
جاء الخطاب الملكي الأخير ليضع حدا للقراءات المغلوطة، التي تربط بين المشاريع الوطنية الكبرى وتهميش الملفات الاجتماعية، حيث شدد الملك محمد السادس على أن تكامل المشاريع الكبرى مع أولويات المواطنين جزء من رؤية شاملة لبناء مغرب حديث، قوي، ومتوازن، لأن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين البنيات التحتية وقطاعي التعليم والصحة، بل في جعل الاستثمارات الضخمة أفضل وسيلة لتعزيز قدرة الدولة على الاستمرارية في تمويل الخدمات الاجتماعية وتحسين جودة الحياة.
وما يجب أن يعلمه الجميع هو أن الترويج لفكرة أن الاستثمار في البنيات التحتية الضخمة وتنظيم التظاهرات العالمية يأتي على حساب قطاعي الصحة والتعليم، يدخل في خانة الخطابات الشعبوية، لأن هذه المشاريع الاستراتيجية هي التي تخلق الثروة وتفتح آفاق التشغيل والاستثمار، وتوفر تمويلا إضافيا لدعم القطاعات الاجتماعية.
إن فوز المملكة المغربية بتنظيم تظاهرات رياضية كبرى، أبرزها كأس العالم 2030 الذي سيتم تنظيمه بشكل مشترك مع إسبانيا والبرتغال، ليس استعراضا فارغا بل هو استثمار استراتيجي في صورة البلاد، ويجب استثماره على كل المستويات في تحفيز الاقتصاد والسياحة وتجهيز البنيات التحتية، بحيث سبق تأكيد التعليمات الملكية السامية على توسيع استفادة كافة المدن والأقاليم بالمملكة، وفق العدالة المجالية في توزيع المشاريع التنموية.
ومن المعلوم أن هناك جهات لها أجندات إقليمية ودولية، تحاول جاهدة تبخيس المكاسب التي حققها المغرب، وتعمل بطرق ملتوية لفرملة سعيه إلى التقدم ودخول نادي الدول الكبرى في الصناعة الحديثة والتجارة والسياحة، حيث يتم التركيز على الملفات الاجتماعية ودغدغة العواطف بشأنها وهو الشيء الذي دقت بشأنه مؤسسات رسمية ناقوس الخطر وقدمت أرقاما رسمية يجري التعامل معها من قبل الجهات الحكومية المعنية.
وبكل بقاع العالم، تأتي البنيات التحتية على رأس الشروط الأساسية لجذب الاستثمارات، بحيث كلما كانت هذه البنيات حديثة وقوية وتواكب العصر، ترتفع نسبة استقطاب المستثمرين وثقتهم في تحقيق الأرباح المطلوبة، كما أن المغرب يتوفر على محفزات أخرى قوية تتعلق بالاستقرار السياسي والأمني الذي تفتقده العديد من البلدان بالعالم.
وطبعا فإنه لا أحد يختلف حول ضرورة تسريع معالجة الملفات الاجتماعية بالمغرب، وتكوين الشباب وإدماجهم في سوق الشغل، والرفع من الميزانية المخصصة للتعليم والصحة، والتركيز على تجويد الخدمات العمومية، وتحقيق العدالة المجالية والتنمية القروية وفك العزلة. وهو الشيء نفسه الذي دعت إليه التوجيهات الملكية السامية أكثر من مرة بعيدا عن الحسابات السياسوية أو منطق الحملات.
إننا في مرحلة فاصلة للانتقال نحو مغرب 2030، تحتاج إلى التضامن والمزيد من التضحية والعمل الجدي، لبناء مغرب باقتصاد قوي له القدرة على معالجة كافة الأعطاب الاجتماعية وتشجيع الإنتاج، بعيدا عن خطاب التيئيس والتبخيس، والتركيز على النفس الإيجابي الذي يمنح الشباب الأمل في غد أفضل، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.





