حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةالملف السياسيسياسية

النساء بين الوعود الانتخابية وواقع المشاركة السياسية

الأحزاب أمام رهان تجديد نخبها وفتح المجال أمام النساء للمنافسة السياسية

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تعود قضية حضور النساء في الحياة السياسية إلى واجهة النقاش، في ظل استمرار الفجوة بين الخطاب الداعم للمساواة والمناصفة وبين واقع التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة. وبعد سنوات من اعتماد آليات قانونية ومؤسساتية لتعزيز مشاركة النساء، يظل السؤال مطروحا حول مدى استعداد الأحزاب السياسية للانتقال من الحديث عن تمكين المرأة إلى منحها موقعا فعليا في صناعة القرار.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع اقتراب انتخابات 2026، التي ستكون اختبارا جديدا لمدى قدرة الأحزاب على تجديد نخبها، وفتح المجال أمام النساء للمنافسة السياسية الحقيقية. فالمطلوب لم يعد مجرد إدراج قضايا النساء ضمن البرامج الانتخابية، وإنما تقديم التزامات واضحة بشأن التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتحويل الوعود إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس.

وعلى مدى السنوات الماضية، حضرت قضايا النساء في البرامج الحزبية من خلال عناوين مثل محاربة العنف، وتعزيز المساواة، ودعم التشغيل، وتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، غير أن حضور المرأة كثيرا ما ظل محصورا في موقع المستفيدة من السياسات، بدل التعامل معها باعتبارها فاعلا سياسيا وشريكا في إنتاج القرار.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، ومن طريقة اختيار المرشحات وترتيب اللوائح وتوفير شروط المنافسة العادلة. فالمناصفة لا تقاس فقط بعدد النساء داخل المؤسسات، وإنما أيضا بمدى حضورهن في مواقع القيادة والتأثير.

وبين وعود البرامج الانتخابية ونتائج صناديق الاقتراع، ستكون قضية النساء أحد المعايير الأساسية لقياس جدية الأحزاب في تجديد النخب، وترجمة مبدأ المناصفة من شعار انتخابي إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية.

 

إعداد: النعمان اليعلاوي

 

تاريخيا، لم تكن قضايا النساء غائبة عن البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية. فقد اعتادت معظم التنظيمات السياسية إدراج محاور تتعلق بتحسين أوضاع النساء، وتعزيز حضورهن في سوق الشغل، ومحاربة العنف والتمييز، ودعم النساء في العالم القروي، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. غير أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب المرأة عن الوثيقة الانتخابية، بقدر ما تكمن في طبيعة حضورها داخلها.

فالمرأة كثيرا ما تظهر في البرامج باعتبارها مستفيدة من السياسات العمومية، بينما يقل حضورها باعتبارها صانعة لهذه السياسات، وفاعلة في المؤسسات المنتخبة، وقائدة داخل الأحزاب، ومرشحة قادرة على الوصول إلى مواقع القرار. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة، إذ يمكن للأحزاب أن تقدم وعودا واسعة بشأن تمكين النساء، لكنها تظل مطالبة بإثبات جدية هذه الوعود في لحظة اختيار المرشحين وترتيب اللوائح الانتخابية.

المناصفة.. من شعار دستوري إلى امتحان للأحزاب

تزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في ظل استمرار النقاش حول محدودية حضور النساء في مواقع القرار. فالمغرب قطع أشواطا مهمة على مستوى الإطار الدستوري والقانوني المتعلق بالمساواة والمناصفة، لكن الانتقال من النصوص إلى الممارسة لا يزال يواجه عددا من الصعوبات.

وتتمثل إحدى أبرز المفارقات في أن المرأة تمثل أكثر من نصف المجتمع، وتشارك بقوة في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنها لا تزال تجد صعوبة في تحويل هذا الحضور الاجتماعي إلى قوة سياسية وتمثيلية موازية. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه البرامج الانتخابية الجديدة ليس فقط: ماذا ستقدم الأحزاب للنساء؟ وإنما أيضا: كم امرأة ستدفع بها هذه الأحزاب إلى مواقع القرار؟ وكم امرأة ستمنحها فرصة المنافسة الحقيقية على المقاعد الانتخابية؟

فالتمكين السياسي لا يمكن اختزاله في تنظيم ندوات تكوينية، أو تأسيس قطاعات نسائية، أو تخصيص فقرات في البرامج الانتخابية. هذه الإجراءات مهمة، لكنها لا تصبح ذات معنى سياسي حقيقي، إلا إذا انتهت إلى تغيير قواعد إنتاج النخب داخل الأحزاب.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب في إعادة النظر في طريقة اختيار مرشحيها، وعدم حصر حضور النساء في المواقع التي تضمن التمثيلية، دون أن تمنحهن بالضرورة فرصة المنافسة السياسية الحقيقية. فالمناصفة لا تعني فقط زيادة عدد النساء داخل المؤسسات، وإنما تعني أيضا تغيير الثقافة السياسية التي تحدد من يملك حق القيادة ومن يملك فرصة الوصول إلى مراكز القرار.

