برامج التنمية الترابية المندمجة … وصفة جديدة لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية

طبقا للتعليمات الملكية السامية، الواردة في خطاب عيد العرش المجيد، بتاريخ 29 يوليوز 2025، والخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، بتاريخ 10 أكتوبر 2025، حيث أكد الملك أنه “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”. ودعا إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية، والرامية إلى ضمان ولوج كل مواطنة ومواطن على قدم المساواة، إلى ثمار التنمية. وتنفيذا للتعليمات الملكية، خصصت الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2026، غلافا ماليا أوليا بمبلغ 20 مليار درهم، لإطلاق هذه البرامج، وتعمل الحكومة على تفعيل مقاربة تنموية ترابية مندمجة، تهدف إلى ضمان ولوج عادل لنتائج النمو وإلى الخدمات الأساسية لفائدة جميع المواطنين. وترتكز هذه الدينامية على استراتيجية متعددة القطاعات، تنبني على عدة روافع أساسية، كما تولي أهمية قصوى لإنعاش التشغيل باعتباره رافعة رئيسية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بالموازاة مع إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الصحة ومنظومة التعليم والتكوين المهني والبحث العلمي، بهدف تنمية مستدامة للرأسمال البشري.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
الحكومة تخصص 20 مليار درهم لتنزيل برامج التنمية الترابية المندمجة
تنفيذا للتعليمات الملكية خصصت الحكومة غلافا ماليا أوليا بمبلغ 20 مليار درهم، لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية والرامية إلى ضمان ولوج كل مواطنة ومواطن على قدم المساواة، إلى ثمار التنمية.
برنامج أولوي وعقود أهداف
حسب وثائق مشروع قانون المالية المعروض على أنظار البرلمان، تم، برسم سنة 2026، إعداد برنامج أولوي وعقود أهداف واضحة وقابلة للقياس تحدد العمليات التي يجب تنفيذها لتسريع تنزيل البرنامج وتحقيق أثره المباشر، ويتعلق الأمر بعمليات تخص بالأساس المناطق القروية الهشة والمناطق شبه الحضرية والتي يمكن إنجازها في ظرف وجيز، وتم تخصيص غلاف مالي أولي يقدر بــ 20 مليار درهم لتمويل هذه العمليات ذات الأولوية.
ويهدف هذا البرنامج إلى تسريع تنزيل عدد من الإجراءات الاستعجالية ذات الأثر الاجتماعي والترابي المهم الذي يمكن من تحسين الخدمات الأساسية (التعليم والصحة والماء) وتقليص الفوارق الترابية وتعزيز صمود المناطق الهشة (شبه الحضرية، القروية، الجبلية، الواحات) بالإضافة إلى تحفيز التشغيل المحلي.
وأفادت الوثائق بأن الاستثمارات العمومية عرفت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، حيث انتقلت من 182 مليار درهم سنة 2020 إلى 340 مليار درهم سنة 2025، وساهمت هذه الجهود في تمكين المملكة من بنيات مهيكلة كبرى بمعايير دولية، عززت من جاذبيتها وتنافسيتها.
وبالرغم من الإنجازات الملحوظة التي تم تحقيقها، سيما من خلال عدة برامج، تظل الاحتياجات المرتبطة بالبنيات التحتية الأساسية، على مستوى عدة مجالات ترابية، مهمة، وهو ما يشكل تحديا أساسيا يتمثل في ضرورة الحرص، بشكل استباقي، على أن يكون للاستثمارات العمومية أثر ملموس وقابل للقياس في ما يتعلق بخلق فرص الشغل وتحسين ظروف عيش المواطنين.
ويهدف الجيل الجديد من هذه البرامج إلى ترسيخ المكتسبات وتسريع وتيرة التحولات الجارية، والاستجابة بشكل دقيق وتشاركي للتحديات الجديدة، وهو ما يترجم على أرض الواقع الاختيار الاستراتيجي للجهوية المتقدمة.
محاور التنمية المندمجة
ترتكز المحاور ذات الأولوية المكونة لبرامج التنمية الترابية المندمجة وفقا للتوجيهات الملكية، على أربعة محاور، يتجلى أولها في دعم التشغيل، ويتعلق الأمر بتحديد المشاريع والعمليات التي يتعين إنجازها، من خلال تثمين الإمكانات والمؤهلات الاقتصادية والجهوية وخصوصيات كل مجال ترابي، بما يضمن تنمية الأنشطة الاقتصادية وخلق فرص الشغل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
ويتعلق المحور الثاني بتعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية خاصة في مجالي التربية والصحة، ويهدف هذا المحور إلى سد الخصاص المسجل في هذين المجالين كمّا ونوعا، بغية تحسين المؤشرات الاجتماعية بشكل ملموس. أما المحور الثالث فيتعلق باعتماد تدابير استباقية مستدامة للموارد المائية، من خلال إعطاء الأولوية لتلبية الحاجيات من الماء الصالح للشرب، وتعزيز التدابير الرامية إلى ترشيد استهلاكه والرفع من نجاعة استعماله والتخفيف من حدة الإجهاد المائي الذي تعرفه البلاد.
ويتجلى المحور الرابع في التأهيل الترابي المندمج، من خلال تحديد مشاريع التأهيل الترابي المندمج، في انسجام تام مع الأوراش الكبرى الجارية على الصعيد الوطني، وتحسين ظروف عيش الساكنة في بعض المناطق، خصوصا في الوسط القروي، والتي لا تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة بسبب النقص في البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، وإيلاء عناية خاصة للمناطق الجبلية والواحات، مع استحضارخصوصياتها وطبيعة حاجياتها، والتفعيل الأمثل لرافعات التنمية المستدامة على مستوى الساحل الوطني، وتدبير التوسع الحضري وتحسين ولوج ساكنة المراكز الناشئة إلى خدمات القرب.
إجراءات حكومية
قامت الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات لإطلاق مسار إعداد هذه البرامج، بتنسيق مع مختلف المتدخلين على الصعيد الترابي، وذلك من خلال إعداد دورية موجهة إلى الولاة والعمال بتاريخ 15 غشت 2025 لإطلاق مسار إعداد هذه البرامج بشكل رسمي، وتروم التذكير بالتوجيهات الملكية السامية التي تحدد الأولويات والإجراءات الواجب اتخاذها والضمانات الأساسية لإنجاح هذا الورش منذ انطلاقه إلى غاية تنفيذه، وشروع الولاة والعمال، بتنسيق مع كافة الفاعلين الترابيين المعنيين، في أشغال إعداد البرامج على المستوى الترابي، من خلال تعبئة وتحسيس جميع المتدخلين بالمنهجية المعتمدة والرهانات المرتبطة بإعداد وتنفيذ هذه البرامج.
ومن بين الإجراءات المتخذة، كذلك، إعداد دليل منهجي يحدد المراحل والآليات والإجراءات الواجب اتباعها لإعداد البرامج، وذلك لضمان مقاربة تشاركية مندمجة وفعالة تتماشى والتوجيهات الملكية السامية، وإحداث لجن قيادة جهوية وإقليمية مكلفة بتتبع مسار إعداد وتنفيذ هذه البرامج، وإحداث فرق عمل على مستوى كل عمالة وإقليم وإعداد مخطط عمل وجدول زمني للتنفيذ، وإطلاق مرحلة التشخيص الترابي المعمق لجمع المعطيات ذات الصلة والتحليل الموضوعي الدقيق، المتعدد الأبعاد والمحين لوضعية المجال الترابي (المؤهلات والإكراهات والفوارق والديناميات المحلية والمشاريع المنجزة والتي هي في طور الإنجاز والحاجيات المعبر عنها..).
ويتم حاليا العمل على إعداد هذه البرامج، وذلك بإجراء دراسة وتحليل نتائج التشخيص الترابي لوضعية التنمية على مستوى كل عمالة أو إقليم، استنادا إلى محاور البرامج ذات الأولوية (التشغيل، الخدمات الاجتماعية الأساسية، التدبير المستدام للموارد المائية والتأهيل الترابي المندمج)، وبعد ذلك سيتم إعداد خريطة الحاجيات ذات الأولوية، ويتعلق الأمر بتحديد الحاجيات ذات الأولوية للساكنة بالاستناد إلى مؤشرات قابلة للقياس وكذا الخصوصيات المحلية المنبثقة عن عمليات التشخيص التي تم إنجازها، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق القروية التي تعاني من الفقر والهشاشة، ثم تحديد المشاريع المقترحة المكونة للبرنامج، مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تتماشى والتوجهات الاستراتيجية للتنمية الترابية والحاجيات ذات الأولوية للساكنة.
الولاة والعمال يشرفون على إعداد برامج التنمية المجالية
وجه عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، من أجل الإسراع بتنزيل التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش الأخير، خاصة في المحور المتعلق بإعداد جيل جديد من برامج التنمية المجالية المندمجة القائمة على تعزيز الخصوصيات المحلية.
وأوضح وزير الداخلية في مراسلته أنه بمناسبة خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، أعطى الملك محمد السادس توجيهاته السامية لإعداد جيل جديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، القائمة على تعزيز الخصوصيات المحلية، وترسيخ الجهوية المتقدمة، ومبادئ التكامل والتضامن بين الكيانات الترابية، بهدف ضمان وصول كل مواطن إلى ثمار التنمية بشكل عادل.
وأكد لفتيت أن هذه البرامج، تأتي في سياق استمرار الإصلاحات والمبادرات التي تم إطلاقها تحت القيادة الملكية، ساهمت في تعزيز البنية التحتية، وتقليل التفاوتات المجالية، وتحسين ظروف العيش، ومع ذلك، وكما أشار الملك في خطابه، فإن بعض المناطق لم تستفد بشكل كامل من ثمار هذه الدينامية، مما يستدعي إعادة توجيه مقاربات التنمية المجالية نحو تدخلات أكثر استهدافا، واستباقية، وذات تأثير محلي قوي، وفي هذا الاطار، طالب وزير الداخلية الولاة والعمال بالتحرك بسرعة وكفاءة لضمان نجاح هذا المشروع الملكي، بالتنسيق مع الفاعلين المحليين المعنيين.
وتتلخص المحاور الرئيسية للبرامج في تعزيز التشغيل من خلال تحديد المشاريع والأنشطة التي تستفيد من الإمكانيات الاقتصادية المحلية وخصوصيات كل منطقة، لخلق مناخ ملائم لريادة الأعمال والاستثمار المحلي، وخاصة في القطاعات الإنتاجية، وتحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم والصحة، لضمان الكرامة والعدالة المجالية وتقليل التفاوتات المجالية، بالإضافة إلى الإدارة المستدامة للموارد المائية في ظل التغيرات المناخية وندرة المياه، وكذلك التأهيل المجالي المندمج، بما يتماشى مع المشاريع الكبرى الجارية على المستوى الوطني.
وأعطى وزير الداخلية توجيهات للولاة والعمال بخصوص منهجية العمل لإعداد هذه البرامج، وذلك من خلال عقد اجتماعات تشاورية مع الفاعلين المحليين (منتخبين، مصالح خارجية، جمعيات، قطاع خاص، جامعات…) لضمان التزام الجميع، ووضع خطط على مستوى العمالات والأقاليم، باعتبارها الإطار الأمثل لضمان التنسيق وتوزيع الموارد بكفاءة. كما حث وزير الداخلية على ضرورة التركيز على الأولويات، وذلك بناء على تشخيص دقيق للاحتياجات والإمكانيات المحلية.
وشدد الوزير على ضرورة انسجام البرامج مع التوجيهات الملكية والنموذج التنموي الجديد، وحذر من استغلال هذه البرامج لأغراض سياسية ضيقة، وبخصوص النتائج المتوقعة من هذه البرامج، تحدثت المراسلة عن تحسين مؤشرات التنمية البشرية، وتقليل الفوارق المجالية، وتعزيز جاذبية المناطق وقدرتها التنافسية، وخلق فرص عمل مستدامة.
وتشمل برامج التنمية الترابية المندمجة حزمة واسعة من المشاريع التي تستهدف قطاعات التعليم، عبر تأهيل المؤسسات التعليمية القروية وتعزيز النقل المدرسي ومحاربة الهدر الدراسي والحد من الفجوة الرقمية، والصحة من خلال تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية وتأهيل المراكز والمستشفيات المحلية وتوفير المعدات الطبية، إلى جانب قطاع الماء الصالح للشرب لضمان ولوج عادل ومستدام عبر تأهيل الشبكات وإحداث نقاط توزيع جديدة، فضلا عن مشاريع فك العزلة عن المناطق القروية، وتعميم الكهرباء بالطاقة الشمسية، وتهيئة المراكز القروية الناشئة، إلى جانب دعم التشغيل والإدماج الاقتصادي عبر خلق فرص شغل مؤقتة ودعم المقاولات الصغرى والتعاونيات، خاصة لفائدة النساء والشباب، وآليات تنفيذ محكمة لضمان النجاعة.
ولتأمين فعالية هذه البرامج، تم اعتماد إطار مؤسساتي وتنظيمي متكامل يشمل إصدار دورية وزارية توجيهية، وإحداث لجان قيادة جهوية وإقليمية، وإعداد دليل منهجي، فضلا عن نظام حكامة قائم على عقود الأهداف وربط التمويل بالنتائج.
كما تم تعزيز قدرات الجماعات الترابية في مجالات البرمجة والتدبير والمراقبة، وإطلاق نظام معلوماتي حديث لتتبع البرامج، ما يمكن من قياس الأثر الفعلي للمشاريع وضمان حسن استخدام الموارد العمومية.
اللقاءات التشاورية ركيزة لإعداد البرامج الجهوية للتنمية المندمجة
في إطار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، أصبحت اللقاءات التشاورية مع الفاعلين المحليين والجمعيات المدنية إحدى الركائز الأساسية لإعداد البرامج الجهوية للتنمية المندمجة. هذه اللقاءات ليست مجرد نشاط شكلي، بل تمثل أداة حقيقية لتحديد أولويات التنمية، وضمان انسجام الاستثمارات مع حاجيات المواطنين، وتعزيز مبدأ العدالة المجالية بين مختلف المناطق.
لقاءات لصياغة سياسات التنمية
تأتي هذه اللقاءات في سياق إدراك الجهات لأهمية إشراك الفاعلين المحليين في صياغة سياسات التنمية. فقد أثبتت التجارب السابقة أن السياسات العمودية، القائمة على مقاربات قطاعية منفصلة، غالبا ما تفشل في تحقيق أثر ملموس، لأنها لا تعكس الخصوصيات المحلية ولا تلبي حاجيات السكان بشكل حقيقي.
توضح مصادر مطلعة أن اللقاءات التشاورية تمثل مرحلة أساسية ضمن المنهجية المعتمدة في إعداد البرامج الجهوية، إذ تتيح للجهات جمع معلومات دقيقة حول المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، ومستوى البنية التحتية، وحاجيات القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والشغل، وكذلك توزيع الموارد المحلية. كما تسمح هذه اللقاءات بمناقشة التحديات المزمنة التي تعاني منها المناطق القروية والحضرية على حد سواء، وبطرح الحلول العملية وفق رؤية شمولية.
تبدأ هذه اللقاءات عادة بمرحلة تشخيص دقيقة، يتم فيها جمع البيانات الإحصائية وتحليل الفجوات التنموية بين مختلف الجماعات الترابية. بعدها، يتم تنظيم موائد مستديرة وورشات عمل تجمع بين المنتخبين المحليين، ممثلي الجماعات الترابية، ممثلي الغرف المهنية، الفاعلين الاقتصاديين، ومنظمات المجتمع المدني.
وتضيف المصادر نفسها أن اللقاءات تركز على القطاعات الأساسية بشكل متوازن، بدءا من البنية التحتية والخدمات الأساسية، مرورا بالاقتصاد المحلي ودعم التشغيل، وصولا إلى تعزيز التكوين والمهارات المهنية، وتنمية المشاريع الصغرى والمتوسطة. ويُعطى اهتمام خاص للتنمية القروية والمناطق المهمشة، لضمان مساهمة البرامج الجهوية في الحد من التفاوتات المجالية وتحقيق العدالة الترابية.
من أبرز المزايا التي توفرها اللقاءات التشاورية، إشراك جمعيات المجتمع المدني التي تعد حلقة وصل بين السكان والجهات، بما يسمح للبرامج أن تعكس حاجيات الناس اليومية على الأرض. فمشاركة هذه الجمعيات لا تقتصر على تقديم مقترحات، بل تشمل تقييم المشاريع المقترحة ومراقبة مراحل التنفيذ، ما يعزز شفافية البرامج ومصداقيتها.
كما تسمح هذه المشاركة بمساءلة الجهات، وتحفز على تحقيق توازن بين الأهداف التنموية الكبرى ومتطلبات السكان، بما يضمن أن تكون كل استثمارات البرامج الجهوية ذات أثر حقيقي ومستدام.
