حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

بلد التعايش الثقافي

 

 

يسرا طارق

منذ أزمنة بعيدة أثارت الحياة في المغرب اهتمام الكثير من الأوروبيين، وتحول هذا الاهتمام إلى عشق كبير جعلهم يقررون الاستقرار في المغرب مدى الحياة. وهب الله المغرب تنوعا جغرافيا كبيرا، بحيث أن زائره يخرج من السهول إلى الصحاري بسرعة، ويصعد من المنبسطات نحو المرتفعات الشاهقة في ساعات قليلة، كما يمكنه أن ينتقل من الأماكن المكتظة بالسكان إلى السهوب الخالية تماما، وفي اليوم نفسه يمكنه أن يرى الثلج ويرى واحة تحت لهيب الشمس، ويقف بجانب عمارة زجاجية تناطح السماء، وبعد كيلومترات يجد نفسه أمام المخازن الجماعية المبنية بالتراب والحجر والخشب. لا ينتقل الزائر للمغرب من مكان إلى مكان وهو يرى نفس المنظر، ونفس العمران، ونفس الغطاء النباتي، ونفس الفلاحين ونفس الرعاة والقطعان، ونفس السيارات والشاحنات، ونفس الوجوه، ونفس الأزياء، ويسمع نفس اللهجة، ويرى نفس الضحكة، ونفس طريقة إعداد الشاي، ونفس أصناف الأكل، ويستمتع بنفس أشكال الرقص والغناء، لا يرى ولا يسمع، ولا يتذوق الزائر وهو يعبر المغرب إلا التعدد الخلاق والتنوع الكبير داخل الوحدة، فكل منطقة من مناطق المغرب تصنع خصوصيتها وتحافظ عليها، هذا المغرب الذي فيه ثراء قارة شاسعة، وفيه أيضا حضور تاريخي عريق، يجعل كل من يزوره يحس، وهو أمام مئذنة أو سور تاريخي أو زقاق في مدينة قديمة، بأن التاريخ مر من هناك وراكم بصماته، هذا المغرب، الموغل في العراقة والمنفتح على زمنه الحالي، هو الذي دفع أناسا كثرا ليتخذوه سكنا، ولسنا في حاجة لنذكر هنا بكل الأسماء الشهيرة التي سكنت طنجة ومراكش وأكادير والرباط وفاس والدار البيضاء (بول بولز، خوان غويتيسولو، جون جينيه، ماجوريل، إيف سان لورون..).

عرف المغرب ومنذ أن تشكل كبلد، كيف ينسج محددات عيش مشترك، رغم التباين والاختلاف، تعايش فيه المسلمون واليهود، ومارسوا فيه تعاليم دينيهم في احترام تام، ولم يسجل التاريخ الطويل لليهودية في المغرب، وحتى في الجبال والمناطق النائية، إلا احتكاكات عابرة، سرعان ما كان المغاربة يتجاوزونها، وتعايشت فيه أيضا القاعدة الأمازيغية بالعناصر العربية أو المعربة الوافدة، وحمت دول العصبيات الأمازيغية اللغة العربية وعملت على تطويرها، ومن خلال شواطئه وتاريخه الأندلسي، انفتح المغرب على العالم، وتمكن دوما من أن يكون على اطلاع على ما يجري في الضفة الأخرى. حارب المغاربة طويلا في تاريخهم، لكنهم ساكنوا الآخرين أيضا، وعرفوا كيف يعاملونهم، ويكسبون مودتهم وتفهمهم، وإن كانت من فضيلة ميزت المغرب على غيره من البلدان، فهي فضيلة رفع التعايش الثقافي إلى خيار حضاري.

لا يتوفر المغرب على خيرات معدنية كبيرة ووافرة، باستثناء الفوسفاط، لكنه يمتلك ذكاء سكانه، ومهاراتهم في الاستيعاب وقدراتهم على فهم شفرات الشعوب الأخرى، لذلك المغربي بارع في التكيف داخل المجتمعات التي يهاجر إليها، وقادر على تحقيق نجاحات باهرة، هذه القدرات لا تمنحها الإرادة وحدها، ولا ما تلقاه الواحد من تعليم، وإنما تعطيها الثقافة بما تمنحه للفرد من قدرات على مواجهة الصعاب وابتكار أيسر السبل لإيجاد مخرج منها.

علينا أن نستثمر في هذه «أنا أحب المغربI love Morocco » التي صارت شعارا متداولا في كل بقاع العالم، لا لنجلب السياح والمقيمين فقط، وإنما لنجعل من القوة الناعمة للمغرب طريقا لجلب الاستثمارات الكبرى، وصيانة حقوق المغرب وبناء بلد ينعم فيه الناس ومجالاتهم بالكرامة. غنى المغرب الحقيقي يكمن في ناسه، وهذا ما يجعل المغربي، أينما كان، محل احترام وتقدير وإعجاب.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى