كيف بدأت السياحة في المغرب؟ وكالات أسفار وحملات دعائية منسية عمرها 150 عاما

يونس جنوحي
السياحة المغربية ما قبل الوزارة كانت مجرد ملحقة إدارية بسيطة ومهمشة، تشرف عليها مصلحة الفنون الجميلة والآثار.. ولم يكن عملها يتجاوز منح رخص مكاتب وكالات الأسفار الفرنسية التي سيطرت على قطاع السياحة بعد 1912، واستفادت من مشاريع بناء الفنادق الأولى في الدار البيضاء والرباط..
حدث هذا في زمن كانت فيه السياحة المغربية ضاربة في القدم، ومعجبوها يطالعون كتب المغامرات والأشرطة السينمائية التي صُورت في المغرب خلال 150 سنة الماضية، ويشدون الرحال إلى المغرب ضدا في كل تعقيدات الإدارة.
+++++++++++++++++++++++++++++++
مغرب ما قبل ميلاد «وزارة السياحة»
الإدارة المعنية بالشأن السياحي خرجت من رحم وزارة الثقافة الفرنسية، ورغم أن الأمر يبدو «غرائبيا»، إلا أن هذا ما وقع بالفعل..
كانت «مصلحة الفنون الجميلة» أول قناة إدارية مكلفة بتدبير الشأن السياحي في المغرب، وكانت تابعة للإقامة العامة في الرباط.
قراراتها وقوانينها يوقعها المقيم العام، أو يوكل توقيعها بالعطف إلى مدير مصلحة الفنون الجميلة، منذ 1912 إلى حدود سنة 1920.
هنا، سوف يحدث تحول إداري هام، أسهم في استقلال مصلحة السياحة.
إذ إن مصلحة الفنون الجميلة سوف تصبح رسميا مسؤولة عن «الآثار والفنون الإسلامية والعصرية». وهذه المصلحة، عُنيت بالمشاركة في وضع برامج سياحية أولية لصالح السياح الفرنسيين وكبار الضيوف الحكوميين والمثقفين، الذين زاروا المغرب خلال فترة الحماية.
وفي أربعينيات القرن الماضي، أصبح المهنيون المغاربة مشاركين في غرف الصناعة. وأعطى السلطان سيدي محمد بن يوسف الأمر لكي يلتحق ممثلو الحرفيين المغاربة بهذه الغرف المهنية، للدفاع عن حقوقهم.. وهكذا دخل القطاع في الشأن السياحي الذي بدأت فرنسا تؤسس له بهدوء، لكي تهيمن على عائدات السياحة، والإشراف على القطاع بإبقائه تحت رحمة «البيروقراطية» التي تفرضها مكاتب الإقامة العامة.
عندما تشكلت أول حكومة مغربية في دجنبر 1955، لم يكن هناك وجود لوزارة السياحة، لكن بالمقابل، رُعيت الفنون الجميلة، وألحق بها الإعلام في تجارب حكومية لاحقة، خلال عهد الملك الراحل محمد الخامس.
عمليا، يبقى الوزير محمد الفاسي، أول من أمسك حقيبة التعليم في حكومة البكاي الأولى، أول من أشرف على الشأن الفني والثقافي، الذي تفرعت عنه لاحقا إدارة السياحة، قبل أن تصبح وزارة مستقلة.
لم يظهر وجود فعلي لوزارة السياحة إلا في حكومة سنة 1963.. أول حكومة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. فقد تأسست «وزارة السياحة والصناعة التقليدية والفنون الجميلة»، بتقديم السياحة على القطاعات الأخرى التي كانت تتقدم المشهد سابقا، حتى أن السياحة لم تكن تظهر في عنوان هذه الوزارات أو المصالح الإدارية، لكنها تتولى عمليا تدبير الشأن السياحي.
مع إطلاق وزارة السياحة، في نسخها الأولى، كانت مجرد إدارة تابعة لوزارة الإعلام، والصناعة التقليدية.. وكان وزير واحد يتدبر أمر الحقائب، رغم أنها متفرقة..
إرث وكالات الأسفار الفرنسية، انتقل إلى المغاربة بعد الاستقلال، وبقيت بعض الوكالات تمارس عملها في المغرب بعد 1956، رغم أنها مملوكة للفرنسيين.. وسرعان ما بدأت «المغربة» تطغى على القطاع، سيما مع تأسيس «الخطوط الملكية المغربية»، وبداية استقلال الطيران المغربي، لتنكمش الوكالات الفرنسية وتتوارى إلى الظل تاركة المجال للمغاربة الأوائل المستثمرين في القطاع السياحي..
لم يكن هؤلاء يملكون سوى أن يتكئوا على الثقافة والآثار، لتنظيم أولى برامج الأسفار عبر ربوع المغرب. إذ إن السياح الأجانب، خصوصا من الولايات المتحدة والجنسيات الأوروبية الأخرى غير الفرنسية، كانوا يأتون إلى المغرب لاستكشاف المواقع التاريخية والآثار، والتعرف على الثقافة المحلية والحرف اليدوية.. في ظل تواضع البنيات التحتية والعروض السياحية في البدايات الأولى.
السينما أنعشت السياحة المغربية في بداياتها
في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، صور الفرنسيون عشرات الأشرطة التوثيقية التي لعبت دورا كبيرا في الدعاية السياحية للمغرب. ورغم أن الإدارة الفرنسية، ممثلة في الإقامة العامة، وضعت مكاتب إدارية لتدبير السياحة وعمل وكالات السفر الفرنسية، إلا أن الانطلاق الفعلي للسياحة المغربية لم يحدث إلا بعد الاستقلال..
أول شريط سينمائي صُور في المغرب يعود إلى سنة 1897. وعندما عُرض الشريط القصير في فرنسا، شكل دعاية سياحية قوية لتحفيز الفرنسيين على زيارة المغرب. ورغم أن السياحة وقتها كانت خالية من الترفيه، ويمكن اعتبارها مرادفا لـ«المغامرة» غير محسوبة العواقب أحيانا، إلا أن الشريط كان حملة دعائية غير مباشرة لزيارة المغرب.
الشريط كان عنوانه: «حياة راعي الماعز المغربي»، للمخرج الفرنسي «لويس لوميير»، ونقل لأول مرة صورا متحركة من قلب المغرب.
وبعد ذلك توالت الأشرطة السينمائية التي صُورت في المغرب، وأشهرها فيلم «كازابلانكا» الذي شارك في بطولته مشاهير السينما العالمية، وشكل دعاية كبيرة للمغرب.. حتى أن السياح كانوا يتقاطرون على المغرب مع بداية الخمسينيات، لكي يعيشوا أجواء الفيلم الذي يعتبر إلى الآن أحد أشهر الإنتاجات في تاريخ السينما العالمية.
المخرج «تشارلز ماركيز» أبدع فيلم «رحلة جوية إلى طنجة». وكان مُلصق الفيلم وقتها لوحده، قد حاز نجاحا مبهرا وأحرز ثناء النقاد. اعتمد المخرج على وصفة توظيف المشاهد المغربية. وعندما صدر الفيلم سنة 1953، اعتبره النقاد الحدث الثقافي للسنة بامتياز، خصوصا وأن الصحافة الأمريكية اهتمت بالفيلم، لكونه يتناول موضوع «طنجة» التي ترتبط في مخيال أغلب الأمريكيين بزمن الجاليات الأجنبية. إذ إن طنجة كانت محطة أساسية في رحلة كل الأمريكيين الذين سافروا العالم بحرا. ورغم أن بعض مشاهد الفيلم لم تُصور في المغرب، إلا أن توظيف «طنجة» في العنوان أثر بشكل إيجابي على أصداء الفيلم في السينما الأمريكية، وهو يُعتبر أحد أهم الأعمال السينمائية في خمسينيات القرن الماضي، بالنظر إلى قصة الفيلم والأجواء التي ينقلها.
هذا الفيلم، خدم السياحة في المغرب بشكل كبير، قبل الاستقلال، إذ ظهر فيه أبطال الفيلم وهم يتناولون الطعام المغربي ووراءهم خلفيات للمعمار المغربي، وكان عرضه في القاعات دافعا قويا للأمريكيين خصوصا، لكي يشدوا الرحال إلى المغرب ليعيشوا تجربتهم الشخصية في طنجة، محاكاة مع قصة الفيلم.
كما أن مشهدا يظهر فيه بطل الفيلم وهو بصدد تجربة تناول «البسطيلة» المغربية، وطقوس غسل اليدين في «الطست» الفضي، والنادل المغربي بالطربوش الأحمر، كلها عناصر أثثت مشاهد الفيلم، وشكلت دعاية سياحية قوية للمغرب، وجعلت الأمريكيين ينافسون الفرنسيين لسنوات على اختيار المغرب وجهة سياحية مفضلة، إن لم تكن الأفضل.
++++++++++++++++++++++++++++++
كُتب المغامرين والرحالة الأجانب.. أولى الدعايات السياحية للمغرب قبل قرن ونصف
إلى حدود سنة 1890، ظلت منطقة الأطلس عصية على الاختراق الأجنبي. سوس والحوز والنواحي، لم يسبق لأي أجنبي أن توغل داخلها، باعتراف الدبلوماسيين والرحالة الأوروبيين والأمريكيين إلى حدود سنة 1909. مع تسجيل حالات نادرة وصل فيها الأجانب إلى حدود مراكش، خصوصا «أمزميز».. غير ذلك، لم يكن المغامرون والسياح قد وصلوا قط إلى الجنوب، إلا أنهم اكتشفوا منطقة أكادير، وما كان يصطلح عليه بـ«سانتا كروز»، ونواحي الصويرة، والدار البيضاء والشريط الساحلي، وصولا إلى طنجة الدولية وتطوان.
كان البريطانيون سباقين إلى الكتابة عن المغرب، خصوصا وأنهم كانوا يعبرون من جبل طارق إلى طنجة الدولية، وازدادت أعدادهم بعد سنة 1880، التي تألقت خلالها العلاقات المغربية البريطانية. وهؤلاء السياح، كانوا يعمدون إلى كتابة مذكراتهم أو «يومياتهم» في المغرب، وكانت بطبيعة الحال تحقق مبيعات خيالية.
تحتفظ المكتبة البريطانية بكتابات جريئة عن المغرب، واللافت أن مغامِرات خضن تجربة السفر إلى المغرب، ثم الكتابة عنه، وزاحمن الرجال في هذه «الهواية» المحفوفة بالمخاطر.
ويمكن اعتبار الكاتبة والرحالة «آميليا بريير»، واحدة من أوائل النساء الأوروبيات والبريطانيات اللواتي سافرن إلى المغرب وكتبن لجمهور واسع عن الحياة المغربية، وشكل كتابها «A winter in Morocco» – شتاء في المغرب- الصادر سنة 1873، أحد أقدم وأندر الكتابات التي مارست «الدعاية» للسياحة في المغرب، خصوصا في حدود طنجة الدولية.
وجاء في مقدمة هذا الكتاب، وننقله هنا حصرا، ما يمكن اعتباره دعاية سياحية صريحة:
«« -طنجة تقع في الجزائر. صحيح؟
– طنجة ! آه من هناك يأتي البرتقال الطنجاوي؟
– كيف ستصلين إلى هناك؟ اذهبي إلى تونس أولا ربما.
– طنجة؟ جميلة. إنها قريبة من جبال الأطلس، يمكنك تسلقها يوما ما.
– طنجة تنتمي لإنجلترا؟ ضممناها في وقت سابق. صحيح؟
هكذا بدا لي أن معظم أصدقائي يجهلون أي شي عن طنجة. وربما أضيف أن أصدقائي ليسوا أكثر جهلا من أصدقاء الآخرين.
لهؤلاء أكتب هذا الفصل. كل من يعتقد من عنوان الكتاب أنه يعرف كل شيء عن المغرب بشكل عام، وعن طنجة خصوصا، ربما قد يتجاوز هذا الفصل، وربما يتجاوز الكتاب كله في هذه الحالات.
يجب أن أعترف بأنني لم أكن أعرف أي شيء عن المغرب عندما جئت في المرة الأولى، كل ما أعرفه كان عن طريق الكتب. وأثار اهتمامي ما قرأته ووجدته مطابقا لما كنت أبحث عنه.
لقد كتبت هنا تجربتي عن المغرب. ووصفت، قدر المستطاع كل ما رأيت وسمعت هناك، على أمل أن يكون الأمر ممتعا للقارئ، وأن يتعلموا شيئا ما من التجربة، كما تعلمتُه».
عندما صدر كتاب «آميليا بريير» في بريطانيا، كتبت عنه الصحف البريطانية، وخصص له النقاد حيزا مهما في أقوى النشرات الثقافية.. ليس لأن الكاتبة امرأة فحسب، ولكن أيضا لأن الكتاب قدم صورة مشرقة عن طنجة الدولية، وتحدثت صاحبته عن فنادق بعينها، ووصفت المشرفين على الفندق والمقاهي، ووصفت الطرق والمسالك وأفضل الوجهات التي يمكن التردد عليها، وخصوصية «تطوان» واختلافها الشديد عن طنجة، رغم القرب الجغرافي.. ولم تغفل الإشارة إلى «الغرائبيات» التي رأتها في المغرب، والتي شكلت «بهارات» دعائية، لا يمكن إلا أن تحفز السائح الأوروبي على حجز أول تذكرة إلى جبل طارق، ومنه إلى طنجة.
قصة «كتاب دعائي» غيّر نظرة السياح إلى المغرب سنة 1897
عنصران جعلا من هذا الكتاب الذي نحن بصدده الآن، يحظى بشهرة واسعة في أوساط قراء ومعجبي كتب السفر والمغامرات، قبل حوالي 130 سنة من اليوم.. الكاتب كان يحظى بشهرة واسعة في بلاده، والكتاب يحكي مغامرة تحبس الأنفاس، ولا تخلو من «بهارات»..
يتعلق الأمر بكتاب «رحلة في المغرب»، للكاتب «آرثر كامبيل».
هذا الكتاب كان حملة دعائية للسياحة في المغرب، قبل أن تتأسس وزارة السياحة بعقود طويلة. وقبل حتى أن يفكر الفرنسيون في تأسيس مكاتب السياحة ووكالات الأسفار. لقد كان السيد «آرثر» لوحده وكالة متنقلة.
يقول في وصف اللحظات الأولى لاستقراره في فندق بطنجة الدولية:
«أخيرا وصلنا إلى البر. وتمشينا فوق شيء غريب يستعملونه في المغرب سلما بين الباخرة والمرفأ. ووجدنا أنفسنا فوق رصيف مغربي عجيب. وفجأة وجدنا أنفسنا محاطين بحشد من المغاربة. بعضهم كانوا يرتدون قبعات مغربية وآخرون يضعون عمامات فوق رؤوسهم. كان هناك بينهم من يرتدون ملابس زائدة ويلفون أنفسهم في الثوب، بينما آخرون كانوا شبه عراة بالكاد يغطون جزءهم الأسفل. لكنهم كانوا جميعا متسخين ويتصايحون في صخب.
كانوا يقتربون منا وبدؤوا في الإمساك بي من ذراعي ومن ساقي أيضا. كانوا جميعا يريدون المال، أو يعرضون توفير خِدمة يتلقون المال من أجلها.
أخذ «مورينو» حقائبي واخترق جوقة الضجيج، إذ كان يرد على حقارتهم بحقارة مماثلة. تبعته وبقيت وراءه عن قرب.
أخيرا، وصلنا إلى فندق، الدخول إليه من الشارع يشبه العبور من حضارة إلى أخرى. كنت من أوائل من زاروا المغرب، مباشرة بعد أن رفع الحجر الصحي. ونتيجة لذلك وجدت نفسي الزبون الوحيد في فندق فسيح، مُريح وواسع.
قلبي ارتجف، ليس خوفا من ميكروبات الكوليرا، ولكن لأن الفندق كله أصبح كما لو أنه ملكي. وربما قد ينتظرون مني الأداء عن استغلالي للفندق وحدي.
كان مالك الفندق يتحدث الإنجليزية بطلاقة، بالإضافة إلى لغته الأصلية الإسبانية. لكنه كان يتفاصل بشأني مع «مورينو»، كما لو أنني قطعة من الأمتعة».
أما الفقرة التالية من الكتاب، فتفسر سر نجاح الدعاية السياحية التي مارسها السيد «آرثر» لصالح السياحة، خصوصا في شمال المغرب، ما بين طنجة وتطوان. يقول:
«ما إن اتخذنا الطريق على اليمين واتجهنا صوب الزنقة التي تقود إلى حي «النصارى»، حيث يوجد «نُزل» هناك، حتى اصطدمنا بجماعة من الشبان والأطفال اجتمعوا حولنا وبدؤوا يضربون البغال ويطلبون منا المال ويلحون في الطلب، رافعين أصواتهم وضحكاتهم على طول الرصيف.
«الفندق»، أو النُزل الذي وصلنا إليه، كان في ملكية الإسبان. واسمحوا لي أن أقول إنه مهما كانت الرحلة متعبة وغير مريحة في المغرب، فإنه بالمقدور الحصول على سرير نظيف وعشاء جيد في تطوان. كان النُزل جيدا، كان على هيئة بناء مربع من طبقات، وفي كل طبقة توجد ثلاث غرف، حيث كان يبدو من بعيد كبرج.
كنت متعبا كفاية لأسقط من شدة الإرهاق، لكني قررت أن أتعشى جيدا أولا. السيد X وY، رجلان إنجليزيان كانا قد تجاوزانا في الطريق، كانا يتناولان عشاءهما معي. كان عشاء رائعا والخمر كان كذلك أيضا. حتى أننا نسينا أننا كنا متعبين، وبقينا جالسين إلى منتصف الليل نتحدث عن المغرب، ونقارن تجاربنا مع الجبال».
هكذا أسس الفرنسيون وكالات السياحة عقودا قبل ميلاد وزارة للقطاع
في سنة 1923، بدأت أولى وكالات السياحة الفرنسية تنشط في المدن الساحلية، لتغطية خطوط النقل البحري والدعاية إليها. إلا أن أغلب الركاب الفرنسيين القادمين على متنها إلى المغرب، لم يكونوا سياحا في الحقيقة، وإنما مواطنين فرنسيين فضلوا الانتقال إلى المغرب، لبدء حياة جديدة والاستفادة من التسهيلات الحكومية لإعمار مغرب الحماية الفرنسية، خصوصا في الرباط، الدار البيضاء، الجديدة، الصويرة وآسفي، وصولا إلى مراكش التي كانت المدينة الداخلية الاستثناء في هذا المخطط المعتمد أساسا على المدن الساحلية.
أولى الوكالات السياحية التي أسسها الفرنسيون استهدفت الدار البيضاء بالأساس، ثم انتقل تأثيرها إلى الرباط، وكان الهدف منها إنعاش اقتصاد الفنادق المؤسسة حديثا في المدينة بعد إعادة بنائها. أغلب الفنادق صارت جاهزة سنة 1920، بعد عمليات بناء وإقامة للبنيات التحتية في المدينة بعد 1912، سيما وأن الدار البيضاء كانت قد قصفت بالكامل سنة 1907، ودكتها البارجة البحرية.
هذه البداية الاقتصادية الجديدة في الدار البيضاء، أسهمت في إنعاش عمل وكالات السفر الفرنسية، والتي بدأت أولا في نقل المعمرين الفرنسيين الأوائل إلى المدينة، ثم السياح في وقت لاحق.
الأرشيف الفرنسي يشهد أن أولى عمليات النقل السياحي لم تنتعش إلا في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث اقتصر برنامجها الدعائي على الترويج للفنادق الفرنسية المقامة في قلب الدار البيضاء، دون التطرق إلى أي نشاط سياحي ترفيهي من أي نوع. والأمر نفسه ينطبق على مدينة الرباط أيضا.
أما مدينة طنجة الدولية، فقد كانت تسبق وكالات الأسفار الفرنسية بأشواط.. والأنشطة الترفيهية والسياحية في نواحيها، كانت قد انطلقت بالفعل، قبل الحماية بعقود طويلة.
بالعودة إلى الوكالات السياحية الفرنسية، فقد أطلق الفرنسيون في أربعينيات القرن الماضي، رحلات سياحية من الدار البيضاء إلى مراكش.. حيث كانت هذه هي الوجهة الأكثر شعبية وطلبا من طرف الفرنسيين. وأسهم الباشا التهامي الكلاوي في إنعاش هذا الخط السياحي، عندما فتح قصره الخاص، لاستقبال كبار الضيوف، في ما أعطى أوامره إلى قادة القبائل لاستقبال السياح الفرنسيين والسماح لوكالات الأسفار الفرنسية بإقامة أنشطة ترفيهية، وتوفير الحماية لهم. وأدلى سياح فرنسيون، بعضهم صحافيون وكتاب، بشهادات تؤكد أن الجولات السياحية في نواحي الأطلس ومنطقة الحوز كانت محمية من طرف رجال القبائل المحلية، الذين كانوا يطوقون أماكن الأنشطة السياحية ويوفرون الحماية للسياح.
في نهاية الأربعينيات، وضعت وكالات الأسفار الفرنسية عروضا تتعلق بكراء السيارات، مع السائق، لضمان تنقل السياح الفرنسيين، وغيرهم من الجنسيات الأخرى داخل المغرب، وهي المبادرة التي لقيت تجاوبا كبيرا، سيما مع بداية خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ الاقتصاد في أوروبا يتعافى من تبعات الحرب العالمية الثانية.
ففي بداية الخمسينيات دائما، أمطرت الصحف الفرنسية قراءها بوابل من الإشهارات الدعائية السياحية. وشكلت الأفلام التي جرى تصوير بعض مقاطعها، أو أغلبها، في المغرب، وجها دعائيا ساهم في استقطاب السياح الفرنسيين إلى الدار البيضاء والرباط خصوصا، وبقية النواحي في وقت لاحق.
كانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية انطلاقة فعلية واحترافية لعمل الوكالات السياحية الفرنسية في المغرب، خصوصا مع تصدر مشاهير السينما الفرنسية لملصقات دعائية أثناء سفرهم إلى المغرب.
المطبخ المغربي كان أيضا حاضرا بقوة في هذه الحملات الدعائية الفرنسية.. فقد كانت الأطباق المغربية التقليدية، تُروج في الإعلانات الإشهارية، وتدعو الوكالات زبناءها إلى تجربة الأطباق المغربية في الفنادق ودور الضيافة، التي كانت تشرف عليها وكالات الأسفار الفرنسية. وكل هذه العناصر شكلت ملامح الدعاية السياحية في المغرب، زمنا قبل إطلاق عمل وزارة السياحة.
قصة منازل «لوداية» الرباطية بمجلة «شيكاغو تريبيون» الأمريكية سنة 1951
في أكتوبر 1951، نشرت مجلة «شيكاغو تريبيون»، إحدى أشهر المجلات الأمريكية وأكثرها انتشارا داخل الولايات المتحدة وخارجها، مقالا دعائيا للسياحة في مدينة الرباط، خصوصا في منطقة «لوداية» العتيقة، والمطلة على المحيط الأطلسي.
الحماية الفرنسية، في شخص المقيم العام بالرباط، لم يستسغ أن تكتب صحافية أمريكية مقيمة في المغرب، بدون قيود، وتقدم حياة سكان أحد أقدم أحياء الرباط إلى القارئ الأمريكي، والعالم، خارج الرقابة الإدارية الفرنسية.
أما قصة المقال، فقد حكتها صاحبته، الصحافية «مارفين هاو»، في حوار حصري سابق مع «الأخبار». كانت وقتها مارفين هاو، مع اقتراب شتنبر 1951، قد بدأت مهامها الصحافية في «راديو ماروك» بالرباط، وتبحث عن مكان مناسب للسكن، وأثناء رحلتها في البحث عن منزل مناسب، وجدت أسرة أمريكية تعيش على الطريقة المغربية.
اعتبرت «مارفين هاو» أن تلك الأسرة محظوظة للغاية، ليس فقط لأن أفرادها وجدوا منزلا في منطقة «لوداية» الساحرة المطلة على البحر، ولكن لأن «مارفين» كانت ممنوعة من السكن وسط المغاربة. إذ إن إدارة «راديو ماروك» فرضت عليها أن تسكن في وسط الفرنسيين التابعين للإقامة العامة الفرنسية، حيث لا تتواصل مع الشعب المغربي نهائيا، باستثناء الخادمات والطباخين الذين يتم اختيارهم بعناية لخدمة الفرنسيين، مع فرض شروط صارمة عليهم أثناء العمل.
إلا أن «مارفين هاو»، بحكم شخصيتها الشابة المنطلقة والمتمردة، كانت لا تمانع القيام بجولات استكشافية في مدينة الرباط، لكي ترى ما لم يكن الفرنسيون يريدون لها أن تراه.
تقول إنها توجهت إلى منطقة «لوداية»، واكتشفت أن أسرة أمريكية تعيش في منزل مغربي مائة بالمائة، بل حتى أن أثاث المنزل كان عاديا جدا.
لكن ما ميز ذلك المنزل، وربما هو ما جعل الأسرة الأمريكية تقرر شراءه من مالكه المغربي، هو أن أحد جدران المنزل قد تآكل وآل للسقوط، ليسمح للجالسين في بهو المنزل برؤية المحيط الأطلسي أمامهم مباشرة وكأنهم في كهف مطل على البحر.
هذه الجزئية جعلت «مارفين هاو» تقرر إنجاز تغطية عن قصة المنزل، ونقلها إلى القراء حول العالم.
ما لم تعرفه «مارفين هاو» وقتها أن قصتها سوف تصل إلى القراء الأمريكيين، وسوف تحظى بمتابعة كبيرة جدا، إذ إن تلك القصة جعلت الأمريكيين يتعرفون عن قرب على الواقع المغربي، حتى أن الأسرة التي تقطن في المنزل قررت جعله مصدرا لكسب المال، بسبب زيارات الفضوليين الذين أرادوا زيارة المنزل الذي وصلت صوره إلى الصحافة، وتأمل منظر المحيط الأطلسي من داخل منزل مغربي بسيط في البناء والأثاث، خصوصا وأن حي «الأوداية» وقتها كان محظورا على الرعايا الفرنسيين في الرباط، وهو ما جعلهم بدورهم يغيرون أفكارهم المسبقة عن المنازل المغربية في الرباط العتيقة.
والمثير أيضا أن بعض السياح الأمريكيين كانوا يأتون إلى الرباط، حاملين معهم نسخة من المجلة، ويبحثون عن المنزل موضوع المقال، لكي يحظوا بتجربة الجلوس في قلب منزل، مطل على المحيط الأطلسي! ليكون المقال أقدم دعاية عصرية للسياحة في المغرب، خلال القرن العشرين.





