
يونس جنوحي
أسبوع ممطر في أغلب مناطق المغرب. ورغم النشرات الإنذارية والحملات ودعوات مذيعي الإعلام العمومي ونداءاتهم من دار البريهي في قلب الرباط، إلى أقاصي الأطلس، إلا أن السلطات سجلت مفقودين جرفتهم الوديان.
إقليم تارودانت، أكبر إقليم في المغرب، سُجلت فيه تساقطات مطرية مهمة لم تُسجل منذ أكثر من عشر سنوات. أغلب سدود المنطقة مُلئت بنسبة 100 بالمئة، وشرع التقنيون في فتح المنافذ وتخفيف الحمولة لاحتواء التساقطات المطرية المقبلة.
كل هذه المؤشرات جيدة في منطقة سجلت حالات جفاف حاد مستمر، لكن المؤسف أن التساقطات عرت واقعا مخجلا يتعلق بالبنية التحتية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالطرق الجهوية أو الفرعية التي تربط الدواوير بالمدن الصغرى في خط ورزازات ثم مراكش عبر الجبال.
ورغم قرار تعليق الدراسة، التي كانت أصلا معلّقة بدون علم الوزارة، إلا أن منطقة اسمها «سيدي وعزيز»، تخترقها الطريق الوطنية رقم 10 في إقليم تارودانت، فقدت أحد سكانها وابنته، بعد أن حاول عبور الوادي على متن دراجة نارية صينية.
في وقت كان يحاول «هواة» التهريج ترويج أخبار غير دقيقة عن حالات انهيار قناطر كانت في طور البناء، كانت أغلب العائلات تعيش على أعصابها، بحكم أن أغلب الضيعات الفلاحية التي تشغل شباب ورجال المنطقة ونساءها أيضا، تحيط بها الوديان الهائجة. وإذا كان المسؤولون في الرباط يضعون النشرات الإنذارية ليلزم الناس منازلهم، فإن الحاجة تدفع هؤلاء جميعا إلى مغادرة منازلهم لتأمين الوجبات اليومية لأبنائهم.
رغم تسجيل حالات وفيات في حوادث سير مؤلمة راحت ضحيتها عشرات العاملات في إقليم تارودانت، خصوصا في منطقة «هوارة»، على مدى السنوات الماضية، إلا أن المغاربة لا يعرفون حقيقة الوضع الإنساني الهش الذي تعيشه العاملات في الضيعات التي تصدر الفواكه الموسمية إلى الاتحاد الأوروبي والسوق المغربية. نساء يشتغلن بأجور زهيدة مقابل ساعات عمل قاسية تبتدئ من الساعة الرابعة صباحا وتستمر إلى الخامسة أو السادسة مساء.
كيف يمكن للنشرات الإنذارية إقناع هؤلاء الناس بلزوم منازلهم، وهم نازحون أصلا من أقاليم مجاورة وجاؤوا خصيصا للعمل في الضيعات الفلاحية؟
هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه المنطقة يعيد إلى الواجهة مطلب تقسيم إقليم تارودانت الشاسع إلى أكثر من إقليم. تارودانت الشمالية، مثلا، يجب أن تحظى بعمالتها الخاصة بدل أن تبقى تابعة لعمالة تارودانت. إذ أن الإشراف الترابي على إقليم بهذه الشساعة، والطرقات والتضاريس الوعرة، يستنزف الموارد.. إذا وصل إلى العمالة في قلب تارودانت خبر انهيار للصخور في طريق فرعية في وراء «أوزيوة» مثلا.. فإن الوصول إليها للمعاينة فقط يكلف أكثر من خمس ساعات.. وهناك مناطق يحتاج الوصول إليها من وسط تارودانت أكثر من اثنتي عشرة ساعة، والسبب كثرة الطرق الفرعية غير المعبدة. في حين أن تأهيل الجماعات المحلية قد يساهم قليلا في فك العزلة عن مناطق لا تُذكر في نشرات الأخبار إلا عندما يتعلق الأمر بنشرات إنذارية، أو انقلاب حافلات نقل البضائع التي تنقل الناس دون علم وزارة التجهيز!
مطلب إعادة النظر في التقسيم الإداري لإقليم تارودانت تكرس مع تداعيات زلزال الحوز وتارودانت.. وهو مطلب لا يزال قائما، وتناقشه فعاليات محلية كثيرة. إذ أن تجربة الإنقاذ وإيصال المساعدات إلى الدواوير، عجّلت بإثارة الموضوع. لا يعقل أن هناك مواطنين يتعين عليهم التنقل لأكثر من عشر ساعات، إلى مدينة تارودانت لتجديد البطاقة الوطنية أو أداء واجب فاتورة الكهرباء. هناك مواطنون يدفعون أكثر من مئتي درهم مصاريف للتنقل، فقط لأداء فاتورة قيمتها لا تتعدى خمسين درهما. في المغرب المنسي.. تيار الوادي وحده من يجري بسرعة!