من «قضايا المرأة» إلى سياسات قابلة للقياس

لا ينبغي أن يقتصر حضور النساء في البرامج الانتخابية على الملفات التقليدية المرتبطة بالعنف، أو الأسرة، أو الدعم الاجتماعي، رغم أهمية هذه القضايا. فالمرأة معنية أيضا بالسياسات الاقتصادية والتعليمية والصحية والجبائية والمجالية، كما أنها جزء أساسي من سوق الشغل ومن النسيج المقاولاتي ومن الحياة المهنية.

ومن هنا، فإن البرنامج الانتخابي الجدي في مجال المرأة ينبغي أن يتجاوز اللغة العامة نحو أهداف قابلة للقياس، سواء تعلق الأمر بتقليص الفوارق في سوق الشغل، أو رفع نسبة نشاط النساء، أو دعم النساء المقاولات، أو تحسين شروط العمل والحماية الاجتماعية، أو مواجهة العنف ضد النساء، أو معالجة التفاوتات المجالية التي تجعل النساء في العالم القروي أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن قضية المرأة لا يمكن فصلها عن الملفات الكبرى التي ستحدد شكل المرحلة السياسية المقبلة. فالمرأة تتأثر بشكل مباشر بسياسات التشغيل والتعليم والصحة والسكن والنقل والحماية الاجتماعية والأسرة والعدالة المجالية. ولذلك فإن وضع النساء في البرامج الانتخابية يجب ألا يكون ملفا قطاعيا معزولا، بل ينبغي أن يصبح منظورا أفقيا حاضرا في مختلف السياسات العمومية.

ويطرح ذلك أيضا سؤالا حول آليات المحاسبة. فإذا تعهد حزب سياسي برفع نسبة مشاركة النساء في سوق العمل، أو تعزيز تمثيليتهن في المؤسسات المنتخبة، فمن الضروري أن يكون الناخب قادرا بعد انتهاء الولاية على قياس مدى تنفيذ تلك الوعود. فبدون مؤشرات وأهداف وآجال واضحة، يمكن أن تتحول البرامج المتعلقة بالمرأة إلى مجرد عبارات انتخابية جميلة يصعب مساءلة أصحابها بشأنها.

النساء واختبار تجديد النخب السياسية

لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية استمرار ضعف التمثيلية النسائية، إذ ترتبط الظاهرة أيضا ببنية المجتمع، وبالصورة النمطية عن المرأة والسياسة، وباستمرار أدوار اجتماعية تجعل التوفيق بين المسؤوليات الأسرية والعمل السياسي أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء. كما أن بعض النساء يواجهن مقاومة داخل الهياكل الحزبية نفسها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمنافسة على مواقع القيادة والترشيح للانتخابات.

غير أن هذه العوائق لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر دائم لتأجيل المناصفة. فالحزب السياسي ليس مجرد مرآة للمجتمع، وإنما يفترض أن يكون مؤسسة لتحديثه وإنتاج نخب جديدة وتوسيع دائرة المشاركة السياسية. وإذا كانت الأحزاب تنتظر تغير المجتمع قبل أن تمنح النساء فرصا متكافئة، فإنها بذلك تتخلى عن إحدى وظائفها الأساسية.

والمطلوب اليوم أن تتحول قضية النساء من «فقرة انتخابية» إلى التزام سياسي قابل للمحاسبة، وأن تصبح البرامج الانتخابية واضحة بشأن نسب التمثيلية المستهدفة، وآليات دعم المرشحات، وتكوين القيادات النسائية، وإتاحة فرص متساوية في المنافسة، فضلا عن تحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي ستوجه إلى تقليص الفوارق بين النساء والرجال.

فالاختبار الحقيقي للأحزاب لن يكون في عدد المرات التي ستذكر فيها كلمة «المرأة» داخل برامجها، وإنما في مدى استعدادها لمنح النساء موقعا حقيقيا داخل مؤسساتها ولوائحها الانتخابية ومراكز القرار. وبينما تقترب لحظة صناديق الاقتراع، تبدو الرسالة واضحة: لم تعد النساء بحاجة إلى وعود إضافية، بقدر ما يحتجن إلى قواعد سياسية تمنحهن فرصة متكافئة للوصول إلى القرار.

مدونة الأسرة والمناصفة في قلب الاختبار السياسي للأحزاب

 

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تستعيد قضايا النساء موقعها في النقاش الانتخابي، بعدما تحولت ملفات مثل إصلاح مدونة الأسرة، والمناصفة السياسية، والتمكين الاقتصادي، والحماية من العنف، إلى عناوين أساسية في المطالب الموجهة إلى الأحزاب. ولم يعد حضور المرأة في البرامج الانتخابية يقتصر على الوعود الاجتماعية التقليدية، بل أصبح مرتبطا بسؤال أوسع يتعلق بموقعها داخل المشروع المجتمعي والسياسي لكل حزب، وبمدى استعداد التنظيمات السياسية لتحويل مبدأ المساواة من خطاب إلى سياسات وتشريعات وتمثيلية فعلية.

ويأتي ذلك في سياق تظهر فيه مفارقة واضحة بين التطور الذي عرفه الإطار الدستوري والقانوني وبين استمرار محدودية تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة. فالمعطيات المتداولة حاليا تشير إلى أن النساء لا يمثلن سوى 24.3 في المائة من أعضاء مجلس النواب، أي 95 نائبة من أصل 395، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين مبدأ المناصفة وبين واقع المشاركة السياسية.