تحديد أولويات التنمية
تساهم اللقاءات التشاورية في تحقيق العدالة المجالية عبر تحديد المناطق الأكثر هشاشة، وأولويات التنمية فيها. إذ تتيح للجهات معرفة الفجوات في الولوج إلى الخدمات الأساسية، مثل الصحة والتعليم والماء والكهرباء، وكذلك فجوات الاستثمار وفرص الشغل. ومن خلال هذه المعلومات، يمكن توجيه الموارد بشكل عادل، مما يحد من التفاوتات بين المناطق الحضرية والمناطق القروية أو النائية.
كما تتيح اللقاءات الفرصة لمناقشة توزيع المشاريع بين مختلف الجماعات الترابية داخل الجهة الواحدة، ما يضمن عدم ترك أي منطقة خارج دائرة التنمية، ويحقق التوازن بين المناطق الغنية بالمؤهلات والمناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية.
ورغم أهمية اللقاءات التشاورية، تواجه الجهات عدة تحديات، من أبرزها تفاوت القدرات التنظيمية والإدارية بين الجماعات الترابية، ما يجعل بعض الجماعات أقل قدرة على التعبير عن حاجياتها ومتابعة تنفيذ البرامج. كما أن القدرات المالية المحدودة لبعض الجهات، قد تؤثر على إمكانية ترجمة المقترحات المخرجة عن اللقاءات إلى مشاريع فعلية.
إضافة إلى ذلك، يحتاج التنسيق بين الفاعلين المحليين والقطاعات الوزارية المختلفة إلى آليات متابعة دقيقة، لضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال اللقاءات، وتقييم النتائج، وتصحيح المسار عند الضرورة.
وأظهرت تجارب عدد من الجهات المغربية أن اللقاءات التشاورية، حين تُنظم بشكل منتظم ووفق منهجية واضحة، يمكن أن تكون أداة ناجعة في رفع مستوى التخطيط المحلي، وتوجيه الموارد بكفاءة، وتقليص الفوارق المجالية. فهي لا توفر فقط فرصة للمناقشة، بل تشكل أيضا منصة لتبادل الخبرات، وتعزيز الثقة بين الفاعلين، وإشراك السكان في صناعة القرار.
كما أن توثيق هذه اللقاءات وإدماج نتائجها ضمن برامج التنمية يعزز الشفافية والمساءلة، ويحد من أي شبهات حول توجيه المشاريع بما يخدم مصالح خاصة على حساب التنمية الشاملة.
يمكن القول إن اللقاءات التشاورية ليست مجرد نشاط شكلي ضمن إعداد البرامج الجهوية للتنمية المندمجة، بل هي آلية حيوية لضمان أن تكون هذه البرامج ذات أثر ملموس، وقادرة على تحقيق العدالة المجالية، وتقليص الفوارق بين المناطق. فإشراك الفاعلين المحليين، والمنتخبين، وجمعيات المجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين، يتيح للجهات وضع خطط تنموية واقعية، تعكس الحاجيات الحقيقية للسكان، وتضمن توزيع الموارد بطريقة عادلة ومستدامة.
وفي ظل استمرار هذه الدينامية، يصبح من الممكن للمغرب أن يعزز النمو الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الترابي، ويضمن أن يكون لكل منطقة حقها في التنمية، بعيدا عن الهشاشة والتفاوتات المفرطة، بما يحقق فعليا رؤية الجهوية المتقدمة وتنمية مجالية متوازنة وشاملة.
البرامج الجهوية للتنمية المندمجة لتحقيق التنمية المجالية المنشودة
تشكل البرامج الجهوية للتنمية المندمجة اليوم إحدى أهم الآليات التي تعتمدها المملكة من أجل تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف الجهات. فمع دخول ورش الجهوية المتقدمة حيّز التنفيذ، أصبحت الجهة إطاراً استراتيجياً للتخطيط ولم تعد مجرد وحدة إدارية تُناط بها مهام التنسيق فقط.
إكراهات تنموية
هذا التحول في مقاربة تدبير المجال جاء استجابة لمجموعة من الإكراهات التنموية التي عانت منها العديد من المناطق، سواء على مستوى الولوج إلى الخدمات الأساسية أو البنيات التحتية أو دينامية الاستثمار، ما فرض الانتقال نحو برامج مندمجة تعتمد الالتقائية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
اعتمدت الدولة، في السنوات الأخيرة، مقاربة جديدة ترتكز على إعداد برامج جهوية للتنمية وفق تشخيص شامل ودقيق لحاجيات كل مجال. وتميزت هذه البرامج بكونها غير قطاعية، بل متعددة الأبعاد، تدمج فيها مشاريع مرتبطة بالبنيات التحتية، الصحة، التعليم، التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتأهيل المجال الحضري والقروي. الهدف من هذا التوجه تجاوز المقاربة العمودية التي اتسمت بها السياسات السابقة، والتي كانت تؤدي، في الكثير من الأحيان، إلى تشتت الجهود وغياب التنسيق بين الفاعلين الوطنيين والترابيين.
