
عبرت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، الذي يصادف 24 يناير من كل سنة، عن قلقها بشأن ما وصفته بالأزمة العميقة التي تمس الحق في تعليم منصف وجيد، والتي تسائل جدوى السياسات العمومية المعتمدة في مجال قطاع التربية والتعليم، والذي يفرض الاعتراف بأن المدرسة العمومية تعيش وضعًا مقلقًا، سيما أن المعطيات الرسمية الحديثة لسنتي 2024 و2025 تشير إلى أنه لا يزال أزيد من 300 ألف من المتمدرسين يغادرون مقاعد الدراسة سنوياً، غالبيتهم من السلكين الإعدادي والثانوي التأهيلي، وهو رقم اعتبرت الهيئة الحقوقية المذكورة أنه يعكس وجود فشل بنيوي في ضمان الاستمرارية التعليمية، ويجعل المدرسة العمومية آلية لإعادة إنتاج الهشاشة والفقر، عوض أن تكون فضاء للحماية الاجتماعية.
وأوضح بيان صادر، في الموضوع، عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن الفشل البنيوي في ضمان الاستمرارية التعليمية يتجسد بشكل أوضح داخل المجال القروي وبالمناطق الجبلية وشبه الحضرية، حيث لا تزال المؤسسات التعليمية تعاني من ضعف البنيات التحتية، وغياب النقل المدرسي، وقلة الداخليات وانعدام شروط السلامة بالنسبة لبعض المدارس، وأن ذلك لا يتعلق بحوادث معزولة وإنما بواقع موثق يتكرر كل موسم دراسي، مثلما يشكل الاكتظاظ السمة البارزة للفشل المشار إليه، حيث تضم بعض الفصول أكثر من 45 تلميذاً، ما يشير إلى غياب منظومة بيداغوجية واضحة المعالم وغموض في الرؤية، لكون العلاقة الثلاثية بين المدرّس والمنهاج والمتعلّم، أضحت علاقة مفككة وغير متناغمة، في وقت يُطالَب المدرّس بتحقيق أهداف غير مصاغة بوضوح، ويُفرض منهاج مثقل بالمضامين وضعيف الارتباط بواقع المتعلّم، فيتحول هذا الأخير إلى متلقٍّ سلبي بدل أن يكون محور العملية التعليمية. وأشارت الهيئة الحقوقية المذكورة، كذلك، إلى أن غياب تحديد دقيق للغاية من العملية التعليمية، وعدم ربطها بوسائل بيداغوجية متناسقة، يجعلان من برامج الإصلاح المعلن عنها مجرد تعديلات تقنية معزولة.
وانتقدت العصبة المغربية التأخر في تعميم مشروع المدرسة الرائدة، الذي يطرح بشأنه التساؤل حول مبدأ تكافؤ الفرص في المنظومة التعليمية، وما يترتب عنه من تفاوت في جودة التعلمات بين المتعلمين، وتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية وتكريس عدم المساواة بين أبناء الوطن الواحد، واعتبرت أن نتائج التقييمات الدولية، وآخرها تلك المعتمدة خلال السنوات الأخيرة، كشفت عن مستويات مقلقة في التحصيل لدى المتعلمين المغاربة، خاصة في القراءة والرياضيات والعلوم، وظل ترتيب المغرب متأخرًا مقارنة بدول ذات إمكانيات مشابهة، ما يفرض قراءة النتائج المعلن عنها باعتبارها مؤشرا على عمق الأزمة التعليمية، وعلى محدودية الأثر الحقيقي للإصلاحات التي لم تنجح في تغيير جوهر المنظومة. وبينما يجري الحديث المتزايد عن الرقمنة وما يفرضه التحول الرقمي، لا تزال مجموعة من المؤسسات التعليمية تفتقر إلى الربط الجيد بالأنترنت وإلى التجهيزات الأساسية، في حين تعاني فئات واسعة من التلاميذ من فجوة رقمية حقيقية برزت بحدة خلال فترات التعليم عن بعد.
وأضاف بيان الهيئة الحقوقية أن المنظومة التعليمية تعاني من اختلالات واضحة في عملية الولوج إلى التعليم الأولي، الذي، بحسبها، بقي غير متكافئ رغم التقدم المسجل، إذ تشير المعطيات إلى أن فئات واسعة من الأطفال، خصوصا في المناطق الهشة، ما زالت خارج هذا المسار التأسيسي الحاسم، وأن الاختلال المسجل امتد ليشمل العاملين في قطاع التعليم، الذين يتحملون العبء الأكبر في ظل أوضاع مهنية واجتماعية صعبة، بحكم أن آلاف المدرسين يشتغلون في إطار أنماط توظيف غير مستقرة، ويعانون من ضعف الأجور مقارنة بتكلفة المعيشة، وغياب التحفيز وضغط إداري متزايد، إضافة إلى محدودية التكوين المستمر.
ومن ضمن التوصيات، التي تضمنها البيان الصادر عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، ما يتعلق بجعل التعليم أولوية فعلية في السياسات العمومية عبر رفع الميزانية المخصصة له وربطها بتحسين الجودة لا بتوسيع الكم فقط، ومحاربة الهدر المدرسي بسياسات اجتماعية مندمجة تشمل الدعم المباشر للأسر، وتوسيع النقل المدرسي والداخليات، خاصة في العالم القروي، وبتحسين الوضعية المهنية والمادية للمدرسين، وضمان الاستقرار الوظيفي والتكوين المستمر، وكذا العمل على تقليص الاكتظاظ داخل الأقسام، وتأهيل البنيات التحتية، مع ضمان شروط السلامة والكرامة داخل المؤسسات التعليمية. مثلما طالبت الهيئة الحقوقية المذكورة بإعادة ربط التعليم بسوق الشغل عبر مراجعة المضامين والتخصصات، وتعزيز التكوين المهني والبحث العلمي، والحرص على معالجة الفجوة الرقمية من خلال ضمان الولوج العادل للتكنولوجيا والأنترنت داخل المؤسسات التعليمية وفي صفوف المتعلمين.