 

مدونة الأسرة.. ملف اختبار لمواقف الأحزاب

يحتل إصلاح مدونة الأسرة موقعا متقدما في النقاش المرتبط بالنساء، خصوصا بعد المسار الذي أطلق لمراجعة عدد من مقتضيات المدونة، وما رافقه من نقاش مجتمعي وسياسي وحقوقي واسع. ولذلك ينتظر أن يكون موقف الأحزاب من هذا الإصلاح أحد المؤشرات المهمة التي ستكشف طبيعة تصورها للأسرة وحقوق النساء والعلاقة بين أفرادها.

ولا يتعلق الأمر فقط بتعديل مواد قانونية محددة، وإنما بأسئلة ترتبط بالمساواة داخل الأسرة، والولاية والحضانة والنفقة والطلاق والإرث، فضلا عن معالجة الإشكالات التي أظهرتها الممارسة القضائية منذ دخول المدونة الحالية حيز التطبيق. وقد سبق لأحزاب سياسية أن جعلت مراجعة مدونة الأسرة جزءا من برامجها الانتخابية، ومن بينها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي طرح مراجعة المدونة في اتجاه تحقيق مزيد من المساواة والعدالة بين الجنسين.

لكن أهمية الملف اليوم تكمن في انتقاله من مستوى النقاش العام إلى مستوى الالتزام السياسي. فالأحزاب التي ستضع إصلاح مدونة الأسرة ضمن برامجها مطالبة بتحديد تصورها بوضوح، والإجابة عن الأسئلة التي تثيرها الملفات الأكثر حساسية، بدل الاكتفاء بلغة عامة حول حماية الأسرة وتمكين المرأة.

كما أن استمرار النقاش حول المدونة يجعلها اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب على بناء توافقات اجتماعية وسياسية حول قضايا المرأة، في ظل تعدد المرجعيات والمواقف داخل المجتمع المغربي.

 

المناصفة.. من الفصل 19 إلى صناديق الاقتراع

إذا كانت مدونة الأسرة تمثل الجانب التشريعي والاجتماعي من قضية النساء، فإن المناصفة تمثل وجهها السياسي المباشر. فقد جعل الدستور مبدأ المناصفة هدفا يتعين السعي إلى تحقيقه، غير أن المسافة بين النص الدستوري والممارسة السياسية لا تزال واسعة.

ومع اقتراب انتخابات 2026، يتجدد الضغط على الأحزاب من أجل رفع تمثيلية النساء، خصوصا في الدوائر المحلية، حيث تكشف الترشيحات عادة عن محدودية فرص النساء في تصدر اللوائح والمنافسة على المقاعد القابلة للفوز. وقد دعت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب الأحزاب إلى ضمان تمثيلية نسائية لا تقل عن 30 في المائة في الاستحقاقات المقبلة، في وقت تطالب فيه فعاليات نسائية بتجاوز التدابير الظرفية نحو آليات أكثر استدامة.

وتذهب مطالب الحركة النسائية إلى أبعد من مجرد زيادة عدد المرشحات، إذ تركز على ضرورة تمكين النساء من مواقع القرار، واعتماد آليات تضمن حضورهن على المستويين الوطني والترابي، مع تغيير الثقافة الحزبية التي تجعل المرأة في كثير من الأحيان حاضرة في الخطاب وغائبة عن المواقع التي تنتج القرار.

وفي هذا السياق، طرحت الفدرالية الديمقراطية لنساء المغرب، بمناسبة انتخابات 2026، جملة من المقترحات المرتبطة بتفعيل المناصفة الدستورية، من بينها اعتماد تدابير للتمييز الإيجابي والتحفيز، وتعزيز ولوج النساء إلى مواقع المسؤولية، واعتماد آليات انتخابية تساعد على تحقيق تمثيلية أفضل.

 

من المرأة الناخبة إلى المرأة صانعة القرار

المشكلة التي تواجه البرامج الانتخابية لا ترتبط فقط بمدى حضور قضايا النساء، وإنما أيضا بالطريقة التي يتم بها تقديم المرأة داخل هذه البرامج. ففي كثير من الأحيان تظهر المرأة باعتبارها مستفيدة من الدعم الاجتماعي أو برامج التشغيل أو الحماية، بينما يقل حضورها باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق، وفاعلة اقتصادية، ومرشحة، ومنتخبة، وصانعة للقرار.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقا: هل تتعامل الأحزاب مع النساء باعتبارهن كتلة انتخابية ينبغي استقطابها، أم باعتبارهن جزءا من النخب التي ينبغي أن تشارك في صياغة البرامج نفسها؟

فالحديث عن تمكين المرأة اقتصاديا لا يمكن فصله عن ضعف مشاركتها في سوق العمل، ولا عن الفوارق في الأجور والولوج إلى المناصب، ولا عن صعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والمسؤوليات الأسرية. كما أن الحديث عن المشاركة السياسية لا يمكن اختزاله في عدد المقاعد المحصل عليها، بل ينبغي أن يشمل مواقع النساء داخل الأحزاب، وآليات اختيار المرشحات، والموارد المخصصة لحملاتهن، ومدى منحهن فرصا فعلية للمنافسة.