إن اعتماد هذه البرامج جاء نتيجة إدراك الدولة أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا بمراعاة خصوصيات كل مجال ترابي، وأن الحلول الجاهزة لا يمكن أن تكون ناجعة في واقع متعدد ومختلف. من هنا جاءت ضرورة إشراك الفاعلين المحليين (منتخبين، مجتمع مدني، فعاليات اقتصادية) في كل مراحل الإعداد والتنفيذ.
من أبرز ما يميز هذه البرامج اعتمادها بشكل واضح على المنهجية التشاركية، إذ قامت الجهات بتنظيم لقاءات واسعة مع رؤساء الجماعات، الغرف المهنية، الجمعيات المحلية، إضافة إلى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بهدف تحديد الأولويات التنموية بدقة. وتمت دراسة مؤشرات متعددة تشمل نسب الفقر والهشاشة، العجز في التجهيزات الأساسية، الخصاص في البنيات الصحية والتعليمية وتحليل فرص الاستثمار الممكنة.
هذه المنهجية مكنت من بلورة برامج تعكس الحاجيات الحقيقية للساكنة، وليس فقط رؤية تقنية لمكاتب الدراسات. فضلا عن أنها سمحت بتوسيع دائرة المشاركة السياسية وتثبيت مشروعية الديمقراطية التشاركية في التخطيط الترابي، بما ينسجم مع مقتضيات دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجهات.
البرامج الجهوية للتنمية المندمجة تقوم على مبدأ جوهري هو الالتقائية، فبدل أن تقوم كل وزارة أو قطاع بتنفيذ مشاريع منفصلة، يتم التركيز على مشاريع مشتركة ومتكاملة تجمع بين مختلف المتدخلين، بدءاً من الجهات والجماعات الترابية، وصولاً إلى القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية. وهذا ما يسمح بتفادي تكرار المشاريع، وترشيد الإنفاق العام وضمان تنفيذ منسق يحقق أثراً ملموساً.
فالجهة، باعتبارها مؤسسة منتخبة ذات اختصاصات موسعة، أصبحت هي المحرك الرئيسي لهذه الالتقائية. وبفضل الشراكات التي تعقدها مع الدولة والقطاع الخاص، أصبحت مشاريع الطرق، المستشفيات، المناطق الصناعية، مراكز التكوين وبرامج دعم التشغيل تتجه نحو تحقيق أهداف مشتركة، وليس فقط تنفيذ التزامات قطاعية معزولة.
خصاص مهول في التجهيزات
ترتكز هذه البرامج على بعد اجتماعي قوي، يتمثل في تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، وتوفير بنية صحية وتعليمية قادرة على مواكبة الزيادة الديمغرافية وتحسين مؤشرات التنمية البشرية. فالكثير من الجهات تعاني من خصاص مهول في تجهيزات المستشفيات، وحدات الرعاية الأولية، المؤسسات التعليمية وشبكات النقل، ما جعل من هذه المجالات أولوية داخل برامج التنمية.
يتم التركيز، كذلك، على البعد الاقتصادي عبر خلق مناطق صناعية ولوجيستية جديدة، دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتحسين جاذبية المجال للاستثمار الوطني والأجنبي. فالجهة لا تُبنى فقط بالطرق والمباني، بل كذلك بخلق فرص الشغل وتنشيط الدورات الاقتصادية المحلية.
يُنظر إلى هذه البرامج باعتبارها آلية أساسية لتحقيق العدالة المجالية، لأنها تُعيد توزيع الاستثمارات بطريقة تراعي الفوارق الحقيقية بين المناطق. فإذا كانت بعض الجهات تعرف دينامية اقتصادية قوية بفعل توفرها على بنيات لوجيستية ومراكز جامعية واستثمارات صناعية، فإن جهات أخرى تعاني من هشاشة مرتفعة وغياب فرص التنمية.
