
مصر، أقرب دولة عربية إلى قلب المغاربة. فمنذ عقود طويلة تعرفنا إلى آدابها وفنونها ومسرحها ومطبخها ولهجتها وتاريخها ومدنها وحاراتها. ذلك أنني أنتمي إلى جيل لم يكن فيه خيار القنوات الفضائية متاحا، ولا التطبيقات الرقمية، ولا الإنترنت. آنذاك كانت الصحافة الورقية والقناة التلفزيونية العمومية هما مصدر الأخبار والترفيه، كما كانت البرمجة تضم أفلاما ومسلسلات مصرية متقنة في الإخراج والسيناريو والحبكة. وفي المقابل، كانت مكتباتنا ممتلئة بروايات وكتب المبدعين المصريين، مما جعلنا نألف اللهجة المصرية ونستأنس بها.
زرت جمهورية مصر العربية عدة مرات، ومنذ الزيارة الأولى إلى القاهرة لم أشعر أنني في بلد أجنبي؛ بل أحسست بألفة خاصة، وكأنني أتنقل في فضاء أعرفه سلفا، جزأ من المألوف لا غريبا عنه.
وأظن أن مصر كانت الدولة الوحيدة التي كان يكفي أن تكون عربيا لتستفيد من امتيازات دخول المتاحف والمعالم السياحية بثمن رمزي؛ إذ كان السائح العربي يدفع الرسوم نفسها التي يدفعها المواطن المصري، وهو ما عكس، لسنوات، روحا من التقارب الثقافي والانتماء المشترك.
لا نزور كل الدول بالطريقة نفسها، فلكل زيارة دوافعها ومحفزاتها، ولكل مدينة حكايتها الخاصة. زرت جمهورية مصر العربية مرارا، وزرت أغلب مدنها، غير أن القاهرة تظل الأقرب إلى قلبي. كانت زيارتي الأولى لها قبل أكثر من عشرين عاما، ثم توالت الزيارات، وكان آخرها قبل أربعة أشهر. وخلال هذه السنوات شهدت تحولاتها وتطوراتها؛ فتهت في أزقة خان الخليلي، وتجولت في حي السيدة زينب، ومررت بميدان العتبة وشارع رمسيس، ووصلت إلى ميدان التحرير، كما زرت سور الأزبكية الشهير ببيع الكتب القديمة والمستعملة. وجلت في المعادي والمهندسين والجيزة، وفي أماكن وفضاءات كنت قد تعرفت إليها عبر الشاشة والكتاب قبل أن أطأها بقدمي.
التقيت بأناس تطورت علاقتي بهم من صداقة إلى أخوة؛ لذلك لم أشعر يوما أنني أجنبي. بالأمكنة هناك ليست مجرد فضاءات جغرافية، بل هي أيضا امتداد لما شاهدناه في المسلسلات والأفلام، وما قرأناه في روايات نجيب محفوظ وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس؛ إذ شكلت أعمالهم جسرا ثقافيا متينا بين القارئ العربي والميتروبول المصري.
وتذكرت دائما مشروع الوحدة العربية لدى جمال عبد الناصر، ذلك الحلم القومي الذي سعى إلى توحيد الأقطار العربية؛ ومن ثم قامت الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا لمدة ثلاث سنوات، قبل أن تنتهي التجربة لأسباب سياسية معروفة. كان مشروعا رومانسيا جميلا، لا يزال بعض مثقفي مصر الذين التقيتهم مؤخرا يستحضرون وهم يعلقون على قرار تعديل رسوم زيارة المعالم.
فقد كانت القرارات التفضيلية تشمل سابقا دخول المتحف المصري وقلعة صلاح الدين وأهرامات الجيزة وغيرها من المواقع الأثرية، بحيث يستفيد الزائر العربي من رسومٍ رمزية. غير أن الأمر تغير مؤخرا؛ إذ علمت، خلال زيارتي الأخيرة في خريف السنة الماضية، أن الحكومة قررت إلغاء القرار السابق. وبناء عليه، أصبح الزائر العربي يعامل معاملة الأجنبي، وقسمت الأسعار إلى فئتين، مصريون وأجانب، وذلك ابتداء من يناير 2026.
عندما سمعت ذلك، لم أبد تحسرا، بل اعتبرته قرارا سياديا يحترم. ففي نهاية المطاف، لكل دولة أولوياتها الاقتصادية، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف تسيير وصيانة المتاحف وأماكن الذاكرة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مصر، عبر سياستها السابقة في رسوم دخول السياح العرب خلال العقدين الأخيرين، جسدت عمليا مبدأ الأخوة الثقافية. لقد برهنت، من خلال تلك المقاربة، على أن التقارب الثقافي في المتاحف، كما في السينما والأدب، ليس مجرد قوة ناعمة للتأثير، بل يمكن أن يكون أيضا حافزا فعليا على السفر واكتشاف الأمكنة التي أبهرتنا يوما على الشاشة وفي صفحات الروايات.





