حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

«الميركاتو» الانتخابي…. الأحزاب السياسية تفتتح «بورصة» التزكيات الانتخابية

 

على بعد أشهر قليلة من موعد الاستحقاقات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، تعرف جل الأحزاب السياسية صراعات حول التزكيات التي ستفتح أبواب البرلمان في وجه من سيحظى بوثيقة التزكية، ومنذ الإعلان عن تاريخ إجراء الانتخابات، افتتح الأمناء العامون للأحزاب السياسية «بورصة» التزكيات الانتخابية، وبدأت التحركات داخل الأحزاب الكبرى لاستقطاب «أصحاب الشكارة» وأعيان الانتخابات في مختلف الجهات، وكثيرا ما تعرف المرحلة التي تسبق أي انتخابات، سواء كانت متعلقة بالاستحقاقات التشريعية أو الجماعية، تفشي ظاهرة «الترحال السياسي»، حيث تظهر «كائنات انتخابية»، تكون منتمية في الأصل إلى أحزاب معينة، وسرعان ما تقرر خلع معطف حزب وارتداء جبة حزب سياسي آخر، من أجل الحصول على التزكية للترشح للانتخابات، لأنها ستفتح في وجهها كل الأبواب وتجعلها تكسب «الجاه» ومكانة متميزة داخل المجتمع، خاصة عندما تختلط السياسة بالمال والأعمال، وتختلط المصلحة العامة مع المصالح الشخصية.

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

تخليق الحياة البرلمانية بمنع المفسدين من الترشح لانتخابات مجلس النواب

 

 

يتضمن القانون التنظيمي الجديد لمجلس النواب، مجموعة من المقتضيات الجديدة حول أهلية الترشح للانتخابات البرلمانية، ويهدف القانون إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة التلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، علاوة على تشديد العقوبات المقررة لردع كل المحاولات التي قد تستهدف سلامة العمليات الانتخابية في جميع أطوارها.

 

تخليق الحياة البرلمانية

وتأتي هذه الإجراءات في إطار تفعيل التوجيهات الملكية الواردة في العديد من الخطب والرسائل الملكية التي ما فتئت تنبه إلى آفة الفساد ومخاطره المتعددة والمتنوعة، كانت آخرها برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى رشيد الطالبي العلمي، بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا لمجلس النواب، حيث دعا الملك إلى تخليق الحياة البرلمانية، وترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة، وقبلها وجه الملك رسالة إلى مجلسي البرلمان بمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لإحداث أول برلمان بالمغرب، عندما دعا الملك إلى وضع مدونة للأخلاقيات، والرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة.

وحسب القانون، يمنع من الترشح لمجلس النواب الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية، والأشخاص المحكوم عليهم بمقتضى حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به بعقوبة حبس نافذة أو عقوبة حبس مع إيقاف التنفيذ، كيفما كانت مدتهما، من أجل أحد الأفعال المنصوص عليها في المواد من 62 إلى 65 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي تنص على أنه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حصل أو حاول الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين بفضل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعد بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى قصد بها التأثير على تصويتهم، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو بواسطة الغير أو استعمل نفس الوسائل لحمل أو محاولة حمل ناخب أو عدة ناخبين على الإمساك عن التصويت.

ويحكم بنفس العقوبات على الأشخاص الذين قبلوا أو التمسوا الهدايا أو التبرعات أو الوعود المنصوص عليها في الفقرة السابقة وكذا الأشخاص الذين توسطوا في تقديمها أو شاركوا في ذلك، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حمل أو حاول أن يحمل ناخبا على الإمساك عن التصويت أو أثر أو حاول التأثير في تصويته بالاعتداء أو استعمال العنف أو التهديد أو بتخويفه من فقد وظيفته أو تعرض شخصه أو أسرته أو ممتلكاته إلى ضرر.

كما يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل شخص قام، خلال الحملة الانتخابية، بتقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بها أو بهبات إدارية إما لجماعة ترابية وإما لمجموعة من المواطنين، أيا كانت، بقصد التأثير في تصويت الناخبين أو بعض منهم.

 

منع المحكومين قضائيا من الترشح

كما ينص المشروع على فقدان أهلية الترشح للعضوية في مجلس النواب، الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكاما ابتدائية بالإدانة من أجل جناية، والأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، وكذلك الأشخاص المتابعون على إثر ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب السرقة، أو النصب، أو خيانة الأمانة، أو التفالس، أو شهادة الزور، أو تزوير الأوراق العرفية المتعلقة بالتجارة أو البنوك أو الوثائق الإدارية أو الشهادات، أو صنع الأختام أو الطوابع أو طوابع الدولة، أو إصدار شيك بدون رصيد، أو الرشوة، أو استغلال النفوذ، أو الإخلال بواجب التحفظ وكتمان السر في إطار مسطرة إبرام الصفقات العمومية أو الحصول أثناء مزاولة مهنة أو القيام بمهمة على معلومات متميزة واستخدامها لإنجاز أو المساعدة عمدا على إنجاز عملية أو أكثر في السوق، أو تبديد أموال القاصرين، أو اختلاس الأموال العمومية، أو إلحاق أضرار مالية بمصالح الدولة أو الجماعات الترابية أو مجموعاتها أو هيئاتها أو بمؤسسات عمومية أو أي مرفق عمومي آخر، أو التهديد بالتشهير، أو الغدر، أو انتهاك الأعراض أو القوادة أو البغاء أو اختطاف القاصرين أو التغرير بهم أو إفساد أخلاق الشباب أو المتاجرة بالمخدرات؛