من خلال هذه البرامج، أصبح بإمكان الجهات الأقل استفادة من الاستثمارات أن تحصل على تمويلات أكبر، وأن توجه مشاريع نحو المناطق القروية والنائية التي كانت في السابق خارج دائرة الاهتمام. ناهيك عن أن مؤشرات التتبع والتقييم المرافقة لهذه البرامج تسمح برصد تطور الأعمال المنجزة، وتصحيح ما قد يعتريها من اختلالات في الوقت المناسب.
ورغم أهميتها، تواجه البرامج الجهوية للتنمية المندمجة عدداً من التحديات، أبرزها تفاوت القدرات التدبيرية بين الجهات والجماعات، وضعف الموارد المالية لبعض الجهات مقارنة بحجم الحاجيات، وتعقيد المساطر الإدارية التي قد تعيق سرعة تنفيذ المشاريع، حاجة أكبر إلى الكفاءات التقنية المتخصصة في التخطيط الترابي.
لكن، ورغم هذه الصعوبات، فإن هذه البرامج تمثل خطوة حقيقية نحو نموذج تنموي جديد قائم على العدالة المجالية والحكامة الجيدة والتخطيط التشاركي.
عبد الحفيظ أدمينو* : «برامج التنمية الترابية المندمجة مدخل لتحقيق رهانات العدالة المجالية»
– ما الخلفيات التي دفعت الدولة إلى إقرار برامج جهوية للتنمية المندمجة؟
+ الإعلان عن برامج جهوية للتنمية المندمجة لم يكن قراراً تقنياً ولا إجراءً تدبيرياً عادياً، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ارتبطت أساساً بتفعيل ورش الجهوية المتقدمة كما نص عليه دستور 2011، وبالرغبة في إرساء نموذج تنموي يقوم على تقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الترابية.
ووفق رؤية الدولة، فإن الجهة لم تعد مجرد وحدة ترابية لتجميع التدبير الإداري، بل أصبحت إطاراً استراتيجياً للتخطيط، يتم من خلاله تنزيل السياسات العمومية وفق حاجيات كل مجال. والتجارب السابقة، سواء على مستوى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو البرامج القطاعية المنفصلة، كشفت محدودية المقاربات العمودية التي كانت تعتمد على تدخلات قطاعية غير منسقة، لا تراعي الخصوصيات المحلية ولا تُشرك الفاعلين الترابيين.
ولهذا، جاء التوجه نحو برامج تنمية مندمجة للقطع مع هذا المنطق، وللانتقال إلى مقاربة تجميعية تعتمد على الالتقائية والتنسيق بين الدولة والجهات وباقي الجماعات المحلية، بهدف تحقيق أثر تنموي ملموس وقابل للقياس.
أما الخلفية الثانية فتكمن في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها الجهات، والتي فرضت إعادة توزيع الاستثمارات وخلق توازنات جديدة بين المجالات الحضرية وشبه الحضرية والقروية. فالكثير من الجهات تعاني من تفاوتات حادة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، والبنيات التحتية وفرص الشغل، ما يتطلب برامج قوية ومندمجة تعيد الاعتبار للمناطق المهمشة.
ولا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة دون أدوات تخطيط فعّالة. وبرامج التنمية الترابية المندمجة إحدى أهم هذه الأدوات، لأنها تُمكّن من ترجمة التوجهات الكبرى إلى مشاريع ميدانية منسقة تهم التعليم والصحة والطرق، والتنمية الاقتصادية والحكامة المحلية.
– ما المنهجية التي تم اتباعها لإعداد هذه البرامج، وكيف تمت الاستعانة باللقاءات التشاورية مع الفاعلين المحليين وجمعيات المجتمع المدني؟
+ يتضح أن برامج التنمية المندمجة تشكل اليوم إحدى الركائز الأساسية لتفعيل الجهوية المتقدمة، ووسيلة عملية لتقليص الفوارق المجالية عبر إشراك الفاعلين المحليين واعتماد التخطيط التشاركي. غير أن نجاح هذه البرامج يبقى رهيناً بمدى تطبيق مبادئ الحكامة، وضمان الالتقائية بين القطاعات وتعزيز قدرات الجماعات المحلية لتصبح فاعلاً حقيقياً في التنمية.
إعداد البرامج المندمجة للتنمية الترابية اعتمد على منهجية تشاركية متعددة المستويات، الهدف منها ضمان التعبير الواقعي عن حاجيات الساكنة وإشراك مختلف الفاعلين في صياغة توجهات التنمية داخل الجهة.
