
يونس جنوحي
الليثيوم.. الثروة الجديدة التي يبحث عنها العالم وتُجند الدول، التي تقود اقتصاد التكنولوجيا الجديدة، كل الجهود للتنقيب عنه، «أينما» كان..
ثورة السيارات الكهربائية التي حققت مبيعات قياسية جدا، في السنتين الأخيرتين، جعلت التنقيب عن «الليثيوم»، عصب صناعة بطاريات هذه السيارات، يدخل منعطفا حاسما مع نهاية السنة الحالية.
صدر، مؤخرا، تقرير أسود يُنذر بكارثة بيئية حقيقية. يتعلق الأمر بمساعي الصينيين لاستخراج «الليثيوم» من عمق بحيرات هضبة التبت.
لم تعد منطقة «التبت»، الشهيرة عالميا بـ«الهجرة الروحية» والتأمل، مجرد إقليم منسي حازته الصين قبل ستين سنة، فقد تحول الإقليم كله إلى وجهة تنقيب.. إذ بدأت الصين منذ مطلع 2025 إنتاجا واسعا انطلاقا من منجمين رئيسيين لاستخراج الليثيوم في منطقة التبت. وقيمة المشروع، في واحد فقط من المنجمين، حسب تقارير دولية، ناهزت ما يقارب الثلاثين مليون دولار.
الكارثة تكمن في أن المنطقتين، اللتين يشملهما التنقيب، تدخلان في إطار الموروث الثقافي والحضاري للتبت، وتمثلان قبلة «إيكولوجية» واعدة.
التقرير سجل تحولات في المنطقة المفترض أن تبقى محمية طبيعية، وأصبحت حاليا مخترقة بخط سككي لتأمين نقل حمولات الليثيوم وتوجيهها نحو التصنيع، لتأمين حاجة سوق السيارات الكهربائية الصينية من البطاريات.
التقرير رصد أيضا نوعا من الهيمنة الحكومية من جانب الصين في منطقة «التبت»، إذ إن الحكومة الصينية تحقق في هوية السياح القادمين للمنطقة، خوفا من وجود مراقبين أو حقوقيين من المنظمات الدولية التي سبق أن أدانت التحولات التي تنهجها الصين في منطقة «التبت»..
عقود الاستغلال تتحدث عن 30 عاما من الإنتاج لمنطقة شاسعة تبلغ مساحتها الإجمالية 115 كيلومترا مربعا. ووصف التقرير أن الأمر لا يتعلق بتطوير للمنطقة أو نهوض اقتصادي بقدر ما يتعلق بتطور للاقتصاد الصيني على حساب معالم المنطقة وخصوصيتها الطبيعية.
تقدم الصين هذا المشروع على أنه جزء من المستقبل «الأخضر» للصين، لكن الحقيقة أن الأمر يتعلق بمستويات مقلقة من التلوث والقضاء على المحميات الطبيعية، حسب ما نشرته صحيفة «أوروبيان تايمز».. وهذا كله يفضح توجه الشركات العالمية التي تنشط في هذا النوع من الاقتصاد.. إذ وراء شعارات الحد من الانبعاثات و«الطاقة البديلة» تختفي حقائق محرجة.
لا تستفيد منطقة التبت، التي تعرف عملية استنزاف لـ«الليثيوم»، من أي عائدات اقتصادية من وراء عمليات التنقيب واستخراج أطنان المعادن الأساسية في صناعة بطاريات السيارات الصينية. بينما يتحمل سكان التبت تداعيات التدهور البيئي والطمس الثقافي للأماكن التاريخية، وتضييق حرية التنقل.
حتى ما يُعرف بـ«السياحة الروحية»، التي اشتهرت بها منطقة التبت لعقود طويلة، باتت هي الأخرى مهددة بسبب تضييق الحكومة الصينية لشروط الولوج والتنقل داخل الإقليم.
هناك قلق حقوقي دولي من تبعات التحولات التي تعرفها منطقة «التبت».. في النهاية، الأمر لا يتعلق فقط بصناعة الجيل الجديد من السيارات الكهربائية الصديقة للبيئة. إذ اتضح أن صناعة البطارية الواحدة، للحد من انبعاث احتراق البنزين والديزل، تكلف البيئة أضرارا لا تقل خطورة عن الانبعاثات.
مع اتجاه العالم نحو مرحلة اقتصادية جديدة عصبها صناعة السيارات الكهربائية، يتضح جليا أن ما بات يُعرف بـ«الاقتصاد الأخضر» ليس إلا «موضة» جديدة لا تختلف في شيء عن شعارات النباتيين.. وفي الوقت الذي يتسابق العالم على السيارات الصينية الكهربائية -رغم مشاكل القرصنة التي تتهمها بها شركات صناعة السيارات الأوروبية- هناك أقليات تدفع الثمن.



