
مع ارتفاع درجة حرارة الانتخابات التشريعية، تعيش الساحة السياسية المحلية والوطنية على وقع مفارقات صارخة تكشف عن خلل عميق في فهم وممارسة المسؤولية الانتخابية. فبدل أن تشكل هذه المرحلة مناسبة لتقييم الحصيلة ومناقشتها بهدوء وتعزيز الثقة بين الفاعل السياسي والناخبين، تحولت لدى البعض إلى موسم للمناورة السياسية وتغيير المواقع وفق حسابات ظرفية ضيقة.
لقد أصبح العديد من المنتخبين، ممن يتحملون مسؤوليات داخل المجالس المنتخبة أو ضمن التحالف الحكومي، يتسابقون على ارتداء جبة المعارضة الشرسة، وتبني الخطاب النقدي اللاذع لسياسات هم جزء من صناعتها في كل الأحوال، وهو السلوك الذي لا يعكس، فقط، التناقض الصارخ في المواقف، بل يطرح، كذلك، تساؤلات جدية حول مستقبل العمل السياسي ومدى الالتزام الأخلاقي تجاه الناخبين.
إن القفز من موقع التسيير إلى موقع المعارضة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكشف عن نزعة انتهازية تهدف إلى خلط الأوراق وتحقيق مكاسب انتخابية سريعة، عوض تحمل تبعات القرارات والاعتراف بالمسؤولية في الإخفاقات.
وبدل تقديم من يمثلون جل الأحزاب محليا وجهويا ووطنيا لحصيلتهم الواضحة في التسيير والدفاع عنها بجرأة، هذا إن كانت هناك حصيلة محلية من الأصل لدى بعض الجماعات الترابية، يتم اللجوء إلى تكريس الخطاب الشعبوي الذي يساير المزاج العام، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء المعيشية المرتبطة بالسياقات الدولية والحروب والمناسبات الاجتماعية التي تحتاج مصاريف ترهق كاهل الأسر.
إن المناصب الانتخابية ليست مجرد واجهات لتلميع الصور أو إعادة تدوير الوجوه، بل هي أمانة تقتضي الالتزام والمحاسبة، ومن يقبل تحمل المسؤولية، سواء على المستوى المحلي أو الحكومي، يجب أن يتحمل نتائجها كاملة، نجاحا أو فشلا، وتكون له الشجاعة في التنحي والاعتراف بالأخطاء إذا تطلب الأمر ذلك.
وفي السياق نفسه تزداد خطورة هذه السلوكات حين تصدر عن وزراء أو قيادات حزبية مشاركة في تدبير الشأن العام، حيث يفترض فيهم الدفاع عن السياسات العمومية التي ساهموا في صياغتها، أو اتخاذ موقف واضح وشجاع عبر الاستقالة أثناء الولاية الانتخابية إذا تعذر ذلك، أما الجمع بين التمتع بامتيازات السلطة من جهة والتبرؤ والتنصل من نتائجها في الحملة الانتخابية، فهو سلوك يفرغ العمل السياسي من مضمونه ويضرب مبدأ المسؤولية الجماعية في الصميم.
إن المرحلة الراهنة، بكل ما تحمله من تحديات اقتصادية واجتماعية، تتطلب نخبا سياسية قادرة على التحلي بالجرأة والوضوح، والالتزام بخطاب صادق يعترف بالإكراهات ويقترح الحلول ولا يهاب تآكل القواعد الانتخابية، كما لا يحتمي بالمزايدات الفارغة وتصفية الحسابات الضيقة على حساب الصالح العام، وتعطيل التنمية المحلية.
وفي الختام، فإن جوهر الإصلاح السياسي، الذي يسعى إليه الجميع، يظل رهينا بترسيخ ثقافة المسؤولية وربطها بالمحاسبة، حيث لا مجال للمناورات الفارغة ولا التلون السياسي حسب الظروف، فإما الالتزام الصادق بخدمة المواطنين والدفاع عن الحصيلة وفق مؤشرات واضحة، أو الانسحاب وفتح المجال أمام كفاءات شابة جديدة قادرة على إعادة الثقة في العمل السياسي وتقديم قيمة مضافة في تدبير الشأن العام وصرف الميزانية.