وفي هذا السياق، حذرت تقارير حديثة من استمرار الفجوة بين الشعارات الحزبية المتعلقة بالمناصفة وبين الترشيحات الفعلية، معتبرة أن محدودية حضور النساء في الدوائر المحلية تعكس استمرار عوائق بنيوية أمام وصولهن إلى مراكز القرار.

 

البرامج الانتخابية.. امتحان لجدية الأحزاب

تبدو الانتخابات المقبلة فرصة للأحزاب لإعادة صياغة علاقتها بقضايا النساء، ليس من خلال إضافة فصل خاص بالمرأة إلى برامجها، وإنما عبر إدماج منظور المساواة في مختلف السياسات العمومية. فالتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والسكن والنقل والعدالة المجالية كلها ملفات تؤثر بصورة مباشرة في حياة النساء.

كما أن المطلوب أن تتضمن البرامج أهدافا قابلة للقياس، حتى لا تتحول الوعود المتعلقة بالنساء إلى شعارات انتخابية يصعب تقييمها بعد انتهاء الولاية. فالحزب الذي يتعهد برفع التمثيلية النسائية، أو بتعزيز حضور النساء في سوق العمل، أو بتعديل قوانين مرتبطة بحقوقهن، ينبغي أن يقدم آليات واضحة لتنفيذ هذه الالتزامات.

وتتزايد أهمية هذا الأمر في ظل دعوات حقوقية إلى جعل الإصلاحات التشريعية والحقوقية، بما فيها تعزيز حقوق النساء وتفعيل مبدأ المناصفة، جزءا أساسيا من البرامج الانتخابية للأحزاب في 2026.

في النهاية، لن يكون اختبار الأحزاب في عدد المرات التي سترد فيها كلمة «المرأة» داخل برامجها، وإنما في قدرتها على تقديم تصور سياسي واضح لموقع النساء في المجتمع والدولة. فمدونة الأسرة تختبر تصور الحزب للمساواة داخل الأسرة، والمناصفة تختبر تصوره للديمقراطية وتقاسم السلطة، بينما تختبر السياسات الاقتصادية والاجتماعية مدى قدرته على تحويل تمكين النساء إلى واقع ملموس.

وبينما تستعد الأحزاب لمعركة الانتخابات، تبدو قضية النساء أكبر من مجرد ورقة انتخابية. إنها امتحان لجدية الحديث عن تجديد النخب، ولقدرة الأحزاب على الانتقال من تمثيل المرأة في الخطاب إلى تمكينها من التمثيل داخل المؤسسات. وإذا كانت النساء يشكلن أكثر من نصف المجتمع والكتلة الناخبة، فإن استمرار ضعف حضورهن في مواقع القرار سيظل أحد أبرز التناقضات التي تواجه المسار الديمقراطي المغربي، وسيجعل من المناصفة عنوانا مؤجلا مهما تعددت الوعود الانتخابية.

تمكين النساء اقتصاديا.. ورقة انتخابية تتجاوز شعار المناصفة

 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تتجه الأحزاب السياسية المغربية إلى إعادة ترتيب أولويات برامجها، فيما يبرز التمكين الاقتصادي للنساء باعتباره أحد الملفات التي يفترض أن تحظى بمكانة متقدمة في البرامج الانتخابية، بالنظر إلى استمرار الفوارق بين النساء والرجال في الولوج إلى سوق الشغل، ومحدودية المشاركة الاقتصادية للنساء، خاصة في عدد من المجالات والجهات.

ولا يرتبط هذا الملف فقط بالبحث عن فرص شغل جديدة، وإنما يتصل بمنظومة أوسع تشمل دعم المبادرة النسائية، وتسهيل الولوج إلى التمويل، وتشجيع المقاولات التي تقودها النساء، وتطوير التكوين المهني، إلى جانب معالجة العراقيل الاجتماعية والمجالية التي تحول دون مشاركة عدد كبير من النساء في النشاط الاقتصادي.

 

من الدعم الاجتماعي إلى الاستقلال الاقتصادي

ويشكل الانتقال من مقاربة تعتبر المرأة مستفيدة من السياسات الاجتماعية إلى أخرى تنظر إليها باعتبارها فاعلا اقتصاديا، أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الأحزاب. فالدعم المالي والحماية الاجتماعية يظلان مهمين، لكنهما لا يكفيان وحدهما لضمان استقلال اقتصادي مستدام، ما لم يواكبهما إدماج فعلي للنساء في سوق العمل، وخلق الظروف التي تمكنهن من تطوير مشاريعهن ومقاولاتهن.

ومن المنتظر أن تتضمن البرامج الانتخابية وعودا مرتبطة بتشجيع التشغيل النسائي، خاصة بالنسبة إلى الشابات وحاملات الشهادات، مع التركيز على القطاعات التي توفر فرصا جديدة في الاقتصاد الرقمي والخدمات والصناعات الحديثة. كما يبرز التكوين وإعادة التأهيل المهني، باعتبارهما مدخلين أساسيين لمواجهة عدم ملاءمة بعض المهارات المتوفرة لدى النساء مع حاجيات سوق الشغل.

ويفرض الأمر أيضا مراجعة السياسات الموجهة إلى النساء في العالم القروي، حيث تواجه صاحبات المشاريع والنساء العاملات مجموعة من العراقيل المرتبطة بالنقل والتمويل والتكوين والتسويق، فضلا عن صعوبة الولوج إلى الأسواق.

 

المقاولة النسائية والولوج إلى التمويل

وتحتل المقاولة النسائية موقعا مهما في أي تصور جدي للتمكين الاقتصادي، إذ لا يمكن الحديث عن تعزيز حضور النساء في الاقتصاد من دون معالجة الصعوبات التي تواجههن في تأسيس المشاريع وتطويرها.

ومن هنا، يمكن للأحزاب أن تقدم في برامجها الانتخابية مقترحات تتعلق بتسهيل حصول النساء على التمويل، وتطوير برامج المواكبة والاستشارة، وتبسيط المساطر الإدارية، وفتح المجال أمام المقاولات النسائية للاستفادة بصورة أكبر من الصفقات العمومية.

كما يطرح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني فرصة مهمة، خصوصا في المناطق القروية وشبه الحضرية، حيث تنشط مجموعات من النساء في التعاونيات والمشاريع الصغيرة. غير أن الانتقال بهذه المبادرات من نشاط محدود إلى مشاريع قادرة على خلق الدخل ومناصب الشغل يتطلب مواكبة مستمرة، تشمل التكوين في التدبير والتسويق والرقمنة والولوج إلى الأسواق.

ولا يكفي، في هذا السياق، أن تدرج الأحزاب عبارة «دعم المقاولة النسائية» ضمن برامجها، بل سيكون مطلوبا منها تقديم إجراءات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، حتى يمكن تقييم نتائج السياسات بعد انتهاء الولاية الانتخابية.

 

التشغيل والمناصفة الاقتصادية

ويرتبط التمكين الاقتصادي كذلك بقدرة النساء على الولوج إلى مناصب المسؤولية داخل المؤسسات والمقاولات، إذ إن المناصفة لا ينبغي أن تتوقف عند المجال السياسي، وإنما يفترض أن تمتد إلى المجال الاقتصادي.

وتواجه النساء تحديات متعددة في الوصول إلى مواقع القرار، سواء داخل القطاع الخاص أو المؤسسات العمومية، الأمر الذي يجعل البرامج الانتخابية مطالبة بإدماج المساواة بين الجنسين في سياسات التشغيل والاستثمار والمقاولة.

كما أن تحسين ظروف العمل يظل جزءا أساسيا من التمكين الاقتصادي، خاصة بالنسبة إلى النساء اللواتي يتحملن في الوقت نفسه مسؤوليات أسرية. ومن شأن توفير خدمات الرعاية والحضانة، وتحسين وسائل النقل، وتطوير آليات العمل المرن، أن يساهم في تقليص عدد النساء اللواتي يغادرن سوق الشغل، بسبب صعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.

 

اختبار حقيقي لجدية البرامج الانتخابية

ومع اقتراب الانتخابات، سيكون ملف التمكين الاقتصادي للنساء اختبارا لمدى قدرة الأحزاب على الانتقال من الخطاب العام إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. فالمرأة ليست فقط ناخبة أو مرشحة، وإنما فاعل اقتصادي يمكن أن يساهم في خلق الثروة وفرص الشغل وتحقيق التنمية المحلية والوطنية.

ومن ثم، فإن البرامج الانتخابية المنتظرة ستكون مطالبة بالنظر إلى تمكين النساء اقتصاديا باعتباره جزءا من النموذج التنموي، وليس مجرد ملف اجتماعي منفصل. ويشمل ذلك رفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل، ودعم المقاولات النسائية، وتسهيل التمويل، وتعزيز التكوين، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان ولوج النساء إلى مواقع القرار الاقتصادي.

وفي نهاية المطاف، لن تقاس جدية الأحزاب في هذا المجال بعدد المرات التي سترد فيها عبارة «تمكين المرأة» داخل برامجها، وإنما بمدى وضوح الأهداف والآليات والموارد المرصودة لتحقيقها. فالتمكين الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تتحول المرأة من مستفيدة من البرامج إلى شريكة في إنتاج الثروة وصناعة القرار، وعندما يصبح حضورها في الاقتصاد جزءا من السياسة العمومية لا مجرد عنوان انتخابي مؤقت.

الأحزاب تحسم أسماء وكيلات اللوائح الجهوية.. تنافس داخلي وحسابات انتخابية

 

تسير الأحزاب السياسية المغربية بوتيرة متفاوتة نحو حسم أسماء المرشحات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة على مستوى الدوائر الجهوية، في وقت بدأت فيه معركة التزكيات تأخذ أبعادا تنظيمية وسياسية متزايدة، بالنظر إلى أهمية المواقع التي ستحتلها النساء على رأس اللوائح، وما يترتب عنها من فرص للوصول إلى المؤسسة التشريعية. وبينما تمكنت بعض التنظيمات من إنهاء جزء مهم من عملية اختيار مرشحاتها، تواصل أخرى مشاوراتها وترتيباتها الداخلية، وسط تنافس بين أسماء نسائية تسعى إلى الظفر بالتزكية، وحسابات مرتبطة بموازين القوى داخل الأحزاب وبطبيعة الدوائر الانتخابية.

ولا تبدو عملية اختيار وكيلات اللوائح الجهوية مسألة تقنية محضة، إذ تتداخل فيها اعتبارات متعددة، من بينها الحضور السياسي والتنظيمي، والكفاءة والقدرة على التواصل مع الناخبين، فضلا عن الاعتبارات المرتبطة بالتوازنات الداخلية لكل حزب. وفي بعض الحالات، يتحول مسار التزكية إلى مجال لتنافس قوي بين القيادات والأسماء المرشحة، في ظل رغبة بعض المسؤولين الحزبيين في الدفع بأسماء قريبة منهم أو تحظى بدعم مراكز النفوذ داخل التنظيم.

 

التقدم والاشتراكية يقترب من استكمال لوائحه

يقترب حزب التقدم والاشتراكية، المتموقع في المعارضة، من حسم وكيلات لوائحه الجهوية في عدد من الجهات، بعدما أعلن عن أسماء مرشحاته في تسع دوائر، بينما لا تزال دوائر أخرى في انتظار الحسم النهائي.

وذكر مصدر حزبي أن المكتب السياسي، باعتباره الهيئة المكلفة بالتزكية، «قد يحسم باقي الأسماء خلال اجتماعه المقبل»، خصوصا في ظل تعدد الرغبات في الترشح داخل صفوف المنتميات إلى الحزب.

وأوضح المصدر ذاته أن عملية الاختيار لا تتم بصورة اعتباطية، بل تستند إلى عمل لجنة عهد إليها بفحص الترشيحات وإجراء مقابلات مع المرشحات، بهدف الاطلاع على رهاناتهن وطموحاتهن ومدى استعدادهن لخوض الاستحقاقات المقبلة.

ويعكس اعتماد هذه الآلية محاولة من الحزب لإضفاء قدر من التنظيم على عملية الاختيار، في ظل تعدد الراغبات في الحصول على التزكية، وما يرافق ذلك عادة من نقاش حول المعايير التي ينبغي اعتمادها للمفاضلة بين الأسماء.

ومن المنتظر أن تشمل عملية الحسم المقبلة مرشحات في جهات بني ملال-خنيفرة والعيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب، وهي دوائر تفرض، بالنظر إلى خصوصياتها السياسية والمجالية، اختيارات دقيقة من جانب القيادة الحزبية.

 

«الأحرار» يحسم ثلاث جهات والاتحاد الاشتراكي يؤجل القرار

على مستوى حزب التجمع الوطني للأحرار، بدأت معالم لوائح وكيلات الجهات تتضح، بعدما حسم الحزب في ثلاث ترشيحات بارزة، ويتعلق الأمر بنبيلة الرميلي على رأس لائحة جهة الدار البيضاء- سطات، ومريم بوعيدة بجهة كلميم- واد نون وأميرة حرمة الله بجهة الداخلة- وادي الذهب.

وتواصل اللجنة الوطنية للانتخابات داخل الحزب عملها للحسم في باقي الدوائر، في ظل اقتراب موعد الاستحقاقات. وبحسب مصدر حزبي، فإن اللجنة تستند إلى مجموعة من المعايير للمفاضلة بين المترشحات، من بينها المستوى الدراسي، إلى جانب معايير أخرى مرتبطة بالحضور والقدرة على خوض المنافسة الانتخابية.

ويعكس هذا المسار رغبة الحزب في حسم التزكيات بشكل تدريجي، مع مراعاة خصوصية كل جهة وتوازناتها السياسية والتنظيمية، علما أن اختيار أسماء معروفة في عدد من الجهات يبرز أهمية الرهان على المرشحات اللواتي يمتلكن حضورا سياسيا أو انتخابيا يمكن أن يساهم في تعزيز حظوظ الحزب.

في المقابل لم يعلن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى حدود الآن، عن ترشيحاته النسائية على مستوى الدوائر الجهوية. وأفاد مصدر اتحادي بأن الأجهزة المكلفة بالعملية ستجتمع في العشرين من الشهر الجاري لاتخاذ القرارات المرتبطة بالترشيحات.

وأوضح المصدر ذاته أن مسطرة الاختيار تتم عبر لجان البت التي تنعقد بدعوة من المكتب السياسي، بحضور الكاتب الجهوي ووكلاء اللوائح المحلية، بما يسمح بتجميع المعطيات المرتبطة بالأسماء المقترحة قبل اتخاذ القرار النهائي.

وتكشف هذه المسطرة عن محاولة إشراك المستويات التنظيمية الجهوية والمحلية في عملية اختيار المرشحات، في وقت تشكل التزكيات أحد أكثر الملفات حساسية داخل الأحزاب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواقع انتخابية قابلة للفوز.

 

تكتم في «البام» وتنافس داخل «الاستقلال»

في حزب الأصالة والمعاصرة يحيط التنظيم بمسار اختيار مرشحاته على مستوى الدوائر الجهوية بقدر كبير من التكتم، بعدما عهد إلى لجنة مصغرة مشتركة بمهمة فحص الترشيحات والبت فيها، قبل رفع خلاصات عملها إلى الجهات الحزبية المختصة لاتخاذ القرار النهائي.

ويعكس هذا الأسلوب رغبة في تدبير ملف التزكيات بعيدا عن التسريبات والصراعات الداخلية التي قد تسبق الإعلان الرسمي عن الأسماء، سيما أن التنافس على رئاسة اللوائح الجهوية يمكن أن يثير حساسيات داخلية مرتبطة بمواقع المرشحات وموازين القوى بين التيارات والتنظيمات المحلية.

أما حزب الاستقلال، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، فلازال بدوره لم يحسم في الأسماء التي سيزكيها لقيادة لوائحه الانتخابية الجهوية، وسط تنافس بين عدد من الوجوه النسائية في دوائر معينة، وفي مقدمتها جهة الدار البيضاء-سطات، التي تكتسي أهمية سياسية وانتخابية خاصة.

ويطرح التأخر في حسم هذه الترشيحات أسئلة حول طبيعة المعايير التي ستعتمدها قيادة الحزب في المفاضلة بين الأسماء، خصوصا في ظل الرغبة في تحقيق توازن بين الحضور التنظيمي والقدرة الانتخابية وتمثيل مختلف مكونات الحزب.

 

«العدالة والتنمية» يحسم مبكرا

في الضفة الأخرى، تمكن حزب العدالة والتنمية من حسم أسماء مرشحاته الاثنتي عشرة على مستوى الجهات قبل أسابيع، غير أن عملية الاختيار لم تخل من نقاش داخلي، في ظل اختلاف في التقدير بين الأمانة العامة للحزب وبعض الكتابات الجهوية بشأن عدد من الترشيحات.

ويعكس الحسم المبكر للحزب اختياره تسريع الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، وإغلاق ملف الترشيحات الجهوية في وقت مبكر نسبيا، بما يسمح بالتفرغ للتحضير للحملة الانتخابية وبناء الخطاب السياسي والتواصل مع الناخبين.

لكن اختلاف التقديرات بين المركز والجهات يبرز، في المقابل، صعوبة تحقيق التوازن بين القرار المركزي والمعطيات المحلية، سيما في ظل خصوصية كل دائرة انتخابية وتباين حظوظ المرشحات من جهة إلى أخرى.

وتضع هذه الدينامية الأحزاب أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، هي مطالبة باختيار أسماء قادرة على المنافسة واستقطاب الناخبين، ومن جهة أخرى، مطالبة بإظهار جدية أكبر في تمكين النساء من مواقع سياسية متقدمة. فاختيار وكيلات اللوائح الجهوية لا يتعلق فقط باستكمال مقتضيات التمثيلية النسائية، وإنما يرتبط أيضا بجودة النخب التي ستقدمها الأحزاب للناخبين.

ومع اقتراب موعد الاستحقاقات، يتوقع أن تتسارع وتيرة الحسم في الترشيحات، خصوصا داخل الأحزاب التي لا تزال مترددة في إعلان أسمائها. وستكشف اللوائح النهائية، أكثر من البيانات والخطابات، مدى قدرة التنظيمات السياسية على تحويل الحديث عن تمكين النساء وتجديد النخب إلى اختيارات انتخابية فعلية.

وفي ظل التنافس المتزايد على المقاعد، ستظل معركة وكيلات اللوائح الجهوية محكومة بمفارقة أساسية: الأحزاب مطالبة بتقديم نساء قادرات على المنافسة والفوز، لكنها مطالبة، في الوقت نفسه، بضمان أن لا تتحول عملية الاختيار إلى مجرد توزيع للمواقع وفق الولاءات والعلاقات الداخلية. من هنا سيكون الإعلان النهائي عن اللوائح اختبارا حقيقيا لمدى استقلالية القرار الحزبي، ولحجم الحضور الفعلي للمرأة في المشهد السياسي المغربي.

فاطمة عريف

 

«الأحزاب مطالبة بتحويل قضايا النساء من الشعارات إلى التزامات عملية»

 

 

كيف تنظرون إلى حضور قضايا النساء في البرامج الانتخابية للأحزاب، وما الذي تنتظرونه من هذه البرامج خلال الاستحقاقات المقبلة؟

نحن في جمعية صوت الطفل نعتبر أن المحطات الانتخابية ليست فقط مناسبة للتنافس السياسي أو لتقديم الوعود للناخبين، وإنما تشكل أيضا فرصة حقيقية لتقييم مدى التزام الفاعلين السياسيين بالقضايا المجتمعية، وفي مقدمتها قضايا المرأة والطفولة والأسرة. لذلك ننتظر من الأحزاب السياسية أن تجعل من إدماج مقاربة النوع ركيزة أساسية في برامجها الانتخابية، باعتبار ذلك مدخلا لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.

فالنساء اليوم لم يعدن ينتظرن برامج تقوم على الشعارات العامة والوعود الفضفاضة، وإنما يتطلعن إلى إجراءات عملية وملموسة تستجيب للإكراهات التي يواجهنها في حياتهن اليومية. وهذا يعني أن البرامج الانتخابية مطالبة بالاهتمام بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، باعتبارهما عنصرين أساسيين في تحسين ظروف عيش النساء والأسر وحماية الأطفال.

نعتقد، كذلك، أن حماية النساء من العنف بمختلف أشكاله يجب أن تكون ضمن الأولويات، من خلال توفير بيئات آمنة، وتعزيز آليات الوقاية والحماية والتكفل بالضحايا. ولا يمكن أن نتحدث عن مجتمع متوازن وعن تمكين حقيقي للمرأة في وقت لاتزال نساء كثيرات يواجهن أشكالا متعددة من العنف أو التمييز.

من جانب آخر، نؤكد على ضرورة تسهيل ولوج النساء إلى مراكز القرار السياسي والإداري، لأن حضور المرأة لا ينبغي أن يظل مقتصرا على كونها ناخبة أو مستفيدة من السياسات العمومية، بل يجب أن تكون حاضرة، أيضا، في مواقع إنتاج القرار والمساهمة في صياغة السياسات التي تهمها وتهم المجتمع ككل.

 

المناصفة ظلت لسنوات مطلبا دستوريا وحقوقيا، لكن الفجوة ما زالت قائمة بين النصوص والواقع. كيف يمكن للأحزاب أن تنتقل من الحديث عن المناصفة إلى تحقيقها فعليا؟

في تقديرنا، المناصفة ليست مجرد شعار انتخابي، وإنما معركة دستورية وحقوقية ما زالت مطروحة بقوة. صحيح أن المغرب راكم، خلال السنوات الماضية، مجموعة من المكتسبات والآليات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بحقوق النساء، إلا أن الإشكال الأساسي يكمن في استمرار الفجوة بين ما تنص عليه القوانين وما نراه في الواقع.

هنا تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية، لأنها مطالبة بتحويل مبدأ المناصفة إلى ممارسة فعلية داخل هياكلها وفي اللوائح الانتخابية. فلا يكفي أن تتحدث الأحزاب عن تمكين النساء، بينما تظل المواقع المتقدمة داخل اللوائح أو مواقع القيادة محصورة في الغالب في الرجال.

نحن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية تدفع بالنساء إلى صدارة اللوائح الانتخابية، وتمنحهن فرصا فعلية للمنافسة، وليس فقط إدراجهن لاستكمال الشكل أو الاستجابة لمقتضيات قانونية. على أن تمكين النساء يجب أن يبدأ من داخل الأحزاب نفسها، عبر فتح المجال أمامهن لقيادة الهياكل الحزبية والمشاركة في صناعة القرار.

وأعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون مناسبة مهمة للحكم على مدى جدية الأحزاب في هذا المجال. فالناخبون والفاعلون المدنيون يمكنهم أن ينظروا إلى اللوائح الانتخابية باعتبارها مؤشرا واضحا على مدى إيمان كل حزب بالمناصفة. وإذا كانت الأحزاب جادة في الحديث عن تجديد النخب، فلا يمكن أن يتم ذلك من دون حضور قوي وفعلي للنساء في مواقع المسؤولية.

المناصفة، بالنسبة إلينا، ليست امتيازا يمنح للمرأة، وإنما حق دستوري ومبدأ يرتبط بالمساواة والعدالة. وبالتالي فإن تحقيقها يحتاج إلى قرارات سياسية واضحة وإلى تغيير في الثقافة التنظيمية والحزبية التي تحول، أحيانا، دون وصول النساء إلى مواقع القرار.

 

إلى أي حد يمكن تحقيق التمكين السياسي والاجتماعي للنساء من دون تمكينهن اقتصاديا، وما أبرز الملفات التي ينبغي أن تتضمنها البرامج الحزبية في هذا المجال؟

لا يمكن الحديث عن تمكين سياسي أو اجتماعي حقيقي للمرأة من دون تمكين اقتصادي مستدام. فالاستقلال الاقتصادي عنصر أساسي في تعزيز قدرة المرأة على اتخاذ القرار والمشاركة في الحياة العامة. لذلك نعتبر أن البرامج الانتخابية مطالبة بإيلاء هذا الجانب أهمية كبيرة.

ومن بين الملفات، التي ينبغي أن تكون حاضرة، دعم ريادة الأعمال النسائية، ومساعدة النساء على إنشاء وتطوير مشاريعهن وتسهيل وصولهن إلى التمويل والتكوين والمواكبة، إلى جانب ضمان تكافؤ الفرص في سوق الشغل وتقليص الفوارق في الأجور.

ينبغي أن تستحضر الأحزاب، كذلك، أوضاع النساء في وضعية هشة، لأن الحديث عن تمكين المرأة لا يمكن أن يكون موحدا في ظل اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمجالية. فهناك، على سبيل المثال، الأمهات العازبات اللواتي يحتجن إلى سياسات أكثر إنصافا وحماية، وهناك النساء في العالم القروي اللواتي يواجهن إكراهات مرتبطة بالولوج إلى التعليم والصحة والنقل وفرص العمل والخدمات الأساسية.

ونؤكد، أيضا، على ضرورة توفير البنيات التحتية والخدمات التي تساعد النساء على تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، لأن مسؤوليات الأسرة والرعاية لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام مشاركة المرأة الاقتصادية والمهنية.

وفي النهاية نعتقد أن البرامج الانتخابية ينبغي أن تنظر إلى المرأة باعتبارها فاعلا أساسيا في التنمية، وليس فقط باعتبارها فئة تحتاج إلى الدعم. المطلوب هو الانتقال من منطق الحماية فقط إلى منطق التمكين، ومن الوعود العامة إلى سياسات واضحة وقابلة للتنفيذ والقياس. فالرهان الحقيقي هو بناء سياسات تجعل المرأة شريكة كاملة في التنمية وفي صناعة القرار، وتضمن، في الوقت نفسه، حماية الطفولة والأسرة وتعزيز العدالة الاجتماعية.

*متخصصة في الشأن النسائي – رئيسة جمعية

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى