
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تعرف جل الأحزاب السياسية، إن لم نقل كلها، حراكا داخليا، ليس من أجل التنافس والاجتهاد في وضع برامج ترقى إلى طموحات المواطنين، وإنما من أجل نزع تزكية حزبية تشكل بالنسبة إلى البعض مفتاح الترقي الاجتماعي والحصول على «صفة» برلماني أو رئيس جماعة أو مستشار جماعي. وهي الصفة التي «يناضل» من أجلها أعيان الانتخابات، لأنها تفتح في وجوههم كل الأبواب وتجعلهم يكسبون «الجاه» ومكانة متميزة داخل المجتمع، خاصة عندما تختلط السياسة بالمال والأعمال، وتختلط المصالح العامة بالمصالح الشخصية.
لذلك لا غرابة في وجود «كائنات» تحترف الانتخابات ولا تحترف العمل السياسي، بإمكانها الحصول على مقعد برلماني أو مقعد داخل مجلس جماعي ولو ترشحت بأي لون سياسي، هذه «الكائنات الانتخابية» نجدها في كل موسم انتخابي تغير جلدها.
وعلى بعد أشهر قليلة من موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية، التي ستجرى شهر شتنبر المقبل على أبعد تقدير، افتتح الأمناء العامون للأحزاب السياسية «بورصة» التزكيات الانتخابية، وبدأت التحركات داخل الأحزاب الكبرى لاستقطاب «أصحاب الشكارة» وأعيان الانتخابات في مختلف الجهات، وكثيرا ما تعرف المرحلة التي تسبق أي انتخابات، سواء كانت متعلقة بالاستحقاقات الجماعية والجهوية، أو انتخابات تجديد أعضاء مجلس النواب، ظاهرة «الترحال السياسي»، الذي تظهر فيه «كائنات انتخابية»، تكون منتمية في الأصل إلى أحزاب معينة، وسرعان ما تقرر خلع معطف حزب وارتداء جبة حزب سياسي آخر، بسبب ما أضحى يعرف بالاستقطاب الحزبي، فضلا عن الاستقالات الجماعية التي غالبا ما تكون مرتبطة بالصراع حول التزكيات الانتخابية.
ومن بين ما يواجهه المرشحون، الذين يقررون تغيير الأحزاب مع اقتراب كل محطة انتخابية، المصير الغامض المتعلق بالصفات الانتخابية التي تكون لديهم، ففي حال غير أي سياسي حزبه القديم بحزب جديد، القانون يجرده من صفته القديمة، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية المقبلة، سيكون كل من غير حزبه، وترشح باسم حزب آخر، معرضا مثلا لفقدان صفته في أحد مجلسي البرلمان أو مجلس جماعي أو غرفة مهنية أو مجلس العمالة، ما يجعل البعض يطالبون أحزابهم الأصلية بتفعيل قرار الطرد في حقهم، وهو ما يخول لهم الاحتفاظ بمناصبهم.
وتنتشر ظاهرة الترحال السياسي، في هذه المرحلة بالذات، التي تسبق موعد إجراء الانتخابات التشريعية الخاصة بأعضاء مجلس النواب، بالنظر إلى عدد من الأسباب الموضوعية، غير أنه، من الناحية القانونية، المسطرة القانونية واضحة، إذ لا يمكن إطلاقا لأي شخص أن يترشح باسم حزبين، كما تشير إلى ذلك المادة 21 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، فيجب عليه أن يقدم استقالته من الحزب الأول، حتى يكون في حالة قانونية للترشح باسم حزب ثان.
ولهذا لا نستغرب إذا سمعنا أن بعض البرلمانيين ورؤساء الجماعات يتفاوضون من أجل شراء قرارات الطرد من أحزابهم للترشح بأسماء أحزاب أخرى، بعدما كنا نسمع عن شراء التزكيات للترشح للانتخابات.
وفي كلتا الحالتين من المفروض اتخاذ إجراءات صارمة من أجل تخليق العملية الانتخابية في كل مراحلها الأولى التي تسبق عملية الاقتراع.