كما يمنع من الترشح كل من ضبط في حالة تلبس من أجل الحصول أو محاولة الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين، بفضل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية، أو وعد بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى قصد التأثير على تصويتهم، أو القيام، خلال الحملة الانتخابية بتقديم هدايا أو تبرعات، أو وعود بها أو بهبات إدارية إما لجماعة ترابية وإما لمجموعة من المواطنين، أيا كانت، بقصد التأثير في تصويت الناخبين أو بعض منهم؛

ولا يؤهل للترشح للبرلمان الأشخاص المحكومون بعقوبة حبس لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر دون إيقاف التنفيذ، أو عقوبة حبس لمدة تتجاوز ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ، من أجل أي جريمة غير الجرائم المشار إليها سابقا، باستثناء الجنح المرتكبة عن غير عمد، بشرط ألا تقترن بجنحة الفرار.

الداخلية تشدد شروط الترشح.. نحو تحصين الاستحقاقات التشريعية من شبهات الفساد

 

 

في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المقبلة، باشرت وزارة الداخلية حزمة من الإجراءات الرامية إلى تقييد ترشيح عدد من المنتخبين المتابعين في قضايا معروضة أمام المحاكم، وذلك في خطوة تحمل أبعادا سياسية وقانونية تروم تعزيز نزاهة العملية الانتخابية وتخليق الحياة العامة، في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بترشيح وجوه تحوم حولها شبهات فساد، أو اختلالات تدبيرية.

وتأتي هذه الإجراءات، وفق معطيات متقاطعة، في إطار مقاربة استباقية تسعى إلى قطع الطريق أمام عودة بعض الأسماء المثيرة للجدل إلى الواجهة الانتخابية، خاصة أولئك الذين يتابعون في ملفات تتعلق بتبديد المال العام، أو استغلال النفوذ، أو خروقات في مجال التعمير والصفقات العمومية. ويعكس هذا التوجه إرادة رسمية لإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وتحسين صورة العمل السياسي لدى الرأي العام، الذي بات أكثر حساسية تجاه قضايا النزاهة والشفافية.

 

مقاربة قانونية لتدقيق شروط الترشح

تعتمد وزارة الداخلية في هذا السياق على تفعيل صارم للمقتضيات القانونية المؤطرة للترشح، خصوصا تلك المتعلقة بحالات التنافي وفقدان الأهلية الانتخابية. فالقوانين التنظيمية، وعلى رأسها القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، تنص على مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوفر في المترشح، من بينها التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وعدم صدور أحكام قضائية نهائية تقضي بالحرمان من هذه الحقوق.

غير أن المستجد في المقاربة الحالية يتمثل في توسيع نطاق التدقيق ليشمل أيضا وضعية المترشحين الذين يتابعون أمام القضاء، حتى وإن لم تصدر في حقهم أحكام نهائية، وذلك من خلال آليات إدارية وقانونية تتيح تتبع هذه الحالات والتعامل معها بشكل احترازي، في انتظار الحسم القضائي.

وفي هذا الإطار، يتم التنسيق بين مصالح وزارة الداخلية والسلطة القضائية من أجل تبادل المعطيات المتعلقة بالمنتخبين المتابعين، بما يضمن تحيين قاعدة البيانات الخاصة بالمترشحين المحتملين، وتفادي تسلل أسماء قد تسيء إلى مصداقية العملية الانتخابية.

 

ضغط أخلاقي على الأحزاب السياسية

إلى جانب البعد القانوني، تراهن وزارة الداخلية على إحداث نوع من «الضغط الأخلاقي» على الأحزاب السياسية، من خلال دعوتها إلى تحمل مسؤوليتها في اختيار مرشحيها، وتفادي تزكية أشخاص تحوم حولهم شبهات قضائية. فالتزكية الحزبية تشكل، في نهاية المطاف، بوابة أساسية للترشح، وأي خلل في هذه المرحلة ينعكس على جودة النخب المنتخبة.

وفي هذا السياق، تتجه السلطات إلى تكثيف اللقاءات مع قيادات الأحزاب، لحثها على اعتماد معايير صارمة في منح التزكيات، تقوم على النزاهة والكفاءة، بدل منطق الحسابات الانتخابية الضيقة. كما يتم التلويح بإمكانية الطعن في بعض الترشيحات التي لا تستجيب للشروط القانونية أو الأخلاقية، وهو ما يشكل رسالة واضحة بضرورة الانخراط الجدي في ورش تخليق الحياة السياسية.

ويرى متتبعون أن هذه المقاربة قد تدفع عددا من الأحزاب إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الانتخابية، خاصة في ما يتعلق بترشيح «الأعيان» أو الوجوه التي تمتلك نفوذا ماليا أو انتخابيا، لكنها تثير جدلا على مستوى النزاهة.

 

بين قرينة البراءة ومتطلبات النزاهة

تطرح الإجراءات الجديدة نقاشا قانونيا وحقوقيا حول مدى التوفيق بين مبدأ قرينة البراءة، الذي يعد من المبادئ الدستورية الأساسية، وبين ضرورة حماية نزاهة العملية الانتخابية. فإقصاء مترشحين لمجرد متابعتهم قضائيا قد يُعتبر، من زاوية معينة، مساسا بحقوقهم السياسية، خاصة إذا لم تصدر في حقهم أحكام نهائية.

غير أن المدافعين عن هذا التوجه يرون أن الأمر لا يتعلق بإدانة مسبقة، بل بإجراء احترازي يهدف إلى حماية المؤسسات المنتخبة من أي شبهات قد تمس بمصداقيتها. كما يشيرون إلى أن بعض القوانين المقارنة تأخذ بمبدأ «النزاهة الانتخابية» كمعيار إضافي، يسمح باتخاذ تدابير وقائية في حالات معينة.

وفي هذا الإطار، يظل التحدي قائما في إيجاد توازن دقيق بين احترام الحقوق الفردية وضمان المصلحة العامة، وهو ما يتطلب تأطيرا قانونيا واضحا يحدد الحالات التي يمكن فيها تقييد الترشح بشكل دقيق ومبرر.

 

رهانات تخليق الحياة الانتخابية

لا تنفصل الإجراءات عن سياق أوسع يتعلق بتخليق الحياة العامة، الذي يشكل أحد أبرز التحديات المطروحة على الساحة السياسية. فقد أظهرت تجارب سابقة أن ترشيح أشخاص متابعين في قضايا فساد أو اختلالات تدبيرية يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويعزز منسوب العزوف الانتخابي.

ومن هذا المنطلق، تسعى وزارة الداخلية إلى جعل الاستحقاقات المقبلة محطة لإعادة بناء هذه الثقة، من خلال ضمان شروط تنافس نزيه وشفاف، يقوم على تكافؤ الفرص واحترام القانون. كما أن هذه الخطوات تتكامل مع أدوار مؤسسات أخرى، مثل القضاء وهيئات الحكامة، في محاربة الفساد وتعزيز الشفافية.

ويرى محللون أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى انخراط جميع الفاعلين، وعلى رأسهم الأحزاب السياسية، التي تتحمل مسؤولية مباشرة في اختيار مرشحيها، وكذا المجتمع المدني ووسائل الإعلام، التي تلعب دورا أساسيا في تتبع العملية الانتخابية وكشف الاختلالات.

 

تحديات التنفيذ وآفاق المرحلة المقبلة

رغم الأهداف المعلنة للإجراءات المتخذة، فإن تنزيلها على أرض الواقع يواجه مجموعة من التحديات، من بينها صعوبة التحقق من جميع الحالات المعروضة أمام القضاء، وتعقيد المساطر القانونية، إضافة إلى احتمال لجوء بعض المعنيين إلى الطعن في قرارات الإقصاء.

كما أن هناك تخوفات من توظيف هذه الإجراءات بشكل انتقائي، وهو ما يفرض ضرورة ضمان الشفافية والحياد في تطبيقها، حتى لا تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

في المقابل، يشكل هذا التوجه فرصة لإعادة ترتيب الحقل السياسي، ودفع الأحزاب إلى تجديد نخبها، وإعطاء الفرصة لوجوه جديدة تتوفر على الكفاءة والنزاهة. كما أنه يبعث برسالة قوية إلى الرأي العام مفادها أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولا في قواعد اللعبة الانتخابية، نحو مزيد من الصرامة والشفافية.

وفي المحصلة، تبدو الإجراءات التي باشرتها وزارة الداخلية خطوة في اتجاه تكريس ثقافة سياسية جديدة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات. غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بمدى استمرارية هذه الجهود، وقدرتها على إحداث تغيير فعلي في الممارسة السياسية، يتجاوز منطق الظرفية الانتخابية إلى إصلاح بنيوي مستدام.

 

 

نافذة:

المستجد في المقاربة الحالية يتمثل في توسيع نطاق التدقيق ليشمل أيضا وضعية المترشحين الذين يتابعون أمام القضاء حتى وإن لم تصدر في حقهم أحكام نهائية

 

 

أعيان الانتخابات يحترفون «الترحال» بين الأحزاب السياسية  

 

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعرف جل الأحزاب السياسية إن لم قل كلها حراكا داخليا، ليس من أجل التنافس والاجتهاد في وضع برامج ترقى إلى طموحات المواطنين، وإنما من أجل نزع تزكية حزبية تشكل بالنسبة إلى البعض مفتاح الترقي الاجتماعي والحصول على «صفة» برلماني أو رئيس جماعة أو مستشار جماعي، وهي الصفة التي «يناضل» من أجلها أعيان الانتخابات، لأنها تفتح في وجوههم كل الأبواب وتجعلهم يكسبون «الجاه» ومكانة متميزة داخل المجتمع، خاصة عندما تختلط السياسة بالمال والأعمال، وتختلط المصالح العامة مع المصالح الشخصية.

لذلك، لا غرابة في وجود «كائنات» تحترف الانتخابات ولا تحترف العمل السياسي، بإمكانها الحصول على مقعد برلماني أو مقعد داخل مجلس جماعي ولو ترشحت بأي لون سياسي، هذه «الكائنات الانتخابية» نجدها في كل موسم انتخابي تغير جلدها.

 

بورصة الانتخابات

على بعد أشهر قليلة من موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، التي ستجرى في شهر شتنبر المقبل على أبعد تقدير، افتتح الأمناء العامون للأحزاب السياسية «بورصة» التزكيات الانتخابية، وبدأت التحركات داخل الأحزاب الكبرى لاستقطاب «أصحاب الشكارة» وأعيان الانتخابات في مختلف الجهات، وكثيرا ما تعرف المرحلة التي تسبق أي انتخابات، سواء كانت متعلقة بالاستحقاقات الجماعية والجهوية، أو انتخابات تجديد أعضاء مجلس النواب، ظاهرة «الترحال السياسي»، التي تظهر فيها «كائنات انتخابية»، تكون منتمية في الأصل إلى أحزاب معينة، وسرعان ما تقرر خلع معطف حزب وارتداء جبة حزب سياسي آخر، بسبب ما أضحى يعرف بالاستقطاب الحزبي، فضلا عن الاستقالات الجماعية التي غالبا ما تكون مرتبطة بالصراع حول التزكيات الانتخابية.

من بين ما يواجهه المرشحون، الذين يقررون تغيير الأحزاب مع اقتراب كل محطة انتخابية، المصير الغامض المتعلق بالصفات الانتخابية التي تكون لديهم، ففي حال ما إذا غير أي سياسي حزبه القديم بحزب جديد، القانون يجرده من صفته القديمة، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية المقبلة، سيكون كل من غير حزبه، وترشح باسم حزب آخر، معرضا مثلا لفقدان صفته في البرلمان أو مجلس جماعي أو غرفة مهنية أو مجلس العمالة، ما يجعل البعض يطالبون أحزابهم الأصلية بتفعيل قرار الطرد في حقهم، وهو ما يخول لهم الاحتفاظ بمناصبهم، لأن القانون  يمنع القياديين والأعضاء العاديين من الترحال أو الانتماء إلى حزبين في الوقت نفسه، وتنص المادة 21 من قانون الأحزاب السياسية على أنه «لا يجوز لأي شخص أن ينخرط في أكثر من حزب سياسي في آن واحد»، وتنص المادة 20 من القانون على أنه «لا يمكن لعضو في أحد مجلسي البرلمان أو في مجالس الجماعات الترابية أو في الغرف المهنية التخلي عن الانتماء للحزب السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، تحت طائلة تجريده من عضويته في المجالس أو الغرف المذكورة»، كما أن قانون الأحزاب ينص على معاقبة المخالفين له بغرامة مالية تتراوح ما بين 20 ألفا و100 ألف درهم في حق الأشخاص الذين ينخرطون في أكثر من حزب سياسي.

 

الترحال السياسي

وتنتشر ظاهرة الترحال السياسي، في هذه المرحلة بالذات، التي تسبق موعد إجراء الانتخابات التشريعية الخاصة بأعضاء مجلس النواب، بالنظر إلى عدد من الأسباب الموضوعية، غير أنه من الناحية القانونية المسطرة القانونية واضحة، إذ لا يمكن إطلاقا لأي شخص أن يترشح باسم حزبين، كما تشير إلى ذلك المادة 21 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية‎،  فيجب عليه أن يقدم استقالته من الحزب الأول، حتى يكون في حالة قانونية للترشح باسم حزب ثان، وفي حال ما إذا كان أمين عام الحزب الأصلي، وجب حل الحزب حتى يصير منعدم الوجود، وبالتالي يكون من حقه الترشح باسم أي حزب أراد، وسبق للمجلس الدستوري أن أصدر قرارات في هذا الشأن، خصوصا في ما يتعلق بالنواب البرلمانيين، والأمر نفسه لم يعد مقتصرا فقط على المستوين المحلي والجهوي، بل أصبح يشمل حتى قياديي الأحزاب على المستوى الوطني.

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر المقبل، هناك أسماء كثيرة تريد تغيير المعطف السياسي، بداعي البحث عن معطف آخر، والأمر ذاته بالنسبة إلى الأحزاب، التي تبحث عن مرشحين هم في الحقيقة «أعيان الانتخابات» أو «أصحاب الشكارة»، في حين تتجاهل الأُطر الحزبية التي تتوفر على الإمكانيات المادية والعلاقات القبلية بالقرى أو الامتداد داخل الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى، بمبرر ضمان الحصول على أصوات انتخابية، وبالتالي مقاعد أكثر في مجلس النواب، غير أن هذا يثير إشكالية مدى الالتزام بالانتماء الأصلي للحزب، والظاهرة أضحت تهم رموز أحزاب كبيرة وهذا يطرح إشكالا أخلاقيا وسياسيا أكثر منه قانوني، وهنا مربط الفرس الذي يفسر هذه الظاهرة الموسمية، فهذا إشكال قديم جديد، بالنسبة إلى متتبعي سوسيولجيا الانتخابات بالمغرب، الذي يتمحور حول الخزان الانتخابي نفسه، والذي يتم اجتراره وتقاسمه مع الأحزاب الأخرى، وأحيانا الصراع حوله، لأن الأحزاب تتصارع حول الأحصنة الانتخابية الرابحة، التي تشكل أوراقا رابحة، يمكنها أن تضمن الفوز، وتهمل القياديين والأسماء الوازنة، التي غالبا ما تكون عبارة عن أطر قيادية، وغالبا ما تحدث صراعات في هذه المرحلة بالذات، وهذا ما يفسر استفحال الاحتجاجات والاستقالات والانتقال من هنا وهناك.

 

الترحال السياسي.. حسابات الربح الانتخابي تُربك الخريطة الحزبية

 

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، عاد ملف الترحال السياسي ليطفو بقوة على سطح النقاش العمومي، في ظل تزايد حالات انتقال منتخبين وفاعلين سياسيين بين الأحزاب، بحثا عن مواقع متقدمة في لوائح الترشيح، أو ضمانات أوفر للفوز بمقاعد برلمانية، وهو ما يثير تساؤلات متجددة حول مصداقية الانتماء الحزبي وحدود الالتزام السياسي.

وتشهد الساحة الحزبية، خلال الأشهر الأخيرة، حركية غير مسبوقة، حيث كشفت مصادر متطابقة عن التحاق عدد من المنتخبين المحليين والبرلمانيين السابقين بأحزاب جديدة، في سياق إعادة ترتيب أوراقهم استعدادا للانتخابات. وغالبا ما تتم هذه الانتقالات في اتجاه أحزاب يُعتقد أنها تمتلك حظوظا أكبر في الظفر بمقاعد إضافية، أو توفر شروطا أفضل لنيل التزكية.

 

منطق براغماتي يطغى على الانتماء الإيديولوجي

يرى متتبعون أن موجة الترحال الحالية تعكس تحولا عميقا في طبيعة العمل الحزبي، حيث تراجع البعد الإيديولوجي لصالح منطق براغماتي قائم على حسابات الربح والخسارة. فعدد من المنتخبين لم يعودوا ينظرون إلى الحزب كإطار مرجعي فكري أو سياسي، بقدر ما أصبحوا يعتبرونه منصة انتخابية قابلة للتغيير وفق الظروف.

هذا التحول، بحسب المصادر، أفرز نوعا من “السيولة الحزبية”، حيث تتغير التحالفات والانتماءات بشكل سريع، ما ينعكس سلبا على وضوح المشهد السياسي، ويُربك الناخبين الذين يجدون أنفسهم أمام وجوه سياسية تتنقل بين أحزاب مختلفة دون مبررات واضحة.

 

التزكية الانتخابية… المحرك الخفي للترحال

يرتبط جزء كبير من ظاهرة الترحال السياسي بقضية التزكية الانتخابية، التي أصبحت تشكل العامل الحاسم في تحديد الوجهة الحزبية للعديد من المرشحين. فالحصول على تزكية في دائرة انتخابية “مضمونة” أو ضمن لائحة قوية قد يدفع بعض المنتخبين إلى مغادرة أحزابهم الأصلية، والبحث عن “فرص أفضل” لدى تنظيمات أخرى.

وفي هذا السياق، تشير معطيات إلى أن بعض الأحزاب أصبحت تستقطب أسماء وازنة انتخابيا، حتى وإن كانت حديثة العهد بها، بهدف تعزيز حظوظها في المنافسة، وهو ما يطرح إشكالية التوازن بين الانفتاح على كفاءات جديدة، والحفاظ على هوية الحزب واستقراره التنظيمي.

من الناحية القانونية، حاول المشرع المغربي الحد من ظاهرة الترحال السياسي، خصوصا على مستوى المجالس المنتخبة، من خلال التنصيص على فقدان العضوية في حالة تغيير الانتماء الحزبي خلال الولاية الانتدابية. غير أن هذه المقتضيات تظل محدودة الأثر، لأنها لا تشمل مرحلة ما قبل الانتخابات، حيث يكون المجال مفتوحا أمام إعادة التموضع السياسي دون قيود تذكر.

كما أن بعض المنتخبين يلجؤون إلى استراتيجيات لتفادي السقوط في حالة الترحال الممنوع قانونا، من قبيل الاستقالة من الحزب أو الانتظار إلى نهاية الولاية، قبل إعلان التحاقهم بحزب جديد، ما يجعل النص القانوني غير قادر على ضبط كل حالات الانتقال.

 

تداعيات على الثقة والممارسة الديمقراطية

لا تقف آثار الترحال السياسي عند حدود التنظيمات الحزبية، بل تمتد إلى علاقة المواطن بالعمل السياسي. فانتقال المنتخبين بشكل متكرر بين الأحزاب يضعف الثقة في جدية الالتزام الحزبي، ويعزز الانطباع بأن السياسة أصبحت مجالا لتحقيق المصالح الشخصية، بدل خدمة الصالح العام.

كما أن هذه الظاهرة تؤثر على جودة التمثيلية، إذ قد يتم اختيار مرشحين بناء على وزنهم الانتخابي فقط، دون اعتبار لمدى انسجامهم مع برامج الأحزاب أو قدرتهم على المساهمة في العمل التشريعي والرقابي.

 

دعوات لإصلاح أعمق

في ظل الوضع الحالي، تتصاعد الدعوات إلى ضرورة مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر للترحال السياسي، بما يضمن تحقيق توازن بين حرية الانتماء الحزبي، وضرورة استقرار المؤسسات المنتخبة. كما يطالب فاعلون سياسيون ومدنيون بتعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، لتقليص دوافع الهجرة نحو تنظيمات أخرى.

ويرى متتبعون أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون قانونية فقط، بل تتطلب أيضا إصلاحا ثقافيا يعيد الاعتبار للالتزام السياسي، ويعزز دور الأحزاب كمؤسسات للتأطير، لا مجرد أدوات انتخابية.

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يُنتظر أن تستمر موجة الترحال السياسي، في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب وسعيها إلى استقطاب أقوى المرشحين. غير أن الرهان الحقيقي يظل في قدرة الفاعلين السياسيين على الحد من هذه الظاهرة، بما يحفظ مصداقية العملية الانتخابية، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات.

ويكشف الترحال السياسي عن اختلالات بنيوية في الحقل الحزبي، تتجاوز الظرفية الانتخابية، وتطرح الحاجة إلى إصلاحات عميقة تعيد التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الطموح الفردي والالتزام الجماعي.

 

 

 

نافذة

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يُنتظر أن تستمر موجة الترحال السياسي، في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب وسعيها إلى استقطاب أقوى المرشحين

 

“سماسرة” الانتخابات يلهبون بورصة التزكيات داخل الأحزاب

 

 

خلال كل موسم انتخابي، يكثر الحديث داخل الأحزاب السياسية عن ظاهرة “البيع والشراء” في التزكيات الانتخابية، وتشتعل المضاربات بين “أصحاب الشكارة”، حيث يصل سعر التزكية يساوي الملايين في حالة وجود منافسين أقوياء فوق حلبة المنافسة داخل نفس الدائرة الانتخابية.

وتشير المعطيات إلى وجود  زعماء أحزاب راكموا ثروات طائلة من الاتجار في التزكيات الانتخابية، وهو ما يفسر في بعض الأحيان السابق المحموم حول المسؤوليات الحزبية الجهوية والمحلية، والتي تتيح بدورها للمسؤولين المحليين والجهويين للأحزاب السياسية، بدورهم “بيع” التزكيات للاستحقاقات الانتخابية المحلية، وأصبحت هذه الظاهرة مقترنة تقريبا بجل الأحزاب السياسية.

وتتحول الساحة الانتخابية إلى مثابة سوق بكل معنى كلمة السوق، يكون فيه “بائع” وهو المسؤول الحزبي، و”المشتري” وهو الشخص الراغب في الترشح للانتخابات، ويكون فيه السماسرة و”الشناقة” الذين يتوسطون بين الطرفين أو يساهمون في إشعال سعر التزكيات.

وتابع الرأي العام، تزامنا مع الصراعات الداخلية داخل بعض الأحزاب السياسية، كيف تسربت معلومات حول جمع الملايير من “بيع” التزكيات الانتخابية، وصلت إلى درجة تبادل الاتهامات بين أعضاء هذه الأحزاب، عندما طالب بعضهم بالكشف عن مصير المبالغ المالية التي جمعها في إطار الاستعداد للانتخابات الجماعية والتشريعية السابقة، وتحدث أمين عام سابق لحزب سياسي يحتل حاليا مركزا متقدما في المشهد السياسي عن جمع مبالغ مالية قدرها بحوالي 21 مليار، صرفت منها 16 مليار في ظروف غامضة خلال الحملة الانتخابية لسنة 2016، وبقي منها مبلغ  4 ملايير و500 مليون سنتيم بحوزة قيادي بنفس الحزب.

وسبق للهيئة المركزية لمحاربة الرشوة، أن طالبت بمراقبة استخدام أموال الحملات الانتخابية، مع تضمين قانون الأحزاب مقتضيات تنص على المسؤولية المدنية للأحزاب فيما يتعلق بجميع أفعال الفساد المرتكبة من طرف المترشحين للانتخابات المنتسبين إليها، بما يتفق مع مقتضيات المادة 26 من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد، وحسب دراسة أنجزتها الهيئة حول “بناء منظومة للحكامة الجيدة على المستوى الترابي”، تقترح من خلالها وضع إجراءات تعاقدية تضمن التزام الأحزاب في اختيارها للأشخاص المرشحين للانتخابات بمبدأ التطابق بين البرنامج الحزبي الانتخابي وبين المرشحين المؤهلين لتنفيذه، خاصة من خلال تقديم البرامج خلال الحملات الانتخابية مصحوبة بنبذة تعريفية بمؤهلات المرشحين الذين سيضطلعون بتفعيلها، وذلك لتوفير فرص موضوعية أمام المواطنين لممارسة اختياراتهم السياسية، مع تضمين قانون الأحزاب مقتضيات تنص على المسؤولية المدنية للأحزاب فيما يتعلق بجميع أفعال الفساد المرتكبة من طرف المترشحين للانتخابات المنتسبين إليها، بما يتفق مع مقتضيات المادة 26 من الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد.

هناك عشرات الملفات القضائية تخص برلمانيين ورؤساء الجماعات الترابية من مختلف الأحزاب السياسية، التي تفجرت مؤخرا، والمعروضة على غرف جرائم الأموال بمختلف المحاكم، أو الواردة في تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، وتؤكد هذه الملفات أن الفساد يضرب أطنابه داخل المؤسسات المنتخبة، وأصبح السباق نحو رئاسة المجالس الجماعية أو الحصول على مقعد برلماني  بمثابة ورقة رابحة من أجل الاغتناء السريع على حساب المال العام، وهناك العديد من البرلمانيين والمنتخبين، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها من كبار الأثرياء بعد قضائهم فترة وجيزة على رأس الجماعات الترابية، ويصرفون أموالا باهظة في حملاتهم الانتخابية للحفاظ على مناصبهم.

والآن مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، وانطلاق السباق نحو الحصول على التزكيات الانتخابية، فإن الأمناء العامين للأحزاب السياسية يتحملون مسؤولية المساهمة في تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد، إذ لا يعقل، أن يحصل برلماني أو رئيس جماعة متابع أمام غرفة جرائم الأموال، مرة أخرى على التزكية للترشح إلى الانتخابات، لذلك، فإن هذا الوضع، يفرض ضرورة إعادة النظر في الشروط المطلوبة للترشح لمختلف الاستحقاقات الانتخابية.

 

 

 

ثلاثة أسئلة لمحمد زين الدين*: «الأحزاب قامت بتسليع التزكية وهناك تراجع للمناضل الحزبي لصالح أعيان الانتخابات»

 

 

 

1-  ما التأطير القانوني لعملية تزكية الأحزاب السياسية للمرشحين؟

 

 

إذا انطلقنا من المرجعية الدستورية، التزكية الانتخابية ليست مجرد إجراء تقني داخلي، بل هي ممارسة مؤطرة بمبادئ دستورية واضحة، على رأسها الديمقراطية الداخلية، وربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنات والمواطنين. الدستور المغربي، في فصوله المتعلقة بالأحزاب السياسية، يقر بأن هذه الأخيرة تساهم في تأطير المواطنين وتكوينهم السياسي، وبالتالي فإن عملية اختيار المرشحين تندرج في صلب هذه الوظيفة التأطيرية، ولا يمكن أن تتم خارج منطق الشفافية والوضوح.

على مستوى القوانين التنظيمية، نجد أن القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية يفرض على كل حزب أن ينص، في نظامه الأساسي، على مساطر دقيقة تخص منح التزكية، سواء من حيث شروط الترشح، أو الأجهزة المخول لها البت أو آليات الطعن الداخلي. والقانون التنظيمي، المتعلق بمجلس النواب، يحدد الشروط العامة للترشح، لكنه يترك للأحزاب سلطة تقديرية واسعة في اختيار مرشحيها، وهو ما يفتح الباب أمام تفاوتات كبيرة في الممارسة.

الإشكال، في تقديري، لا يكمن في غياب النصوص، بل في ضعف تفعيلها.. هناك نوع من «ازدواجية» بين ما هو منصوص عليه وما يجري في الواقع. فالكثير من الأحزاب تتوفر على مساطر ديمقراطية على الورق، لكن عند تنزيلها يتم اللجوء إلى منطق التوافقات الضيقة أو القرارات الفوقية. هنا تظهر محدودية الرقابة، لأن القضاء، كما هو معلوم، لا يتدخل إلا في حالات استثنائية تتعلق بخرق جسيم للقانون، ولا يراقب مدى احترام الديمقراطية الداخلية إلا بشكل محدود جدا.

أعتقد أن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تطوير الترسانة القانونية، بل إلى تعزيز ثقافة قانونية داخل الأحزاب نفسها، بحيث تصبح التزكية عملية مؤسساتية حقيقية، وليست مجرد لحظة ظرفية تخضع لموازين القوى أو الحسابات الانتخابية. فالتزكية، في نهاية المطاف، مدخل أساسي لإفراز النخب، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على جودة التمثيلية البرلمانية.

 

2-  ماذا عن مسؤولية الأحزاب في تخليق الحياة السياسية والعملية الانتخابية؟

 

أرى أن مسؤولية الأحزاب في تخليق الحياة السياسية جوهرية، بل يمكن القول إنها تاريخية. الأحزاب ليست مجرد آليات انتخابية، بل هي مؤسسات للتأطير والتنشئة السياسية، وبالتالي فإن دورها يتجاوز بكثير مسألة الفوز بالمقاعد. وعندما تختل وظيفة التأطير يتحول الفعل السياسي إلى مجرد تنافس انتخابي فارغ من المضمون.

تخليق الحياة السياسية يبدأ من داخل الأحزاب، من طريقة اشتغالها، ومن طبيعة النخب التي تفرزها. فعندما تعتمد الأحزاب معايير واضحة في اختيار مرشحيها، قائمة على الكفاءة والنزاهة والتدرج التنظيمي، فإنها تساهم في بناء ثقة المواطن في العملية السياسية. أما عندما يتم تغليب منطق الولاءات أو المصالح أو حتى القدرة المالية، فإن ذلك يقوض هذه الثقة بشكل خطير.

لا يمكن، أيضا، إغفال مسؤولية الأحزاب في محاربة الفساد الانتخابي. فالقانون وحده لا يكفي، لأن جزءا كبيرا من الممارسات السلبية يتم داخل الدوائر الحزبية نفسها. لذلك من الضروري أن تعتمد الأحزاب آليات داخلية للرقابة والمساءلة، وأن تتحمل مسؤوليتها في معاقبة كل من يثبت تورطه في ممارسات تمس بنزاهة الانتخابات.

هناك، أيضا، بعد أخلاقي مهم. تخليق الحياة السياسية ليس فقط مسألة قانون، بل هو مسألة ثقافة. نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم السياسية، مثل الالتزام، والنزاهة وخدمة الصالح العام. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا لعبت الأحزاب دورها التربوي بشكل فعلي، وليس شكليا.

 

 

3-  كيف تنظرون إلى ظاهرة ترشيح الأعيان وتأثيرها على التزكية الانتخابية؟

 

بصراحة ما نعيشه اليوم هو تحول عميق في منطق التزكية الانتخابية، حيث أصبحت تخضع بشكل متزايد لاعتبارات خارج الإطار السياسي الكلاسيكي. ظاهرة ترشيح الأعيان ليست جديدة، لكنها أخذت، في السنوات الأخيرة، أبعادا مقلقة، لأنها ترتبط بما تمكن تسميته بـ«تسليع التزكية الانتخابية».

عندما تصبح مرتبطة بالقدرة المالية أو النفوذ الاجتماعي، تفقد التزكية معناها السياسي وتتحول إلى نوع من «الاستثمار» الذي يسعى صاحبه إلى تحقيق عائد انتخابي. هذا الوضع يؤدي إلى إقصاء فئات واسعة من المناضلين الذين اشتغلوا داخل الأحزاب لسنوات، وراكموا تجربة تنظيمية وسياسية، لكنهم لا يتوفرون على الإمكانيات المادية نفسها.

في نظري هذا التحول يعكس، أيضا، تراجعا للإيديولوجية الحزبية. في السابق كانت الأحزاب تختار مرشحيها بناء على مدى التزامهم بخطها السياسي وبرامجها. اليوم أصبح هذا العامل ثانويا في كثير من الحالات، وتم تعويضه بمنطق براغماتي يركز على «من يستطيع الفوز»، بغض النظر عن خلفيته أو مساره.

نلاحظ، كذلك، صعود فئة يمكن وصفها بـ«مُمتهني الانتخابات»، وهم أشخاص يتنقلون بين الأحزاب بحثا عن التزكية الأكثر ملاءمة دون ارتباط حقيقي بمشروع سياسي معين. هذا السلوك يفرغ العمل الحزبي من مضمونه ويحول الأحزاب إلى مجرد منصات انتخابية.

الأخطر من ذلك هو تأثير هذه الظاهرة على صورة السياسة في نظر المواطنين. عندما يرى المواطن أن التزكية يمكن أن تُمنح بناء على المال أو النفوذ، فإنه يفقد الثقة في العملية برمتها. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، تنامي العزوف السياسي.

معالجة هذه الإشكالية تقتضي، في تقديري، إعادة النظر في طريقة اشتغال الأحزاب، وتعزيز الديمقراطية الداخلية وربط التزكية بمعايير واضحة وشفافة.. مع التفكير في آليات قانونية تحد من تأثير المال في العملية الانتخابية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم في ظل اختلالات كبيرة في تكافؤ الفرص.

في النهاية الرهان الحقيقي هو إعادة الاعتبار للفعل السياسي النبيل، وجعل التزكية أداة لإفراز الكفاءات وليس وسيلة لإعادة إنتاج النخب نفسها القائمة على النفوذ والمال.

 

 

 

*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى