستقبل المرضى، وتقدم العلاج في الوقت المناسب وبالجودة اللازمة. كما أن اعتماد الخرائط الصحية وتوجيه الاستثمار وفق الحاجيات السكانية والمجالية، يعكسان وعيا حكوميا بضرورة تجاوز التفاوت بين الجهات والمناطق. مثلما يستحق مشروع تطوير الرعاية الصحية الأولية، وإعطاء طبيب الأسرة دورا محوريا وقدرا مماثلا من التقدير. فالمنظومة التي تجعل المستشفى بوابة الدخول الأولى لكل مريض تستنزف إمكاناتها في حالات يمكن التكفل بها في المراكز الصحية الأكثر قربا، وتثقل كاهل المصالح المتخصصة بما لا يدخل دائما ضمن اختصاصها. في حين أن تتبع الأمراض المزمنة، والكشف المبكر، وتنظيم الإحالة إلى الاختصاصيين على هذا المستوى، فيمكنه بالتأكيد  أن يحسن جودة العلاج ويقلص الهدر. وهذه تجارب سبقتنا إلى إثبات فاعليتها دول عظمى.

يتعزز هذا التوجه الايجابي أيضا  لما يقترحه البرنامج كذلك بشأن الملف الطبي المشترك والرقمنة وتدبير المواعد والأسرة الاستشفائية، إلى جانب الاهتمام بالصحة النفسية، والأمن الدوائي، وتطوير الموارد البشرية. لكن تعداد هذه الأهداف وتثمينها يقتضي ألا نخلط بين جودة الفكرة وضمان نجاحها. فهنا تحديدا يندلع النقاش الحقيقي وتبدأ الأسئلة الصعبة.

أبرز مفارقات البرنامج أنه يعترف بأن توسيع التغطية الصحية سبق تطور العرض العمومي، ثم يقدم إصلاح العرض، باعتباره أحد رهانات المرحلة المقبلة. لا يتعلق الأمر بتناقض منطقي بالمعنى الحرفي، بقدر ما يتعلق باختلال في الترتيب والتزامن بين توسيع الحق وتوفير شروط ممارسته. وإذا كان المواطن قد أصبح مؤمنا دون أن يجد طبيبا أو دواء أو موعدا مناسبا، فإننا نكون قد وسعنا دائرة الاستفادة القانونية من دون أن نضمن بالقدر نفسه الاستفادة الفعلية. والسؤال هنا ليس لماذا نوسع التغطية الصحية؟، بل لماذا لم يواكب هذا التوسع، بالسرعة المطلوبة، تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية بما يكفي لاستيعاب الطلب الجديد؟

وتبرز مفارقة أخرى في العلاقة بين استعادة دور المستشفى العمومي والاستعانة بالقطاع الخاص. فمن جهة، يريد البرنامج رفع حصة المؤسسات العمومية من نفقات التأمين الصحي وتعزيز جاذبيتها، ومن جهة أخرى يفتح المجال أمام شراكات مع القطاع الخاص، لسد الخصاص في بعض المناطق والتخصصات. وقد تكون هذه الشراكات ضرورية، بل مفيدة، ليس في ذلك شك، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بحاجيات عاجلة لا يمكن تلبيتها فورا. غير أن الحل المؤقت قد يتحول إلى اعتماد دائم إذا لم يربط بجدول زمني واضح، وبالتزامات محددة لتقوية القدرات العمومية. وهنا ينبغي ألا نكتفي بالسؤال عن عدد الخدمات التي ستقدمها الشراكات، بل أن نسأل أيضا: هل ستبني قدرة عمومية مستدامة، أم ستدبر العجز القائم من دون أن تعالجه من جذوره؟

الرهان المالي بدوره من أكثر جوانب البرنامج حاجة إلى التوضيح. فرفع حصة القطاع العمومي إلى 50 في المائة هدف طموح، لكن بلوغه لا يتوقف على إعلان النية. إنه يفترض تحسن جودة الخدمات، واستعادة المرضى، وتطوير الفوترة والتحصيل، وتوفير الموارد اللازمة لتشغيل المؤسسات. كما أن ارتفاع حصة المستشفى العمومي من نفقات التأمين لا يعني تلقائيا تحسن صحة المواطنين، ما لم ينعكس على آجال الانتظار وتوفر الأدوية ونتائج العلاج.

البرنامج، في النص المعروض، لا يقدم كذلك ميزانية إجمالية مفصلة تربط مختلف التزاماته بمصادر تمويلها وتكاليف استمرارها. فبناء المؤسسات وتأهيلها شيء، وضمان تشغيلها وصيانتها وتوفير أطرها وأدويتها لسنوات شيء آخر تماما.

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحا حين نصل إلى الموارد البشرية. فالبرنامج يطمح إلى بلوغ 35 مهنيا صحيا لكل عشرة آلاف نسمة في أفق سنة 2031، ويقترح تحسين التحفيزات، وتطوير المسار المهني، والاستعانة بالكفاءات المغربية بالخارج والأطباء الأجانب. غير أن الرقم المستهدف يحتاج إلى خطة سنوية واضحة تحدد عدد الأطباء والممرضين والاختصاصيين المطلوب تكوينهم وتوظيفهم، وتبين كيفية توزيعهم والاحتفاظ بهم، سيما في المناطق التي يصعب استقطاب الأطر إليها. فلا يمكن إصلاح منظومة صحية تعاني الخصاص بمجرد إعادة تنظيم المسؤوليات أو رقمنة الخدمات؛ فالطبيب الذي لا يوجد، والممرض الذي لا يتوفر، لا تستطيع أي منصة رقمية أن تعوض غيابهما.

ولا يقل عن ذلك أهمية السؤال المتعلق بالمجموعات الصحية الترابية. فمنحها دورا أوسع في التدبير الجهوي قد يتيح قرارات أكثر قربا من حاجيات السكان، لكن نجاحه يظل رهينا بتوضيح الصلاحيات، وضمان التمويل، وتحديد المسؤولية عند الإخفاق، ومنع تحول اللامركزية إلى تفاوت جديد بين الجهات. فالعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد توزيع الاختصاصات، وإنما بتوفير الإمكانات التي تسمح لكل جهة بتقديم خدمات ذات مستوى مقبول.

ويظل المواطن، في نهاية المطاف، هو المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به جميع هذه الإصلاحات. فالرقمنة ليست غاية في ذاتها، وطبيب الأسرة ليس حلا، إذا أصبح المرور عبره مرحلة إضافية من الانتظار، والتمويل ليس إنجازا إذا لم يخفف العبء عن الأسر. لذلك يحتاج البرنامج إلى مؤشرات معلنة لقياس آجال المواعد، وتوفر الأدوية، ونسبة العمليات المؤجلة، ومدة إصلاح التجهيزات، وحصة النفقات التي تتحملها الأسر، ومدى رضا المرضى. كما يحتاج إلى آليات واضحة لنشر النتائج ومحاسبة المسؤولين عن التأخر، وإشراك المواطنين في تقييم الخدمات التي تقدم إليهم.

في تقديري، لا يستحق هذا البرنامج الرفض لمجرد أن الواقع الصحي يعاني اختلالات عميقة، ولا يستحق التصفيق لمجرد أنه صاغ لها حلولا متعددة. قوته أنه يقدم تصورا واسعا يربط التمويل بالحكامة، والعلاج بالوقاية، والبنية التحتية بالموارد البشرية، والرقمنة بمسار المريض. ومكمن ضعفه أن هذا الطموح يحتاج إلى ترجمة أكثر دقة إلى ميزانيات، وآجال، وأهداف مرحلية، ومؤشرات قابلة للتحقق، وضمانات للمساءلة.

وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن الاختبار الحقيقي للبرنامج لن يكون في عدد المستشفيات التي ستدشن، ولا في عدد المنصات الرقمية التي ستُطلق، ولا حتى في نسبة التغطية الصحية التي سيعلن عنها، بل في مشهد أبسط وأكثر دلالة: مريض يجد طبيبا حين يحتاج إليه، ودواء حين يصفه له الطبيب، وسريرا حين تستدعي حالته الاستشفاء، ولا يضطر إلى بيع ما يملك، أو الاستدانة حتى يتعالج.

هناك فقط يصبح الإصلاح حقيقة اجتماعية، لا مجرد التزام سياسي. وهناك فقط يمكن القول إن الدولة لم توسع حق المواطن في التأمين فحسب، بل اقتربت فعلا من ضمان حقه في العلاج بكرامة. وهذا، في النهاية، هو المعيار الذي ينبغي أن نحاسب به البرنامج والحكومة، بعيدا عن التبخيس والتبرير معا.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى