حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأي

المرأة السيجارة

بنموسى

 

أحمل بعضي إلى أول مقهى لقيتك فيه، أنقب بجوار الطاولة عما سقط مني هناك يومها، ثم فجأة تشدني الذكرى فأتساقط على الكرسي بعجز مهين، وألوح بدخان سيجارتي في الهواء.

«التدخين ممنوع» يصل صوت النادل إلي من بعيد، أنظر إليه بتثاقل وأسأل باستسلام: إذن لماذا سمحت له أن يدخنني يومها؟

لا أستفيق أنا من غيبوبتي أبدا، لا أفتح عيني على ما حولي، فأينما وليت وجهي دخان سيجارة تحترق، وفي كل جنبات غرفتي رائحة تبغ مخلوط بالدمع. هكذا هي ذكراك تنقض علي في جميع الأماكن، لا تتركني إلى أن تأتي على آخر جذور المقاومة داخلي، ثم تسلمني إلى الحزن ساخرة من قلاع مقاومتي.

لا زلت أذكر وجهك كالبارحة بعينيك الصغيرتين كوطني، الأنف المدبب، الصفحة الدائرية كالقمر، والفم الصغير الذي لقى قلبي حتفه بكلمة افترت عنها شفتاه. كنت أتوسد ذراعي في أقصى ركن من الغرفة أراقبك وأنت تخرج محفظتك تضع فيها بعض خصلات شعري، والكثير من دم الوشم السائل، وتخرج علبة سجائر ورقية تفرغها بتأن في علبة عاج فضية، ثم تخرج لفافة تضعها بين شفتيك برفق وتنفث دخانها تجاهي على شكل رصاصة تخترق قلبي الفتي أنا عاشقة المرة الأولى، وتحطم كل جدران التصدي فيه…

أحببت قبلك اثنين واحدا ثم واحدا، وأقسمت بين أيديهما أحر الإيمان صادقة على الحب والوفاء إلى أن تطفئ ريح الموت شمعة هذا القلب، لكنهما ماتا في قلبي واحدا تلو الآخر، ودخلا حيز النسيان، وحدك أنت لا زلت حين النشوة أتمتم باسمك في حضرة أحلى الرجال، لا زال طيفك يسكن مخيلتي كما تستوطن أنت قلبي، ولم أغرم بعدك بشيء سوى السجائر، فكنت أتخيلني حين أهرب إليها هاربة إليك، محتمية بك، وحين أدخنها أن شهيقك استوطن رئتي، فأوقن أنني لا زلت على قيد الحب وأن قلبي لا زال يدق للحياة. فهل مرت في حياتك قبلي امرأة، يا وجعي، عبارة عن سيجارة تأبى أن تنطفئ؟

لا زلت لحد الآن لا أستوعب في بعض الأوقات كيف تجاوزت كل ما حصل لي، كيف تخطيت كل الخسارات التي منيت بها، تركت البيت القديم، واجتزت كل الشهور والأيام دون أن يلمح أحد الخراب المنتشر داخلي، ودون أن يعلم صديق عن الحزن العاصف بي، كيفَ أمسيت ليالي طويلة دونَ أن يعلمَ أحَدٌ بما يستوطن صدري، وتَعايَشتُ طوال المدة التي تلت صلب روحي، كيف خلدت للنوم نهارا، وتمزقت مهجتي كمدا ليلا، وصليت وتمسحت بأعتاب محرابك، ودعوت الله بكل إلحاح أن يخفف عن صدري المثقل بالحب، ويداوي روحي التي أعيتها تمزقات الشوق.

كيف تقبلت حقيقة ما جرى لي دون أن يلقي لي أحد طوق النجاة، أو أحتاج للبوح لِأَيٍّ كان، وكيف جبر اللّه كسري وهون قسوة الفراق عليه، وكيفَ أصبحت بعد طول عناء أميل للسكينة والهدوء وحياة بعيدة عنِ الوجوه المزيّفة والكاذِبة ورضيتُ بعدما أعياني العناء بما قسمه الله لي بعد أن أرحت قلبي وعقلي من التّفكير بغد وما يليه، وفهمت أني امرأة/سيجارة حتى حين تحترث تأخذ معها جزءا من رئتيك.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى