
في أقصى الشمال، حيث تمتد الصفائح الجليدية بلا نهاية ويختلط الصمت القطبي بحسابات القوة الدولية، تبرز غرينلاند كجزيرة لا تختزلها طبيعتها القاسية وحدها، بل تاريخها الطويل من الهيمنة الخارجية والتحولات السياسية. فمنذ قرون، لم تكن هذه الأرض الشاسعة مجرد موطن لشعب الإنويت، بل تحولت تدريجياً إلى ساحة نفوذ أوروبي، فخضعت للاستعمار الدنماركي الذي أعاد تشكيل هويتها السياسية والاقتصادية والثقافية. وبين إرث السيطرة الاستعمارية، وبدايات الحكم الذاتي وصعود مطالب الاستقلال، تقف غرينلاند اليوم عند مفترق طرق، تحمل في جليدها المتراكم تاريخاً ثقيلاً من التبعية، وفي حاضرها أسئلة مفتوحة حول السيادة والموارد والمكانة في عالم تتزايد فيه شهية القوى الكبرى للقطب الشمالي.
إعداد: سهيلة التاور
تمثل غرينلاند نموذجاً استثنائياً في الجغرافيا السياسية والطبيعية، إذ تمتد على مساحة شاسعة تفوق أي جزيرة أخرى في العالم، فيما يظل الوجود البشري فيها محدوداً مقارنة بحجمها الهائل. وتطغى على ملامحها بيئة قطبية قاسية، حيث تشكل الصفائح الجليدية العمود الفقري لتضاريسها، في واحدة من أوسع المناطق المتجمدة على الكوكب، ضمن نطاق بحري يفصل بين أعالي الأطلسي والدائرة القطبية الشمالية.
يحمل سكان الجزيرة إرثاً ثقافياً خاصاً ينعكس في تسميتهم لأرضهم بـ«إنويت نونات» أو «كالاليت نونات»، في دلالة رمزية على الانتماء الإنساني للمكان، فيما تُعرف العاصمة الحالية نوك باسم آخر متداول تاريخياً هو «غود ثوب».
وبينما تضعها الخرائط الطبيعية ضمن الامتداد القاري لأمريكا الشمالية، فإن واقع غرينلاند السياسي يُدرجها ضمن الفضاء الأوروبي بحكم خضوعها للتاج الدنماركي.
رحلات الهجرة والفايكنغ
يعتقد أن سكان الجزيرة الأصليين «الإنويت» قدِموا إلى شمال غرب الجزيرة في موجات هجرة من أمريكا الشمالية، عبر جزر القطب الشمالي الكندية، بعد تجمد البحر في المضيق الضيق قرب منطقة ثول شمال الجزيرة قبل نحو 2500 سنة قبل الميلاد.
وشهدت الجزيرة ما لا يقل عن ست موجات هجرة مختلفة لـ«الإنويت» استمرت حتى أوائل الألفية الثانية الميلادية، كانت آخرها ما تعرف بـ«ثقافة ثول» عام 1100 ميلادي، والتي ينحدر منها السكان المعاصرون لغرينلاند.
في عام 982م، استوطن الجزيرة «الفايكنغ» النرويجي إريك الأحمر، الذي نفي إليها بعد طرده من جزيرة آيسلندا بتهمة القتل، ومكث فيها نحو أربع سنوات، ثم عاد ووصف الأرض التي سكنها بـ«غرينلاند».
قرر النرويجي تنظيم رحلة استكشافية إلى الجزيرة عام 986م، ونتج عنها إنشاء مستوطنتين رئيسيتين، الأولى في مدينة كاكورتوك جنوبا والأخرى قرب العاصمة نوك في الجنوب الغربي، وكان عدد السكان حينئذ بين 3 آلاف و6 آلاف نسمة موزعين على نحو 280 مزرعة.
ووصلت المسيحية إلى الجزيرة في القرن الـ11 عبر النورماني ليف إريكسون بن إريك الأحمر، بعد عودته من النرويج، التي كانت اعتنقت المسيحية حديثا، وأُنشئ مقر للأسقف فيها عام 1126م، واستمر الوجود المسيحي بالمنطقة قرونا.
بداية من القرن الـ13 بدأ المستوطنون يتفاعلون مع ثقافة ثول، لكن في القرن الـ14 بدأ وجودهم يقل حتى انعدم تماما مع بداية القرن الـ15 إذ هجرت مستوطناتهم بالكامل، ورغم عدم معرفة السبب وراء اختفائهم، إلا أن الراجح أنه كان بسبب التغيرات المناخية الباردة القاسية.
الاستعمار الدنماركي
في القرنين الـ16 والـ17، بدأ صائدو الحيتان الهولنديون والإنجليز بالتردد على سواحل الجزيرة، لكن بدون أي محاولات استيطانية حتى وصول المستكشفين الدنماركيين إليها مرة أخرى، وأكدت مملكة الدنمارك والنرويج السيادة على الجزيرة.
وأسس المبشر اللوثري النرويجي هانز إيجيد بعثة تجارية ومركزا تبشيريا لوثريا قرب نوك عام 1721م، بموافقة المملكة الدنماركية النرويجية، وفي تلك الفترة انتشرت اللغة الدنماركية بشكل واسع، وبدأ استعمالها في الإدارة وانتشرت بالمدن الكبرى.
عام 1776م فرضت الحكومة الدنماركية احتكارا تجاريا كاملا على غرينلاند وأغلقت سواحلها أمام الأجانب، ولم يُرفع هذا الحظر حتى عام 1950، وبقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية حتى عام 1953 عندما أصبحت مقاطعة تابعة لها بموجب الدستور، وهو ما مكن سكان غرينلاند من الاستفادة من جميع حقوق المواطنة التي يتمتع بها الدانماركيون.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، خضعت غرينلاند لحماية الولايات المتحدة بعد احتلال ألمانيا الدنمارك، وأنشأت وجودا عسكريا وإذاعيا على الجزيرة، وحافظت القوات الأمريكية على وجود دائم في قاعدة بيتوفيك الفضائية، المعروفة سابقا باسم قاعدة ثولي الجوية، في شمال غرب الجزيرة منذ ذلك الحين.
عام 1946، عندما كانت غرينلاند لا تزال مستعمرة دنماركية، اقترح الرئيس الأمريكي هاري ترومان شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، لكن كوبنهاغن رفضت البيع، وفي المقابل أعطت موافقة إنشاء قاعدة ثول الجوية، وتم ذلك في سرية أثناء الحرب الباردة، ولم يجر الكشف عنه إلا عام 1991 في تقرير لوكالة أسوشيتد برس.
ونص الاتفاق بين الولايات المتحدة والدانمارك عام 1951 على حق واشنطن في بناء قواعد عسكرية في غرينلاند وحرية نقل قواتها على أراضيها مع إخطار الدانمارك وغرينلاند.
الطريق نحو الحكم الذاتي
منحت الدنمارك سكان غرينلاند حكما ذاتيا في ماي 1979، مع بقائها جزءا من المملكة الدنماركية، وهو ما ضمن لهم حقوق المواطنة الدنماركية، واحتفظت الدنمارك بإدارة الشؤون الدستورية والعلاقات الخارجية والدفاع، فيما تولت غرينلاند مسؤولية مجالات التنمية والضرائب والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وتم الاتفاق على إدارة الموارد المعدنية بشكل مشترك بين الدنمارك وغرينلاند، وهو ما شجع سكان الجزيرة على التصويت بأغلبية في استفتاء عام 2008 على التوسع التدريجي في الحكم الذاتي، ويشمل الحق في إعلان الاستقلال عن الدانمارك عبر استفتاء، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ يوم 21 يونيو 2009.
اعتُبر هذا الاستفتاء خطوة نحو الاستقلال الكامل، خاصة مع الآمال في أن تخفف الإيرادات المحتملة من الموارد الطبيعية من الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك.
مع بداية القرن الـ21، ازدادت مطالب سكان غرينلاند بالسيطرة على الشؤون الخارجية، خاصة بعد توقيع اتفاق عام 2004 سمح للولايات المتحدة بتحديث نظام الدفاع الصاروخي في قاعدة ثول الجوية شمال الجزيرة، ما عزز رغبة السكان في دور أكبر في القرارات السيادية التي تؤثر على الجزيرة.
وأثارت حادثة تحطم طائرة عسكرية أمريكية عام 1968 قرب قاعدة ثول، كانت تحمل أربع قنابل هيدروجينية، مخاوف السكان بشأن استمرار الوجود الأمريكي. وتزايد القلق بعد اكتشاف أن الولايات المتحدة كانت تخزن أسلحة نووية في الجزيرة، علما أن الدنمارك تحظر الأسلحة النووية على أراضيها أو فوقها، ما دفع إلى مطالبات بمزيد من السيطرة على الشؤون الدفاعية.
وشهدت انتخابات البرلمان في يونيو 2009 تحوّلا سياسيا مهما، إذ فقد حزب «سيوموت» السيطرة على السلطة لأول مرة منذ بدء الحكم الذاتي، وفاز حزب «إنويت أتاكاجيت»، يدعم الاستقلال الكامل، بأكثر من 40 بالمئة من الأصوات، وتولى زعيم الحزب كوبك كليست تشكيل حكومة ائتلافية استعدادا لتوسيع الحكم الذاتي.
في انتخابات 2013، عاد حزب «سيوموت» إلى السلطة بقيادة أليك هاموند، أول رئيسة وزراء في غرينلاند، وتبنت حكومتها سياسات جديدة شملت فرض حظر على منح تراخيص التنقيب عن النفط، وفرض إتاوات على الشركات الأجنبية قبل البدء بالتعدين، وسمحت باستخراج بعض المعادن المشعة مثل اليورانيوم، الذي كان محظورا سابقا.
في أكتوبر 2014، استقالت هاموند بسبب اتهامات بإساءة استخدام أموال الحكومة، وتولى كيم كييلسن، من حزب «سيوموت»، منصب رئيس الوزراء.
في انتخابات نونبر 2014، فاز كييلسن بحوالي 34 بالمئة من الأصوات وشكل ائتلافا حكوميا جديدا.
وبعد انقسام الائتلاف في 2016، تحالف كييلسن مع حزب «إنويت أتاكاجيت» وحزب «ناليراق» المؤيد للاستقلال.
في انتخابات أبريل 2018، حصل حزب سيوموت على 27 بالمئة من الأصوات مقابل 25 بالمئة لحزب «إنويت أتاكاجيت». ونظرا للخلافات حول قضايا الصيد، لم يستطع الحزبان التحالف، فشكّل كييلسن حكومة جديدة. وفي أكتوبر من العام نفسه، انسحب حزب «ناليراق» من الائتلاف، لكن كييلسن استمر في قيادة حكومة أقلية بدعم من حزب الديمقراطيين.
تمحورت الانتخابات، التي جرت في أبريل 2021، حول مشروع منجم للمعادن النادرة، وكان هناك أمل في أن يوفر عددا من الوظائف لكنه أثار مخاوف بيئية كبيرة.
عارض حزب «إنويت أتاكاجيت» المشروع، ما مكنه من الفوز في الانتخابات، وحصل على 37 بالمئة من الأصوات و12 مقعدا في البرلمان، في حين حصل حزب سيوموت على 30 بالمئة من الأصوات و10 مقاعد.
وأصبح زعيم حزب «إنويت أتاكاجيت»، موتي بوروب إيجيدي، رئيسا للوزراء، وشكّل حكومة ائتلافية مع حزبي «ناليراق» و«أتاسوت».
حاول رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب شراء الجزيرة مرة أخرى في غشت 2019 لكن حكومتي الدنمارك وغرينلاند رفضتا. وفي 22 دجنبر 2024، أعرب ترامب عن أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند أمر ضروري للأمن القومي والحرية العالمية. وقال ترامب إنه يريد أن يجعل غرينلاند جزءا من الولايات المتحدة، وإنه لا يستبعد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية لإجبار الدنمارك على منحها لواشنطن.
وعبرت الولايات المتحدة عن اهتمامها بتوسيع وجودها العسكري عبر وضع رادارات هناك لمراقبة المياه بين الجزيرة وآيسلندا وبريطانيا، إذ تعد تلك المياه بوابة للسفن البحرية والغواصات النووية الروسية.
جريمة استعمارية
رفعت نحو 150 امرأة من شعب الإنويت (الإسكيمو)، سنة 2024، دعوى قضائية ضد الدنمارك، وطالبن بتعويضات من وزارة الصحة الدنماركية، بدعوى أن السلطات الصحية الدنماركية انتهكت حقوقهن الإنسانية عندما زرعت لهن وسائل منع حمل داخل الرحم تعرف باسم اللولب. ولم تكن بعض النساء، وكثيرات منهن كن مراهقات آنذاك، على دراية بما حدث ولم يقدمن موافقتهن على ذلك.
ووفقا لتقارير، فإن ما يصل إلى 4500 امرأة وفتاة، أي نحو نصف النساء في سن الإنجاب في غرينلاند آنذاك، خضعن لزراعة لولب منع الحمل بين ستينيات ومنتصف سبعينيات القرن الماضي. وكانت الغاية المزعومة هي الحد من النمو السكاني في غرينلاند عبر وسائل منع الحمل. وكان عدد السكان في الجزيرة يتزايد بسرعة حينها نتيجة تحسن ظروف المعيشة والرعاية الصحية.
وفي مراسم رسمية، أُقيمت في عاصمة غرينلاند «نواك»، في شتنبر 2025، قدمت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، ونظيرها في غرينلاند، ينس – فريدريك نيلسن، اعتذاراً رسمياً عن دور حكومتيهما في الانتهاكات التي تعرضت لها نساء وفتيات من السكان الأصليين، حيث تم إخضاعهن لتدخلات طبية تضمنت تركيب وسائل منع حمل من دون علمهن أو موافقتهن.
وقالت فريدريكسن في بيان لها: «لا يمكننا تغيير ما حدث، لكن يمكننا تحمل المسؤولية وتهيئة الظروف للمصالحة مع الماضي»، مضيفة أن الحكومة الدنماركية تعتزم إنشاء صندوق مصالحة لتعويض الضحايا مالياً.
ويأتي هذا الاعتذار قبيل صدور نتائج تحقيق مستقل بشأن الانتهاكات. وكشف التحقيق المستقل أن بعض الضحايا من الفتيات كن في سن 12 عاماً أو أقل، وتعرضن لسياسات منع الحمل من دون علمهن أو موافقتهن. وأفاد عدد منهن بأن هذه التجارب كانت مؤلمة جسدياً ونفسياً، وتسببت لهن بمضاعفات صحية مثل النزيف والعدوى، بالإضافة إلى الشعور بالعار والوصمة.
بين الأطلسي والقطب الشمالي
تقع غرينلاند، شمال شرق كندا بين منطقة القطب الشمالي والمحيط الأطلسي، وتعد كندا أقرب الدول إليها، إذ تبعد عنها بـ26 كيلومترا فقط. وتفصلها عن جزيرة إليسمير مسافة 26 كيلومترا، بينما تبعد عن أقرب دولة أوروبية (آيسلندا) نحو 320 كيلومترا عبر مضيق الدنمارك. وترتبط الجزيرة بأمريكا الشمالية عبر حاجز بحري ضحل لا يتجاوز عمقه 180 مترا.
وتبلغ مساحتها مليونين و166 ألفا و86 كيلومترا مربعا، ويبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب 2670 كيلومترا ومن الشرق إلى الغرب 1050 كيلومترا.
جبال وأنهار جليدية وغطاء نباتي فريد
تعد غرينلاند امتدادا للدرع الكندي المكون من صخور صلبة تعود إلى عصور ما قبل الكامبري (قبل 500 مليون عام)، وأعلى نقطة فيها هي جبل غونبيورن بطول 3733 مترا.
يغطي غرينلاند ثاني أكبر غطاء جليدي في العالم بعد القارة القطبية الجنوبية، بمساحة تزيد على 1.7 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 79 بالمئة من مساحة الجزيرة. ويبلغ متوسط سمك الغطاء الجليدي 1500 متر، ويصل في بعض المناطق إلى 3 آلاف متر، وتتحرك طبقات الجليد باتجاه السواحل.
وتحتوي غرينلاند على حوالي 2.85 مليون كيلومتر مكعب من الجليد، وهو ما يعادل نحو 7 بالمئة من إجمالي المياه العذبة في العالم. ووفق تقديرات أوردتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، إذا ذاب هذا الجليد بالكامل وتحول إلى ماء سائل، فإنه سيؤدي إلى ارتفاع مستوى محيطات العالم بنحو 7.2 أمتار.
تتميز المناطق الساحلية في الجزيرة بوجود مضائق عميقة ومتداخلة مع سلاسل جبلية موازية للسواحل الشرقية والغربية، ويصل ارتفاعها إلى 3700 متر عند جبل غونبيورن في الجنوب الشرقي.
وتشهد سواحل غرينلاند مناظر طبيعية خلابة، إذ تلتقي الكتل الجليدية بالبحر مباشرة. وفي بعض المناطق، تنفصل كتل جليدية ضخمة عن الأنهار الجليدية وتتحرك نحو البحر وتشكل جبالا جليدية عائمة، ما يوفر منظرا فريدا رغم الطبيعة القاسية للجزيرة.
يغطي غرينلاند غطاء نباتي من التندرة يشمل نباتات مثل السعد وعشب القطن، إضافة إلى الأشنات التي تنتشر بكثرة. أما المناطق الخالية من الجليد فتكاد تخلو من الأشجار، باستثناء بعض الشجيرات الصغيرة في الوديان المحمية جنوبا، مثل البتولا والصفصاف والألدر.
تعيش في الجزيرة أنواع عديدة من الثدييات البرية، مثل الدببة القطبية وثيران المسك والرنة وثعالب القطب الشمالي. وتنتشر في مياهها المحيطة الفقمات والحيتان، إضافة إلى أسماك القد والسلمون والبلطيات والهلبوت وشار القطب.
برودة متطرفة وتغيرات مناخية حاسمة
يتميز مناخ غرينلاند بالبرودة الشديدة والتغيرات السريعة في الطقس، إذ تتأثر بتيار الخليج الدافئ قليلا في الجنوب الغربي، وتتراوح درجات الحرارة شتاء بين 7 درجات مئوية تحت الصفر في الجنوب و34 درجة مئوية تحت الصفر في الشمال، بينما تتراوح صيفا بين 7 و4 درجات مئوية.
وتشهد غرينلاند ظاهرة شمس منتصف الليل مدة شهرين في الصيف، إذ تظل الشمس ظاهرة طوال اليوم. ويتراوح معدل هطول الأمطار سنويا بين 1900 ملمترا في الجنوب و50 ملمترا في الشمال. وتصنف مساحات واسعة من الجزيرة صحاري قطبية بسبب قلة الأمطار فيها.
شهدت الجزيرة في أواخر القرن الـ20 وبداية القرن الـ21 تأثيرات واضحة للاحتباس الحراري، إذ لاحظ العلماء تقلص الغطاء الجليدي بمعدلات متسارعة، ففي عام 2012، أظهرت الأقمار الصناعية ذوبان 97 بالمئة من الغطاء الجليدي، بينما كان الذوبان المعتاد يؤثر على نصفه فقط.
الإنويت.. الأقليات والتحديات الديمغرافية
بلغ عدد سكان غرينلاند نحو 56 ألف نسمة عام 2024 وفق الموسوعة البريطانية، ويعيش معظمهم في 20 بالمئة فقط من مساحة الجزيرة، في الجزء الذي لا تغطيه الثلوج والجليد، ويتمركزون في المدن الساحلية الجنوبية والغربية، خاصة في العاصمة نوك، التي تضم ربع السكان، أما المناطق الداخلية فهي غير مأهولة.
ويتألف سكان غرينلاند بشكل أساسي من الإنويت الذين يطلقون على أنفسهم أسماء مختلفة حسب المنطقة التي ينتمون إليها، ففي الغرب يعرفون بـ«كالاليت»، وفي منطقة ثول في الشمال الغربي يعرفون بـ«إينوغويت»، وفي الشرق بـ«إيت».
وشكل الدنماركيون أكثر من عُشر السكان عام 2015، ومعظمهم ولدوا في الدنمارك، إضافة إلى وجود فلبينيين (حسب مكان الولادة) بنسبة 1.6 بالمئة وشعوب نوردية بنسبة 0.9 بالمئة، وشعوب أخرى بنسبة 2.3 بالمئة، حسب تقديرات «سي آي إيه» عام 2024.
ويدين معظم السكان باللوثرية الإنجيلية التي يتبعها نحو الثلثين منهم، ويتبع الثلث الآخر المسيحية باختلاف طوائفها، وهناك أقليات تدين ببعض المعتقدات المحلية، على غرار الشامانية.
وكانت الدنماركية اللغة الرسمية في غرينلاند حتى 21 يونيو 2009، حين صارت الغرينلاندية (تنتمي للغات الإسكيمو-أليوتية) اللغة الرسمية للبلاد مع استخدام الدنماركية لغة ثانية.
وتعزو بعض التفسيرات سبب عدد السكان القليل إلى ما تقول إنها «ممارسات قسرية» مارستها حكومة الدنمارك لتحديد نسل شعب «الإنويت»، وكشفت عنها في بادئ الأمر مواقع إعلامية دنماركية ذكرت أنها جرت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين على آلاف من بنات ونساء الإنويت، عبر تركيب جهاز داخل الرحم -يعرف باللولب- دون علمهن بوظيفته أو ماهيته، من أجل حرمانهن من القدرة على الإنجاب.
وأظهر تسجيل صوتي «بودكاست» صدر في إطار حملة أطلق عليها باللغة الدانماركية اسم «سبيرالكامغنن»، أي «حملة اللولب»، سجلات تشير إلى أن نحو 4500 امرأة وفتاة، أي حوالي نصف جميع الإناث في مرحلة الخصوبة حينئذ في غرينلاند، زرع لهن لولب بين عامي 1966 و1970، لكن هذا الإجراء القسري استمر بعدها حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين.
الاقتصاد والغذاء والطاقة
يعتمد السكان الأصليون في الجزيرة بشكل أساسي على صيد الفقمة مصدرا للدخل، ويأتي بعدها صيد الحيتان والأسماك. وتشكل السياحة مصدر دخل رئيسيا للدولة، إضافة إلى التعدين.
وشكل الصيد وصيد الأسماك الوسيلتين الرئيسيتين للبقاء على قيد الحياة في الجزيرة، نظرا لقصر فصل الصيف. وبسبب المناخ والجغرافيا القاسية، فإن الزراعة تكاد تكون مستحيلة باستثناء الجنوب الأقصى من البلاد، حيث ينتشر رعي الأغنام.
وشهد عدد السياح الأجانب الذين يقضون الليالي في غرينلاند ارتفاعا بنسبة تزيد عن 50 بالمئة منذ عام 2000، فيما زاد عدد ركاب السفن السياحية الذين يتوقفون فيها بحوالي 150 بالمئة في الفترة نفسها.
ومن المصادر الطبيعية في الجزيرة: الفحم وخام الحديد والرصاص والزنك والموليبدينوم والألماس والذهب والبلاتين والنيوبيوم والتنتاليت واليورانيوم والأسماك والفقمة والحيتان والطاقة الكهرومائية.
وتحظر غرينلاند استخراج النفط والغاز الطبيعي لأسباب بيئية، وواجه تطوير قطاع التعدين فيها عراقيل بسبب البيروقراطية ومعارضة السكان الأصليين.