في التجربة المغربية أصبح إشراك الفاعل المحلي شرطاً إلزامياً في كل تخطيط تنموي. ولهذا اعتمدت الجهات سلسلة من اللقاءات التشاورية التي جمعت المنتخبين ورؤساء الجماعات، وغرف التجارة والفلاحة والصناعة التقليدية، فضلاً عن فعاليات المجتمع المدني المحلية.
هذا المسار التشاوري لم يكن شكلياً، بل جرى وفق منهجية دقيقة تبدأ بتشخيص الحاجيات عبر تقارير تقنية وإحصائية، ثم الدراسات الخاصة بكل محور، يليها تنظيم موائد مستديرة وورشات عمل موسعة. وتم إعطاء مكانة خاصة لجمعيات المجتمع المدني باعتبارها الأقرب لواقع الساكنة، وكذا للفاعلين الاقتصاديين الذين يملكون رؤية حول فرص الاستثمار وآفاق النمو، فضلا عن أن هذه المنهجية جاءت انسجاماً مع مقتضيات القانون التنظيمي للجهات، الذي يفرض على المجالس الجهوية اعتماد مقاربة تشاركية في صياغة برامج التنمية، ويجعل من النقاش العمومي أحد أهم شروط مشروعية البرنامج.
وفي هذا السياق يمكن القول إن اللقاءات التشاورية سمحت بتقريب الرؤى بين المنتخبين والسلطات الترابية وممثلي الساكنة، ومكنت من توحيد الأولويات، خصوصاً على مستوى البنيات الأساسية، الصحة، التعليم، تطوير المناطق الصناعية، دعم التشغيل وإعادة تأهيل المناطق الحضرية والقروية، علما أن عملية الإعداد اعتمدت مقاربة تقنية دقيقة بنيت على مؤشرات كمية ونوعية، منها معدل الهشاشة، نسب البطالة وحجم العجز في التجهيزات الأساسية، ما أعطى للبرنامج طابعاً واقعياً وقابلاً للتقييم والمحاسبة.
- إلى أي حد يمكن لهذه البرامج تحقيق مبدأ العدالة المجالية بين مختلف المناطق؟
+ العدالة المجالية ليست مجرد شعار تنموي، بل هي رهان سياسي ومؤسساتي كبير، يرتبط بقدرة الدولة على إعادة توزيع الثروة والكفاءات والخدمات بشكل متوازن بين المناطق، إضافة إلى أن برامج التنمية الترابية المندمجة تملك إمكانات كبيرة لتحقيق هذا المبدأ، لثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً: لأنها تعتمد على قاعدة بيانات واقعية تسمح بتحديد الفجوات المجالية بدقة، ما يجعل توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر هشاشة عملية ممكنة ومبنية على معطيات ملموسة.
ثانياً: لأنها تعزز الالتقائية بين الاستثمارات العمومية، فبدل أن تشتغل الوزارات بشكل منفصل، يتم التركيز على مشاريع مشتركة ذات أثر مباشر على تحسين مؤشرات التنمية المحلية. وهذا يجعل الاستثمار العمومي أكثر نجاعة ويقلص التفاوت الحاصل بين الجماعات الترابية داخل الجهة الواحدة.
ثالثاً: لأن هذه البرامج تُخضع لتتبع وتقييم يتيح رصد الاختلالات وتصحيحها في الزمن المناسب، وبالتالي ضمان الاستمرارية وتحسين الأداء، غير أنه يجب التنبيه إلى أن العدالة المجالية لن تتحقق بشكل كامل دون معالجة بعض الإشكالات البنيوية، من بينها ضعف الإمكانات المالية للجماعات الترابية مقارنة بحجم الحاجيات، تفاوت القدرات التدبيرية بين المجالس المحلية والحاجة إلى تعزيز الموارد البشرية المؤهلة في مجالات التخطيط والمالية الترابية.
وعموما فبرامج التنمية المندمجة تُمثل خطوة مهمة نحو العدالة المجالية، لكنها ليست الحل السحري. يجب العمل على مواكبتها بإصلاحات عميقة في الحكامة الترابية، وتبسيط المساطر وتعزيز تنافسية المناطق القروية، ودعم الاستثمار المحلي. عندها فقط يمكن تحقيق التحول الحقيقي في توزيع فرص التنمية بين الجهات والعمالات والجماعات.
*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق السويسي






