
يونس جنوحي
المسلسل الإيراني- الأمريكي اتخذ مسارا يصعب على نوابغ «السيناريو» في عالم السينما العالمية أن يقلدوا «عُقده» ومطباته.
لم يكن أحد ينظر إلى باكستان على أنها طرف في هذه الحرب، ورغم ذلك فإنها الآن واحدة من الدول الأكثر تضررا من الحرب الأمريكية- الإيرانية.
نشرت الصحيفة اليونانية «Greek Times» مقالا مهما رصدت فيه مختلف التحولات وتداعيات الوساطة الباكستانية لحل الأزمة الأمريكية- الإيرانية. وقالت الصحيفة: «باكستان قد يكون البلد الأكثر تضررا في العالم، باستثناء العراق، الذي واجه مخاطر غير مباشرة وعواقب العمليات العسكرية المكثفة في الشرق الأوسط».
يعزو المقال هذا الاستنتاج إلى أن باكستان تعاني حاليا من عواقب الدور الذي حاولت لعبه في الأشهر السابقة لإنهاء الحرب، على الجبهتين الداخلية والخارجية. فالتطرف والتحديات الأمنية والإقليمية كانا دائما يقضان مضجع الباكستانيين باعتبارهما تحديات داخلية، تنضاف إليها الآن الهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي.
الحرب الأمريكية- الإيرانية ساهمت، أيضا، في تفاقم التعبئة الطائفية في باكستان. ولا يجب إغفال أن باكستان تعتبر ثاني أكبر تجمع شيعي في العالم بعد إيران، حيث يمثل الشيعة حاليا حوالي 15 بالمئة من إجمالي سكان البلاد. وهكذا فكلما أمطرت السماء في إيران، لا بد أن تُفتح المظلات في إسلام آباد.
ورغم مقترح الوساطة الذي تدافع عنه باكستان، فإن مظاهرات عنيفة اندلعت في البلاد أخيرا، ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، في مختلف المدن الباكستانية، وأقواها محاولات المتظاهرين اقتحام القنصلية الأمريكية في كراتشي، ما تسبب في وفاة عشرين شخصا بسبب استعمال القوة أثناء قمع المتظاهرين. وهو ما أدى إلى «تفاقم العداء تجاه الحكومة» التي كانت تواجه سابقا انتقادات بسبب ميلها نحو الولايات المتحدة مع تراجع دعم إيران.
الداعمون لباكستان كانوا، إلى وقت قريب، يرون في دور الوساطة الباكستانية توهجا دوليا وتحسنا في مكانتها العالمية، لكن تداعيات هذا الدور أضرت بمصالح الباكستانيين في الداخل والخارج أيضا.
الصراع الآن بين شيعة باكستان وسنتها على أشده. علماء السنة الباكستانيون يلقبون شيعتها بأنهم «عملاء إيرانيون»، والمناطق الحدودية المتاخمة لإيران صارت مشتعلة. ورصدت الصحافة الدولية، في تقارير مفصلة، أنشطة غير قانونية على الحدود منذ بدء القصف الأمريكي على إيران.. أنشطة من قبيل التهريب والاتجار في الممنوعات، وأصبحت الجماعات المتطرفة، مثل «البلوش» الانفصالية، تتحرك بحرية أكبر وتمارس أنشطتها الانفصالية عبر الحدود، وهو ما يضر بباكستان بشكل مباشر ويضعفها داخليا.
هذه التطورات على الحدود أضافت عبئا ثقيلا على عاتق قوات الأمن الباكستانية المنشغلة أصلا بأنشطة الجماعات المتطرفة في الداخل.
المواطنون الباكستانيون البسطاء، وحدهم يؤدون ثمن الوساطة الباكستانية التي شغلت عناوين الصحف العالمية طيلة الأشهر القليلة الماضية. أصبح الشارع الباكستاني يعاني من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب مشاكل النقل وقطاع التصنيع، ينضاف إليها مشكل انقطاع التيار الكهربائي، مع تفاقم المشكل الأكبر: ازدياد نسبة البطالة.
بدا واضحا أن الحرب الإيرانية- الأمريكية دارت معاركها الحامية في قلب باكستان التي تدفع الآن ثمن «الوساطة» من رصيد استقرارها الداخلي.. هناك حرب أمريكية على إيران، لكن الباكستانيين يدفعون الثمن منذ البداية.





