
يونس جنوحي
«الطاعون»، ثم «القيامة»! هل تصدقون أن جريدتين كانتا تصدران في المغرب تحملان العنوانين أعلاه على التوالي؟
«الطاعون» أصدرها شريف إدريسي قبل 1912، في سياق الجيل الأول المؤسس للنشر سنة 1889. ورغم أن القاعدة تقول إن العنوان يلخص المشروع، بدا واضحا أن صاحبنا، رحمه الله، كانت لديه نظريته الخاصة في التعامل مع لعنة الطاعون واختار أن يُسمي جريدته باسم أحد أخطر الأوبئة في التاريخ. قضى العالم على الطاعون باختراع لقاح للمرض، بينما تكلف التاريخ بطي صفحات «الطاعون»، الجريدة التي كانت مزعجة بشهادة من تعاملوا معها وراسلوها بغرض نشر رسائلهم قبل حتى أن يوجد سعاة بريد مغاربة!
أما «القيامة» فجريدة تأسست سنة 1953، في زمن مغربي عصيب. سلطان منفي وسطلة تائهة ومقيم عام لا يفرق بين الثكنة والشارع العام.
جاءت «القيامة» بخط تحريري موال للمقيم العام. فرنسا اختارت أخيرا أن تخاطب المغاربة بلغتهم. وهكذا خصصت صفحتها الأولى دائما لأنشطة السيد -سعادة- المقيم العام ولقاءاته وخطاباته.
ورغم أن ما كان يمارسه المقيم گيوم لم يكن مسموحا بنشره، إلا أن الجريدة نشرت كل ما من شأنه أن يظهر المقيم العام بصورة الصديق الوفي للمغاربة.
وفي وقت كان رجاله يحررون التعليمات للأمن بمحاكمة الوطنيين وإعدام الفدائيين، كانت الصحيفة تنشر مقالات عن استقبال المقيم العام بالورود في مدن لا مكان لفرنسا بين أهلها.
تزامن صدور القيامة مع «قيامة» حقيقية، تمثلت في اعتقال صحافيين من الحركة الوطنية وإغلاق صحف تابعة لها. وفي الوقت الذي جمدت فيه الصحف العربية الموالية للوطنيين، منحت لـ«القيامة» مساحة واسعة. ترف كبير تمثل في الصدور مرة في الأسبوع، في أربع صفحات كاملة مع تخمة في الإعلانات. شركات فرنسية وأخرى مغربية.. أسرة الموسيو «جانو» تهنئ عائلة «بيرجيي» بميلاد ابنهم «جاك».. وفي هامش الصفحة خبر صغير لا يستحق الاهتمام.. إعدام أربعة إرهابيين اعتدوا على ضيعة معمر فرنسي بريء!
مقر فسيح، بمعايير الخمسينيات طبعا، يتموقع في أرقى شوارع فاس.. ومحررون مغاربة يتقنون أبجديات الإدارة الفرنسية أكثر من العمل الصحافي.
من الناحية التقنية، كانت «القيامة» ثورة صحافية بحكم تنويع المحتوى الصادر في ذلك الوقت. ربورتاجات وتقارير بحبكة المدرسة الفرنسية في الصحافة. وحتى الإخراج كان ثوريا ومختلفا عن شكل الصحف الصادرة في المغرب باللغة العربية.
الله وحده يعلم ماذا فعل الزمن برئيسها أحمد الشرايبي الذي سبح ضد تيار صحافيين آخرين، مثل حجي وعبد الرحيم بوعبيد، الذين اعتُقلوا بسبب المقالات التي كانوا ينشرونها في الصحف الموالية للحركة الوطنية.
ظهر كُتاب جدد عرفتهم «القيامة» على القراء المغاربة. خمسة آلاف نسخة، رقم محترم جدا في مغرب كان جل سكانه أميين ويعيشون في القرى التي لا تصلها حتى الدواب فما بالك بالجرائد! الكتاب الجدد كانوا من نموذج المغاربة الذين لبسوا البذلة العصرية وتسابقوا على دور السينما.. مغاربة تحرروا من الجلباب وارتموا في أحضان السروال والقميص واستبدلوا السبحة بالغليون والولاعة.
القيامة قامت ضدها قيامة أخرى انتهت بأحداث أكتوبر 1955.. وعندما رحل المقيم گيوم، كان سي الشرايبي مدركا ألا حاجة لشراء احتياطي جديد من ورق الطباعة. والبقية تعرفونها طبعا.





